استنكار واسع لتدمير الذاكرة التاريخية في الموصل وتخوف من مصير مشابه لمواقع أخرى

تم نشره في السبت 28 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً

بغداد - أثار نشر تنظيم داعش شريط فيديو يظهر تدمير آثار في مدينة الموصل استنكارا عالميا واسعا ومخاوف من مصير مشابه تلاقيه مواقع أثرية تاريخية في شمال العراق.
وعرض التنظيم شريطا يظهر قيام عناصر يستخدمون مطرقات وآلات ثقب كهربائية، بتدمير تماثيل آشورية وغيرها يعود تاريخها الى مئات الاعوام قبل الميلاد، في متحف الموصل وموقع أثري ثان في المدينة.
وقارن علماء وخبراء في الآثار بين هذا العمل وقيام حركة طالبان في العام 2001، بتدمير تمثالين عملاقين لبوذا في منطقة باميان الافغانية، ما تسبب بصدمة عالمية وموجة استنكار شديد.
وطالبت ايرينا بوكوفا، مديرة منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) بعقد اجتماع طارئ لمجلس الامن الدولي. وقالت في بيان "هذا الاعتداء هو اكثر بكثير من مأساة ثقافية، هذا ايضا شأن امني يغذي الطائفية والتطرف العنيف والنزاع في العراق".
واعتبرت دار الإفتاء المصرية ان تدمير داعش قطعا اثرية تعود الى حقبات تاريخية سبقت الإسلام يفتقد إلى "اسانيد شرعية" موضحة ان الحفاظ على التراث "امر لا يحرمه الدين".
وأكدت دار الافتاء في بيانها أمس أن "الآراء الشاذة التي اعتمد عليها "داعش" في هدم الآثار واهية ومضللة ولا تستند إلى أسانيد شرعية"، وأشارت الى ان "هذه الآثار كانت موجودة فى جميع البلدان التي فتحها المسلمون ولم يأمر الصحابة الكرام بهدمها أو حتى سمحوا بالاقتراب منها".
وأوضحت ان "الصحابة جاءوا إلى مصر إبان الفتح الإسلامي ووجدوا الأهرامات وأبو الهول وغيرها ولم يصدروا فتوى أو رأيا شرعيا يمس هذه الآثار التي تعد قيمة تاريخية عظيمة".
وأضافت أن "الآثار تعتبر من القيم والأشياء التاريخية التي لها أثر في حياة المجتمع وبالتالى فإن من تسول له نفسه ويتجرأ ويدعو للمساس بأثر تاريخي بحجة أن الإسلام يحرم وجود مثل هذه الأشياء في بلاده فإن ذلك يعكس توجهات متطرفة تنم عن جهل بالدين الإسلامي".
وشددت على أن "الحفاظ على هذا التراث ومشاهدته أمر مشروع ولا يحرمه الدين".
ودان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند التدمير "الوحشي" للآثار. وقال للصحفيين على هامش زيارته الى الفلبين "الوحشية تطال الاشخاص والتاريخ والذاكرة والثقافة".
وأضاف "ما يريده هؤلاء الإرهابيون هو تدمير كل اوجه الانسانية"، معتبرا ان "السعي الى تدمير التراث يعني السعي الى تدمير كل الذين يحملون رسالة ثقافة".
وووصف الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي تدمير الآثار "بالجريمة الوحشية التي تفوق الوصف بهمجيتها وبربريتها"، معتبرا ان "هذا الاعتداء الوحشي على التراث الحضاري لشعب العراق يمثل واحدة من ابشع الجرائم التي ارتكبت في هذا العصر بحق تراث الإنسانية جمعاء".
وسبق للتنظيم ان عرض صورا واشرطة مصورة تظهر قيامه بتفجير مزارات واضرحة واماكن عبادة اثرية، على خلفية انها تمثل "شركا" بالله.
وفي شريط تدمير آثار الموصل، يقول عنصر انها "اصنام واوثان لاقوام في القرون السابقة كانت تعبد من دون الله عز وجل"، مضيفا ان النبي محمد "أزال الاصنام وطمسها بيده الشريفة عندما فتح مكة" قبل زهاء 1400 عام.
ويقول اكاديميون متخصصون في الدراسات الاسلامية ان ما قام به الرسول يختلف جذريا مع العصر الحالي اذ ان الاصنام في ذاك العصر كانت مخصصة للعبادة ولا تمثل ارثا حضاريا.
واعتبر رضوان السيد استاذ العلوم الاسلامية في الجامعة اللبنانية، ان مقارنة التنظيم ما قام به مع ما قام به النبي محمد، امر "غير صحيح على الاطلاق وقياس سخيف ومخطىء".
اضاف ان الاصنام في عهد النبي "كانت تماثيل لآلهة وموجودة حول الكعبة بينما الآثار والتماثل الموجودة في متحف الموصل والمواقع الاثرية الاخرى ليست تماثيل لآلهة، بل تماثيل لأباطرة ولحيوانات وطيور".
وتابع "حتى وان كانت تماثيل لآلهة فهي موجودة في متحف والقرآن الكريم يدعو الى الاعتبار بهذه الآثار وهذه المعالم انها لأقوام ماضين ذهبوا و(هي دليل على) ان الحياة ذاهبة".
ويعتقد ان العديد من التماثيل التي دمرت هي نسخ عن قطع اصلية نقلت الى المتحف العراقي او متاحف عالمية. الا ان بعضها اصلي، لا سيما التمثال الآشوري الضخم للثور المجنح عند بوابة نركال والذي قام عناصر التنظيم بتشويهه وتحطيم قطع منه باستخدام آلة كهربائية تقطع الحجر.
واثارت عملية تدمير الآثار مخاوف على ما تبقى من مواقع اثرية في محافظة نينوى، ومركزها مدينة الموصل. وابلغ عناصر داعش حراس بوابة نركال، ان هدفهم المقبل سيكون مدينة نمرود الاثرية جنوب الموصل، بحسب عالم الآثار العراقي عبد الامير حمداني.
وقال حمداني، ومقره جامعة ستوني بروك الاميركية، "هذه ليست نهاية القصة، وعلى المجتمع الدولي التدخل".
اضاف ان نمرود "واحدة من اهم العواصم الآشورية، ثمة نقوش وثيران مجنحة هناك... ستكون كارثة حقيقية"، متخوفا من قيام داعش ايضا "بمهاجمة الحضرة وتدميرها... هي منطقة معزولة جدا في الصحراء".
وتقع مدينة الحضرة التاريخية على مسافة مئة كلم جنوب غرب الموصل، وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو.
وتقول المنظمة ان "بقايا المدينة، لا سيما المعابد حيث تختلط الهندسة المعمارية الهلنستية والرومانية مع الميزات الزخرفية الشرقية، تشهد على عظمة حضارتها".
وكان الدواعش فجروا مسجد الخضر الاثري وسط مدينة الموصل بذريعة انه يضم مرقدا تاريخيا، بحسب شهود واكاديميين. كما افاد شهود ان داعش احرق في اوقات سابقة، كتبا في مكتبة الموصل، ودمر مزارات تراثية عدة في المدينة التي تعد من الاقدم في الشرق الاوسط.
وقال المهندس المعماري العراقي احسان فتحي "اخشى ان المزيد من التدمير قادم"، معتبرا ان عناصر التنظيم يمكنهم "ان يقوموا بكل شيء من سيوقفهم؟".
ويقول منير بوشناقي، مدير المركز الاقليمي العربي للتراث العالمي في البحرين، "اذا لا يوجد لديك ناس على الارض، من الصعب جدا (حماية الآثار)، وتكون تخاطر ايضا بالحاق مزيد من التدمير بها".- (ا ف ب)

التعليق