التقشف ليس مشكلة اليونان

تم نشره في الأحد 8 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً

ريكاردو هوسمان*

كمبريدج- عندما ننظر إلى خارج إحدى النوافذ، فمن السهل أن يخدعنا انعكاس صورتنا فنرى من أنفسنا أكثر مما نراه من العالم الخارجي. ويبدو أن هذه هي الحال عندما ينظر المراقبون من الولايات المتحدة، المتأثرون بالمناقشة المالية الدائرة في بلدهم، إلى اليونان.
على سبيل المثال، ينظر جوزيف ستيجليتز إلى التقشف في اليونان باعتباره مسألة اختيار إيديولوجي أو سوء إدارة للاقتصاد، تماماً كما هي الحال في الولايات المتحدة. ووفقاً لوجه النظر هذه، فإن أولئك الذين يفضلون التقشف لابد أن يكونوا مهووسين بهذه النظرية، نظراً لتوافر بديل أكثر لطفاً ورِقة. فلماذا تصوت لصالح التقشف ما دامت أحزاب أخرى مثل سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا تعرض مساراً أقل إيلاما؟
ويعكس السؤال نزعة مؤسفة إلى الخلط بين موقفين مختلفين تمام الاختلاف. ففي الولايات المتحدة، كانت القضية هي ما إذا كان ينبغي لحكومة قادرة على الاقتراض بأسعار فائدة بالغة الانخفاض، في خضم حالة من الركود، أن تفعل ذلك. وعلى النقيض من هذا، كدست اليونان ديوناً مالية وخارجية هائلة في أوقات الرواج، إلى أن قالت الأسواق "هذا يكفي" في العام 2009.
ثم حصلت اليونان على كميات غير مسبوقة من التمويل المدعوم بقوة لتمكينها من خفض إنفاقها المفرط تدريجيا. ولكن الآن، وبعد كرم أوروبي وعالمي كبير، يتحدث ستيجليتز وغيره من خبراء الاقتصاد عن ضرورة إعفاء اليونان من بعض ديونها لتمكينها من زيادة الإنفاق.
ولكن الحقيقة هي أن الركود في اليونان ليست له علاقة تُذكَر بأعباء الديون المفرطة. فحتى العام 2014، لم تدفع اليونان، بالقيمة الصافية، يورو واحدا من الفوائد؛ فقد اقترضت بالقدر الكافي من مصادر رسمية بأسعار فائدة مدعومة لكي تدفع 100 % من فاتورة الفوائد المستحقة عليها ثم البعض. ويفترض أن هذا الوضع تغير قليلاً في العام 2014، وهو أول عام تقدم فيه اليونان مساهمة صغيرة لفاتورة الفوائد، بعد تكوين فائض أولي يبلغ بالكاد 0.8 % من الناتج المحلي الإجمالي (أو 0.5 % من ديونها التي بلغت 170 % من الناتج المحلي الإجمالي).
إن تجربة اليونان تسلط الضوء على حقيقة تتعلق بسياسة الاقتصاد الكلي، وهي أنها كثيراً ما تكون موضع تجاهل: إن العالم ليس خاضعاً لهيمنة أنصار التقشف؛ بل على العكس من ذلك، أغلب البلدان تواجه متاعب في موازنة دفاترها.
تشير التطورات الأخيرة في الاقتصاد السلوكي إلى أننا جميعاً نعاني من مشاكل هائلة ترتبط بقدرتنا على ضبط النفس. وتفسر نظرية الألعاب لماذا نتصرف على نحو غير مسؤول عندما نتخذ قرارات جماعية (نظراً لما يسمى مشكلة المجمع المشترك). إن العجز المالي، مثله كمثل الحمل غير المرغوب، هو العاقبة غير المقصودة لإجراءات يتخذها أكثر من شخص واحد كانت لديه أهداف أخرى في ذهنه. والافتقار إلى الرقابة المالية هو الذي أوقع اليونان في المتاعب في المقام الأول.
وبالتالي فإن المشكلة ليست أن التقشف أخضِع للتجارب وفشل في اليونان. فالحق أنه رغم السخاء الدولي غير المسبوق، كانت السياسة المالية خارج نطاق السيطرة تماماً وفي احتياج إلى تعديلات كبيرة. ولم يكن نقص الإنفاق هو القضية قط. فمنذ العام 1998 إلى العام 2007 كان نصيب الفرد السنوي في نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.8 % في المتوسط، وهو ثاني أسرع معدل في أوروبا الغربية، بعد أيرلندا فقط.
ولكن بحلول العام 2007، كانت اليونان تنفق أكثر من 14 % من الناتج المحلي الإجمالي زيادة على ما كان تنتجه، وهي أكبر فجوة من هذا النوع في أوروبا -أكثر من ضعف نظيرتها في إسبانيا، وأعلى بنحو 55 % من الفجوة في أيرلندا. ولكن في إسبانيا وأيرلندا، عكست الفجوة طفرة البناء؛ فعلى نحو مفاجئ اكتسب الناس بفضل الانضمام إلى اليورو القدرة على الوصول إلى قروض رهن عقاري أرخص كثيرا. وعلى النقيض من هذا، كانت الفجوة في اليونان مالية في الأغلب واستخدمت للاستهلاك وليس الاستثمار.
كثيراً ما تنتهي مسارات النمو غير المستدامة إلى توقف مفاجئ لتدفقات رأس المال، وهو ما يضطر البلدان إلى تعديل إنفاقها بما يتفق مع الإنتاج. ولكن في اليونان، كان سخاء المقرضين الرسميين غير المسبوق سبباً في جعل التعديل أكثر تدرجاً مقارنة بالحال في لاتفيا أو أيرلندا على سبيل المثال. والواقع أنه حتى بعد ما سمي بالكساد اليوناني، سجل اقتصاد اليونان نمواً أكبر من حيث نصيب الفرد في العام 1998 مقارنة بقبرص والدنمارك وإيطاليا والبرتغال.
إن التوقف المفاجئ مؤلم دوما: ذلك أن الاقتصاد لم يكتشف علاجاً للصداع الناتج عن الإفراط في تغييب العقل. ولكن السبيل إلى تخفيف الألم يتلخص في خفض الإنفاق من دون خفض الناتج، والذي يتطلب بيع ما لم يعد السكان المحليون قادرين على شرائه إلى آخرين في الخارج. بعبارة أخرى، ما لم تعزز اليونان صادراتها، فإن خفض الإنفاق سوف يضخم خسارة الناتج على النحو نفسه الذي عملت به المضاعفات الكينزية على تضخيم مكاسب الناتج من الاقتراض.
المشكلة هي أن اليونان تنتج أقل القليل مما يريد العالم استهلاكه. ذلك أن صادراتها من السلع تشمل في الأساس الفواكه، وزيت الزيتون، والقطن الخام، والتبغ، وبعض المنتجات البترولية المكررة. أما ألمانيا، التي يزعم كثيرون أنها لابد أن تزيد من إنفاقها، فتستورد 0.2 % فقط من السلع من اليونان. والسياحة صناعة ناضجة تواجه وفرة من المنافسة الإقليمية. ولا تنتج اليونان الآلات، أو الإلكترونيات، أو المواد الكيمائية. ومن بين كل 10 دولارات من التجارة العالمية في تكنولوجيا المعلومات، تسهم اليونان بنحو 0.01 % فقط.
لم تحظ اليونان قط بالبنية الإنتاجية التي تسمح لها بأن تكون غنية كما كانت: فكان دخلها متضخماً بفِعل كميات هائلة من الأموال المقترضة التي لم تستخدم لرفع قدرتها الإنتاجية. ووفقاً لأطلس التعقيد الاقتصادي، الذي شاركت في تأليفه، فإن الفجوة بين دخل اليونان والمحتوى المعرفي في صادراتها كانت في العام 2008 هي الأكبر بين عينة من 128 دولة.
وقد ركز قسم كبير من الحوار منذ ذلك الحين على التصرف الواجب من قِبَل ألمانيا، أو الاتحاد الأوروبي، أو صندوق النقد الدولي. ولكن خلاصة القول هي أن اليونان تحتاج إلى تطوير قدراتها الإنتاجية إذا كانت راغبة في النمو. والواقع أن المجموعة غير المركزة من الإصلاحات البنيوية التي وصفها اتفاق التمويل الحالي لن تفعل ذلك. وبدلاً من هذا، يتعين على اليونان أن تركز على السياسات الناشطة التي تجتذب الشركات المنافسة عالميا، وهي المنطقة حيث تستطيع أيرلندا أن تعلم الكثير -وحيث يستطيع ستيجليتز أن يقول كلاماً معقولا.
من المؤسف أن هذا ليس ما يؤمن به العديد من اليونانيين (أو الإسبان). فقد صوتت أكثرية كبيرة منهم لصالح حزب سيريزا، الذي يريد إعادة تخصيص الموارد لزيادة الأجور وإعانات الدعم ولا يتحدث حتى عن الصادرات في استراتيجيته لتحقيق النمو. ومن الحكمة أن يتذكروا أن استخدام ستيجليتز كمشجع واعتبار بوديموس مستشاراً لم ينقذ فنزويلا من كارثتها التضخمية المفرطة الحالية.

*مدير مركز التنمية الدولية، وأستاذ ممارسات التنمية الاقتصادية في كلية جون ف. كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق