الشرق الأوسط الذي كان يمكن أن يكون

تم نشره في الخميس 26 شباط / فبراير 2015. 01:00 صباحاً
  • حدود منطقة الشرق الأوسط كما وضعتها لجنة كينغ وكرين قبل قرن تقريباً - (أرشيفية)

نك دانفورث* – (الأتلانيك)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

13/2/2015

في العام 1919، أرسل الرئيس الأميركي وودرو ويلسون رجلاً لاهوتياً يدعى هنري كينغ، وأحد أقطاب صناعة السباكة، يدعى تشارلز كرين، في مهمة ترمي إلى فهم طبيعة الشرق الأوسط وكيف يمكن ترسيم حدوده. فوسط انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، كان المستقبل السياسي في المنطقة غير مؤكد، وبدا أن الرجلين يوفران المزيج الضروري من فطنة التاجر وحكمة العارف بالكتاب المقدس. كان مسعى كينغ وكرين هو معرفة الكيفية التي يريد سكان المنطقة أن يُحكموا بها. وكان ذلك سيشكل اختباراً رئيسياً لإيمان ويلسون بمبدأ تقرير المصير الوطني: المبدأ القائم على أن كل شعب يجب أن يحصل على دولة خاصة به، والتي تكون ذات حدود واضحة المعالم.
بعد أن أمضيا ثلاثة أسابيع في إجراء مقابلات مع القيادات الدينية والمجتمعية في سورية ولبنان وفلسطين وجنوب تركيا، اقترح الرجلان وفريقهما أن يتم تقسيم الأراضي العثمانية على النحو المبين في الخريطة المرفقة. وغني عن القول إنه قد تم تجاهل تلك المقترحات. ووفقاً لاتفاقية سايكس بيكو التي وضعتها بريطانيا وفرنسا سراً في العام 1916، استولت بريطانيا وفرنسا على المنطقة في نهاية المطاف فيما سمي انتداباً أو سلطات مؤقتة. وسوف تصبح المنطقة التي تديرها فرنسا في وقت لاحق مكونة من لبنان وسورية، وستكون المنطقة البريطانية ما أصبح إسرائيل والأردن والعراق.
اليوم، يجادل الكثيرون بأن قرناً من العنف وعدم الاستقرار اللذين يعزان على الوصف -وهو ما بلغ ذروته في محاولة "داعش" الوحشية محو حدود الشرق الأوسط- كان يمكن تجنبه لو أن كل واحد من شعوب المنطقة حصل على استقلاله بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن، وكما اكتشفت بعثة كينغ-كرين في العام 1919، فإن المجموعات العرقية والدينية لم تقم أبداً بتقسيم أنفسها إلى وحدات منفصلة، ولم يكن أعضاء كل مجموعة يتشاركون بالضرورة رؤية واحدة حول الكيفية التي يرغبون بأن يُحكموا بها.
ما يزال تقرير كينغ وكرين يشكل وثيقة مدهشة -ليس بسبب ما يكشفه عن الشرق الأوسط كما كان يمكن أن يكون، بقدر ما يقدم من إيضاحات للمعضلات الأساسية التي ينطوي عليها رسم، أو عدم رسم حدود في المنطقة. وفي واقع الأمر، أصر التقرير على إجبار الناس على العيش معاً من خلال ترتيبات قانونية معقدة برؤية تستبق تصور المقترحات الأكثر جدة.
من بين أمور أخرى، خلص الباحثون إلى أن تقسيم العراق إلى دويلات عرقية كان أسخف كثيراً من أن يستحق المناقشة. وكان اليونانيون والأتراك يحتاجون إلى بلد واحد فقط؛ لأن "العرقين يكملان بعضهما بعضا". وكان المسلمون والمسيحيون من سورية بحاجة إلى تعلم "العيش معاً بشكل ما" لأن "الدرس الكامل المستقى من الوعي الاجتماعي الحديث يشير إلى ضرورة فهم "النصف الآخر"، الذي لا يمكن أن يُفهم إلا من خلال العلاقات الوثيقة وعلاقات العيش".
لكن المفوضين أدركا أيضاً أن خلط الجماعات العرقية أو الدينية المتنوعة معاً في دول كبيرة ببساطة، يمكن أن يؤدي إلى نتائج دموية. واقترح تقريرهما كل أنواع الأفكار للانتدابات المتداخلة المكونة من طبقات، أو الدول الاتحادية ثنائية القومية، لكي يذهبا في نهاية المطاف إلى رؤية يمكن اعتبارها إما قبل أو ما بعد قومية، اعتمادا على منظور المرء. وبالإضافة إلى تحديد مناطق عدة للحكم الذاتي، اقترحت البعثة أن تصبح القسطنطينية (إسطنبول حالياً) منطقة دولية تديرها عصبة الأمم، بما أنها "لا توجد دولة واحدة يمكن أن تكون مناسبة للاضطلاع بهذه بمهمة" السيطرة على المدينة والمضائق المحيطة بها، "خاصة وأن الأمر يتعلق بدولة ذات سجل فائق من سوء الحكم مثل تركيا". ورغم أن واضعي التقرير كانا مكلفين بترسيم الحدود، فإنه يبدو أنهما عمدا، بمجرد أن واجها المعضلات العديدة المتعلقة بتطبيق مبدأ تقرير المصير، إلى وضع مقاربة أكثر مرونة للأمة والهوية.
من المؤكد أن عدم الاتفاق بين سكان المنطقة حول مستقبلهم ساعد اللجنة على التوصل إلى هذا الاستنتاج. وقد سافر المفوضان من مدينة إلى أخرى؛ حيث قبلا العرائض وأخذا الشهادات، وقاما بتجميع سجل نادر للرأي العام العربي في تلك الفترة. وقد جمع ذلك التمرين المبكر في ممارسة استطلاع الرأي مجموعة واسعة من وجهات النظر -بعضها معالق، والبعض لا يمكن التوفيق بينها.
في ذلك الحين، فضل نحو 80 في المائة من الذين تمت مقابلتهم إنشاء "سورية متحدة" -وهو ناتج، كان بالإضافة إلى بعده عن تسوية ما قد يبدو عليه تطبيق مبدأ تقرير المصير، قد أجبر البعثة على النضال مع القضية الحاسمة المتعلقة بما يجب أن يحدث للأقليات. الكثير من المسيحيين الذين يعيشون في هذه الدولة المستقبلية الافتراضية، ولا سيما في منطقة جبل لبنان، تحدثوا بقوة ضد أن يكونوا جزءاً من كيان أكبر يهيمن عليه المسلمون. ودعا العديد منهم إلى فكرة "لبنان المستقل الكبير"، الذي ستكون منطقته معادلة لدولة لبنان الحديثة تقريباً.
كان حل المفوضين المقترح هو منح لبنان "قدراً كافياً من الحكم الذاتي المحلي" حتى لا يتم "تقويض أمن سكانه". لكن تفسيرهما للسبب في أن هذا الحكم الذاتي ينبغي أن يكون أقل من الاستقلال التام يبدو أنه ناقض منطق تقرير المصير: "سوف يكون لبنان في وضع يمكنه من ممارسة تأثير أقوى وأكثر فائدة إذا كان في داخل الدولة السورية؛ حيث يستشعر مشاكلها واحتياجاتها ويتقاسم معها كل حياته، بدلاً من أن يكون خارجها، بحيث يعايش ببساطة مخاوفها ومكامن اهتمامها الضيقة فقط".
كان الاستنتاج الأوسع الذي توصل إليه المبعوثان حول الشؤون الإنسانية متناقضاً بالمثل مع مبدأ تقرير المصير، وقد استبق التقرير جدالات القرن الحادي والعشرين المتكررة حول المكان الذي تنتمي إليه الحدود في الشرق حقاً. وكتب المبعوثان: "لا شك في أن الحل الميكانيكي السريع لمشكلة العلاقات الصعبة هو تقسيم الناس إلى أجزاء مستقلة صغيرة". وأضافا: "ولكن بشكل عام، ستعمل محاولة الفصل التام فقط على إبراز الخلافات وزيادة العداء". وحتى عندما اعترفا بوجود استثناءات -على سبيل المثال، في الفصل "الحتمي الذي لا مفر منه" بين الأتراك والأرمن بالنظر إلى "المجازر الرهيبة" التي ارتكبها الأتراك و"الوحشية الرهيبة التي تفوق الوصف"- خلُص كينغ وكرين وفريقهما مع ذلك إلى "حدوث انفصال... ينطوي على مشاكل بالغة الصعوب"، وأنه يمكن أن يأتي بسهولة بنتائج عكسية.
وفي نهاية المطاف، اعتمد اقتراح كينغ وكرين على وجود إشراف أوروبي أو أميركي، من خلال نظام الولاية (الانتداب)، من أجل مراوغة وتوفيق الدرجات المختلفة من السيادة، وضمان حقوق الأقليات في الدول متعددة الجنسيات. وأصبح وضع مناطق انتداب مختلفة تحت إشراف قوة الانتداب نفسها وسيلة سهلة لفصل الشعوب، بينما يتم الحفاظ على وجود صلة إدارية بينهم: يمكن أن تكون سورية وبلاد ما بين النهرين، على سبيل المثال، تحت إشراف بريطاني، في حين يمكن أن تشرف الولايات المتحدة على تركيا وأرمينيا معاً. وهناك اعتبار ذو دلالة لإصرار المفوضين على الإدارة الأجنبية باعتبارها أفضل وسيلة لتطبيق مبداً "تقرير المصير"، لكن ذلك لم يكن يشكل اختلافاً كبيراً عن الاعتقاد المتقاسم على نطاق واسع في ذلك الوقت بأن الرقابة من هيئة فوق وطنية، مثل عصبة الأمم، سيكون ضرورياً أيضاً لضمان حقوق الأقليات في الدول الجديدة في أوروبا الشرقية.
في بعض النواحي، لم يختلف ذلك الاقتراح كثيراً أيضاً عن الاعتقاد البريطاني والفرنسي، الذي تجسد في اتفاقية سايكس بيكو، بأن استمرار الحكم الإمبريالي كان ضرورياً ولازماً لإدارة الاختلافات المحلية في الشرق الأوسط. وهناك أصداء لهذه القناعة في الحنين الإمبريالي إلى الماضي المناهض للقومية، والذي يتواجد في بعض الأوساط اليوم. وفي الواقع، كان جزء من السبب في جعل البريطانيين والفرنسيين يشعرون بالراحة خلال رسم الحدود "التعسفية" هو أنهم كانوا يعتقدون أنهم سيظلون في وضع يمكنهم من إدارة العلاقات عبر هذه الحدود. وبهذا المعنى، اعتمدت الإمبريالية الأنجلو-فرنسية على السيطرة على الحدود وقمع مبدأ تقرير المصير في المنطقة، في حين كانت لجنة كينغ وكرين أكثر اهتماماً بمحاولة إيجاد توازن بينهما.
ما يزال هذا التوازن في حاجة إلى أن يتحقق بعد. واليوم، يقول البعض إن العراق سيكون أفضل حالاً إذا ما تقسم إلى دويلات أصغر، وإن سورية ربما تتقسم من تلقاء نفسها، في حين يصر آخرون -ومن بينهم "داعش"- على أن الحل يكمن في التخلص تماماً من الحدود، مثل تلك القائمة بين العراق وسورية، وإنشاء كيان أكبر من ذلك بكثير. ولكن كلا الحلين، إلى جانب خرائط بديلة لا تعد ولا تحصى تم اقتراحها للمنطقة، ما تزال تركز كلها على إعادة رسم الحدود بدلاً من تجاوزها والتسامي عليها. وفي نهاية المطاف، لن يشكل خيار سورية مقسمة، ولا اتحاد بين سورية وبلاد ما بين النهرين، ذلك الناتج نفسه الذي دافع عنه العديد من السكان المحليين عندما قام كينغ وكرين بتلك الزيارة.
كل هذا يشير إلى وجود الحاجة إلى النظر فيما وراء النموذج الحالي للحدود. لقد قرر شعب أسكتلندا مؤخراً، على سبيل المثال، أن العلاقة التي يفضلونها مع لندن يجب أن تضم مزيجاً من التبعية والاستقلال بدلاً من مغادرة المملكة المتحدة تماماً أو السماح لإنجلترا بامتلاك السيادة الكاملة على شؤونهم. وفي سورية، يمكن أن يكون ترتيب فيدرالي يجزئ السيطرة على الأراضي في البلاد من دون أن يمزقها إرباً طريقا أسرع إلى السلام من نصر كامل يحققه أي من الأطراف.
بطبيعة الحال، لا يعني الاعتراف بمحدوديات الدول القومية في الشرق الأوسط، أو في أي مكان آخر، أنه مع مزيد من التبصر، كان يمكن أن ينتقل العالم العربي مباشرة من الإمبريالية العثمانية إلى مرحلة ما بعد القومية للحداثة الأوروبية. لقد عملت قوى تاريخية ضد تطبيق بدائل أكثر مرونة لنظام الدولة القومية في ذلك الوقت، وهي ما تزال تفعل اليوم. ولكن حالة عدم اليقين الإقليمية الراهنة ربما تتطلب النوع نفسه من الخيال الذي استخدمته لجنة كينغ وكرين في تحليلها. وقد أصبح واضحاً الآن بعد قرن من تلك اللجنة، أن السؤال المتعلق بماهية الترتيبات السياسية التي يمكن أن تساعد الناس على أن "يعيشوا معاً بطريقة ما" ما يزال مرتقى صعباً كما هو شأنه في كل وقت.

ala.zeineh@alghad.jo

*هو مرشح لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ التركي في جامعة جورج تاون. يكتب عن تاريخ الشرق الأوسط، والسياسة، والخرائط في موقع midafternoonmap.com.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: The Middle East That Might Have Been

التعليق