رأي في مذكرات مضر بدران

تم نشره في الأربعاء 18 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً

محمود الشيبي*

استمتعت بقراءة مذكرات رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، على صفحات "الغد". وقد عرفت الرئيس من خلال شاشة التلفزيون الأردني، بعد أن شكل وزارته الأخيرة العام 1989، وقدم برنامج الحكومة لأقوى مجلس نواب في عهد المملكة، هو المجلس الحادي عشر، الذي أتى على إثر انتخابات حرّة ونزيهة. فناقش النواب الرئيس، وأثقلوا عليه بالكلام القاسي، لكنه انبرى لهم ببراعة فائقة. وقد لفت نظري بقوة الحجة وبمعلومات دقيقة، وثقافة عالية، وذكاء حاد، وسرعة البديهة، ما جعلني أقول لنواب أصدقاء في ذلك المجلس، إنّ الرئيس متميز، ومحام بارع.
من حق المواطن أن يعرف ما جرى ويجري في وطنه. ومذكرات الساسة جزء مهم من الذاكرة الوطنية والتاريخ، خاصة أنه يتعين علينا أن نسعى إلى الحقيقة والمعلومة الصحيحة، بعيداً عن التزوير والافتراء، حتى لا يُظلم أحد، ولا يُظلم الوطن بسوء، ومن أجل أن يُدْرك السياسي أنّ أفعاله ستكون حجة له أو حجة عليه في قادم الأيام.
وقد أطلّ علينا بدران بعد صمت طويل منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، وهو السياسي البارع الذي لا يُجارى، كما أنه مدرسة يستحق أنْ يحذو حذوه آخرون. وقد استنّ في الحكم وإدارة الدولة سُنّة حسنة، كانت نموذجاً حسناً لمن يود أنْ يخدم الوطن بعيداً عن النفاق. وتميّز بشجاعة القرار، وحسن تقدير الموقف؛ سعى إلى الإصلاح وحارب الفساد.
وقد حكَمتْ مواقفه السياسية والاقتصادية مصلحةُ الأردن. كما كان الاقتصاد شغله الشاغل. ففي أول حكومة له العام 1976، وضع خطة عمل لإنجاز سبعة عشر مشروعاً، منها شركة البوتاس، وتوسعة الفوسفات في الشيدية، وتمديد قناة الغور الشرقية، ومياه عمان، وإنشاء الأفران الأتوماتيكية، وتوسعة المصفاة، وإنشاء صوامع الحبوب. وهذه منجزات تاريخية لا تُنسى، وتُحسب للرئيس.  
من مذكرات الرئيس بدران يتبيَّن لنا أنّه كان ناصحاً أميناً لجلالة الملك الحسين، رحمه الله؛ يضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار. فلم ينافق، بل كان يناقش الملك الحسين بما يعتقد أنه في مصلحة الأردن. وكان الحسين يشكره على حسن مواقفه بعد أن يتَّضح له صحة ما أشار إليه. كان جريئاً في اتخاذ القرار الذي يراه صائباً، كما كان فطناً، يعرف كيف يُقنع الملك الحسين بوجهة نظرٍ مخالفة لوجهة نظر جلالته، والحسين خير من يستجيبْ للنصيحة.
أما الملك الحسين، رحمه الله، فتصعب الإحاطة بأفعاله الوطنية، ومواقفه القومية؛ كما تصعب الإحاطة بسمو أخلاقه ونخوته ورفعته. في هذه المذكرات نجد الملك الحسين عظيماً، أو كما وصفه بدران أسطورة لا تتكرر. فقد قاد جهوداً دبلوماسية واسعة لتجنب الخيار العسكري الأميركي ضد العراق العام 1991، ولحل القضية حلاً سلمياً عربياً، وكاد يصل لغايته بموافقة صدام حسين على الانسحاب من الكويت، غير أن الولايات المتحدة أجْهضت الجهد العربي.
 في مذكرات بدران مواقف رجولة، ومواقف وطنية، لرجل فذ؛ وفيها معلومات زاخرة، وقصص وأسرار مهمة لهذا الجيل وللتاريخ، ولمن يريد أنْ يعتبر من السياسيين. كما أنه يكشف خبايا الأمور، ويعزز معلوماتنا عن أحداث مفصلية كانت سبباً فيما آلت إليه أمور أمتنا من الضعف والهوان. ولأن في ذاكرة الرئيس بدران الكثير من الأسرار والمواقف التي لم يكشف عنها بعد، ولأن الأمر يتعلق بتاريخ الأردن في مرحلة حرجة من التاريخ العربي، فنأمل أن نقرأ مذكراته كاملة في كتاب.

*كاتب ومنتج تلفزيوني

التعليق