جمانة غنيمات

"حرب القطاع الخاص" على التطرف

تم نشره في الثلاثاء 10 آذار / مارس 2015. 01:10 صباحاً

ثمة دور وطني على أصحاب الأعمال والقطاع الخاص عموماً، يقوم على إدراك دورهما الرئيس في الحرب على الإرهاب. مرة أخرى يجب التذكير ببدهية أنه ليست الطائرة والبندقية وحدهما المسؤولتين عن خوض هذه الحرب، والضامنتين للانتصار فيها.
ويكاد يكون محل إجماع أن الحرب الحقيقية والصادقة على الإرهاب تتخذ مسارات؛ لا ينفصل فيها العسكري عن المسار الفكري والتنويري، تماماً كما أن إحدى ركائزها تتمثل في تحسين البيئة الاقتصادية، بما يخفف حالة الاحتقان الشعبي التي تعمل بمثابة بيئة حاضنة للشباب المعطل عن العمل، والمفتقد لشعور القدرة على الانتماء للمستقبل بالعمل والإنتاج، فتحولهم إلى متطرفين يجدون الملاذ في التنظيمات الإرهابية.
مع ذلك، ما يزال يقابل ذلك الوضوح، مزاج متردد عند أصحاب الأموال والمستثمرين، في أغلبيتهم على الأقل، للنهوض بالدور المطلوب منهم، من خلال إنشاء مشاريع جديدة، وتطبيق مبدأ المسؤولية الاجتماعية بصدق مستمد من الإيمان بتأثير الفكرة في تحسين المزاج العام.
الحالة النفسية السائدة لدى المستثمرين ليست جديدة، بل هي قائمة منذ بداية "الربيع العربي"؛ ما أدى إلى خسارة الاستثمار جزءا كبيرا من حجمه، نتيجة الحالة الضبابية التي تسيطر على مزاج الناس عموماً، وتجعل المستثمرين أكثر تحسبا لإنشاء مشاريع جديدة أو توسعة أعمالهم. يدلل على ذلك ارتفاع قيمة الودائع لدى المصارف المحلية، وبما يعني تكديس الأموال، وقصر العوائد المرجوة منها على قيمة الفائدة البنكية التي يحصل عليها المودع.
كما يدلل على الحالة الاستثمارية السيئة، حجم التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص خلال العام 2014؛ إذ لم تتجاوز 400 مليون دينار. وهو رقم متواضع مقارنة بحاجة الاقتصاد لاستثمارات يقيمها القطاع الخاص، تسهم في خلق حلول حقيقية لمشاكل اقتصاد اجتماعية؛ من فقر وبطالة أساساً، ونمو اقتصادي وعجز موازنة بدرجة ثانية.
عمّق شعور التردد وتأجيل إنشاء مشروعات جديدة، دخول الأردن في الحرب على الإرهاب. وهو أمر طبيعي ومتوقع؛ فأصحاب الأموال حريصون (وليسوا جبناء كما يقال عادة)، والحرص أساس النجاح.
بيد أن السؤال المهم هنا: هل هي حرب بالمعنى التقليدي؟ حتماً هي ليست كذلك. وإشاعات الحرب البرية تم تأكيد عدم صحتها من أعلى المستويات، ما يعني أن المخاوف مبالغ فيها لناحية تأثيرات الحرب على الإرهاب على الحركة الاستثمارية.
كذلك، يبدو الأردن حالة مختلفة فعلاً على المستوى الإقليمي. فأصعب السنوات وأقساها عبرناها بسلام، لأسباب مختلفة. وفي ذلك برهان عملي على أن مخاوف المستثمرين ليست في محلها، أو أكبر من حجمها الفعلي على الأقل.
لكن معالجة الإحساس الاستثماري المتردد لا تتم بكبسة زر، وإنما ثمة أدوار متعددة ومتوازية يلزم القيام بها لنقل الحالة إلى مزاج جديد مختلف، يساعد على إخراج الأموال من خزائن البنوك. والأهم هنا إدراك القطاع الخاص ذاته للدور المحوري الذي يقع على كاهله في الحرب على التطرف، وهو دور مناقض تماماً للانتظار والمتابعة. فأي قصور على جبهات المعارك التنويرية والفكرية والاستثمارية، كما العسكرية، يعني الفشل في الحرب ككل. ولا بد من مشاريع واستثمارات تعم منافعها الجميع، بمن فيهم طبعاً أصحاب رؤوس الأموال.
في هذا السياق، مطلوب على المستوى الرسمي شراكة حقيقية، بعيدة عن التنظير، مع القطاع الخاص، تتضمن ضبط إيقاع العملية البيروقراطية الاستثمارية. فالشكاوى مستمرة من طول الإجراءات وتعقيداتها، لدرجة "تطفيش" المستثمر ودفعه للبحث عن بيئة استثمارية مختلفة تشبع طموحاته، وتوفر عليه الوقت والجهد النفسي.
اليوم، بات الاستثمار أداة حاسمة في الحروب ضد التطرف والإرهاب. ما يستلزم من رأس المال العربي والأردني إدراك أن المعادلة السابقة لإنشاء الاستثمار لم تعد تفي بالغرض. فحتى نحارب التطرف، يلزم تخفيض معدلات البطالة، وزيادة مستويات الأجور، لاسيما في حدها الأدنى، وهي التي أصبحت، في معدلها العام، لا تكفي لتوفير أي مستوى معيشي لائق للشباب.
ليست السياسات الرسمية وحدها التي دفعت الشباب إلى أحضان "داعش" وأخواته، بل ساهم في ذلك أيضا قصور القطاع الخاص في أداء دوره الوطني الذي لا يتعارض أبداً مع مبدأ الربح الاقتصادي.

التعليق