علاء الدين أبو زينة

الإنسانيات في زمن الحرب

تم نشره في الأحد 15 شباط / فبراير 2015. 12:07 صباحاً

شاركت صديقة أجنبية مقولة للروائية الأميركية، آن لاموت، على الفيسبوك. قالت لاموت:
"يا إلهي، ماذا لو أنك استيقظت ذات يوم، فإذا أنت في الخامسة والستين، أو الخامسة والسبعين من العمر، ووجدت أنك لم تكتب مذكراتك أو روايتك بعد؛... أو أنك كنت مدمناً على  مطاردة الكمال المطلق وإرضاء الناس، حتى أنك نسيت أن تعيش حياة خلاقة ريانة من الخيال والسكون المغرق والتحديق في الفضاءات مثلما كنت تفعل وأنت طفل؟ سوف يكسر ذلك قلبك. لا تدعه يحدث".
في المقتطف، ذكرت الكاتبة شيئاً أيضاً عن مغبة تفويت السباحة في البرك الدافئة والمحيطات خجلاً من المظهر. لكنّ نصيحتها للجميع هي الدعوة إلى الحياة في كل تفصيل. أما الذين ينطوون على إمكانية الإبداع، فعليهم أن لا يهدروا الوقت دون أن يكتبوا روايتهم بسبب كثرة الحسابات. وذكرت الكاتبة بالتحديد فكرة تردد المبدعين في الإنتاج بسبب الهوس بالكمال المطلق والخوف من النقد. وفي الحقيقة، ربما يكون عدد مبدعينا المحتملين الذين يستيقظون على ذهاب العمر بلا شيء أكبر من الذين يفعلون، لكثرة خوفنا من الناس، ولفظاعة سلطة الأعراف والرقابات.
وددتُ لو أكتب للصديقة شيئاً، فكان مزيجاً من الحسد والحسرة. إننا نعيش في زمان ومكان لا يتيحان المساحة الطبيعية للإنسانيات والوجدانيات –ناهيك عن ممارسة العيش البسيط بانفراج نسبي. لا يتعلق الأمر غالباً بخجل المرء من سمنته بقدر ما يتصل بكون السباحة ترفاً في منطقة بلا ماء ولا محيطات. وليست الفكرة أن المبدعين ينشدون الكمال ويحسبون حساب الآخرين، بقدر ما هي جعل الإبداع مستهدفاً بالإفقار والإخماد وقلة الحفاوة، بحيث يفقد صاحبه الإحساس بالمعنى.
في العقود الأخيرة، أصبح قدر سكان هذه المنطقة هو العيش في حالة حرب شبه دائمة. ثمة الحرب اليومية من أجل لقمة العيش الأساسية؛ وهناك الحرب للعثور على الذات الفردية والمعنى الشخصي؛ وهناك الحرب من أجل تعريف الذات الجماعية المهدورة والهوية الضائعة؛ وهناك: الحرب الفيزيائية والخوف على البقاء البسيط نفسه. لكن الحرب الجديدة التي تميز المنطقة في هذه الآونة، تُشنُّ بضراوة غير مسبوقة على كل فكرة جديدة، بل على مكونات إنسانيتنا الأساسية، ومعها تجلياتها الجمالية.
بالإضافة إلى كثرة الممارسات التي يُفترض أن تكون طبيعية، والمصنفة لدينا في منطقة الترف، أصبح الفعل الثقافي أو الجمالي مُحتقراً بطريقة غير مسبوقة، وصعباً جداً أيضاً. لم يعد يسهل استخلاص الجمال من الجمال البحت النادر، ناهيك عن استخلاص "جماليات" من حالة حرب. وإذا كان ناقد شهير قد لاحظ مرة أن هناك ألف ناقد يقرأون بعضهم بعضاً فقط ولا يقرؤهم أحد، فلم يعد حتى ذلك يحدث في دوائر المشتغلين بالفكر والجمال أنفسهم. وبذلك يكون انكسار القلب حتمياً: لا فرق بين انكساره بحبس الفكرة في منطقة الإمكانية، وبين انكساره إذا كانت الفكرة موجودة بالفعل، لكنها كاسدة بلا مشترين.
في البال، بخصوص الحرب والإبداع، ما صنعته النكبة في الخبرة الفلسطينية. بعد وقت قصير نسبياً من وضع الفلسطينيين في حالة حرب وحشية على كل الجبهات الممكنة، شرعت خيام اللاجئين في إنتاج رواية، وقصة قصيرة، وفن تشكيلي، وموسيقى وأغنية. وفي تعبير فريد عن تغلب رغبة الحياة على قوة الموت، قاوم الناس بهذه الطريقة، بحيث ينتهي تفاعل المتلقي غالباً مع قصة لغسان كنفاني أو لوحة لإسماعيل شموط، ممتوحين من واقع الحرب الفظيع، بتعليق استطيقي مناقض: "جميل!" ولعل المبرر هو تمكن الفلسطيني من تعقب الأمل والعثور على بقاياه في أزقة الفجيعة.
منذ حرب التحالف الكبيرة على صدام حسين في أوائل التسعينيات، على الأغلب، غمر روحنا الجمعية إحساس هائل بالهزيمة النهائية. في تلك الآونة، بدأ اقتراح أن أفضل شيء يستطيع أحد أن يفعله، هو أن ينكفئ ويصمت، في محاولة أخيرة للحفاظ على آخر ما قد يكون ادخره من النقاء والمبدأ. وإذا كان صاحب الاقتراح الجديد قبل ذلك مشروع سجين حتمي لدى الأنظمة المحلية، فقد أصبح بعد تلك المرحلة هدفاً صغيراً لغول عالمي من جهة، ورهينة نضاله مع إحباطه الذاتي من جهة أخرى.
هذه الحرب الخالية بفرادة من كل بقعة للجماليات والإنسانيات، تكسر حتى أكثر القلوب توقاً. ولا نعرف كيف نجعل ذلك لا يحدث!

التعليق