د.أحمد جميل عزم

الانتخابات الإسرائيلية: استنتاجات محدودة الصلاحية

تم نشره في الخميس 19 آذار / مارس 2015. 01:03 صباحاً

لا تصلح الانتخابات أن تكون مؤشراً على حالة تحولات اجتماعية سياسية دائمة؛ فكثيراً ما نقع في فخ استنتاجات تاريخية، سرعان ما تُكذّبها الأيام. وقد ينطبق هذا على الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة؛ حيث لا يمكن أن نفهم حال الفلسطينيين أو الإسرائيليين كلياً، ولكن يمكن أن نصل إلى استنتاجات، قد تكون ذات صلاحية مؤقتة تنتهي بعد حين، قد يدوم قليلا أو يزول سريعاً، إلا إذا تلت الانتخابات أمور أخرى.
عندما فاز جورج بوش الابن في انتخابات الرئاسة الأميركية، العامين 2000 و2004، قيل إنّ المتدينين الإنجيليين لعبوا دوراً كبيراً في فوزه، ومن ذلك حصوله في الانتخابات الثانية على
78 % من أصوات أولئك الذين يذهبون بانتظام إلى الكنيسة. وبدأت حينها تحليلات عن دور الدين المتنامي في السياسة الأميركية. لكن انتخابات العام 2008 همّشت هذه المقولات، وانتُقِد المرشحون كثيراً لأسباب دينية؛ بدءا من جون ماكين، المرشح الجمهوري الذي بدأ بالحصول على دعم المتدينين الإنجيليين، عندما انتُقد بسبب تفاهماته مع جيري فالويل المناهض للمسلمين، والذي اعتبر اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، جزئيا، عقابا إلهيا بسبب الحركات النسوية والليبراليين. وكذلك لعلاقته (ماكين) مع جون حاجي المعادي للكاثوليكيين والمسلمين، والذي قال إنّ إعصار كاترينا (2005) هو عقاب إلهي لكثرة الخطايا في مدينة نيو أورليانز. واضطر ماكين لإعادة ما تبرع به حاجي. فيما فاز أوباما رغم ما قيل؛ سواء عن أصوله المسلمة، أو انتمائه لكنيسة تتبنى لاهوتا مسيحيا خاصا بتحرر السود.
إذا كانت الانتخابات الأميركية مثالا لعدم ثبات أو صدق الانتخابات في توضيح التحولات الاجتماعية وديمومتها، فإنّ الانتخابات الإسرائيلية مثال آخر. ففي الانتخابات السابقة العام 2013، كان الموضوع البارز هو غياب الفلسطينيين وقضيتهم عن الانتخابات حينها، والانشغال بشؤون داخلية، ما عُدَّ مؤشرا على تفوق صهيوني في تهميش الشأن الفلسطيني، وعدم فعالية الطرف الفلسطيني في التأثير في الحياة السياسية الإسرائيلية، بشكل مباشر أو غير مباشر. وبدا أنّ حضور إيران في الانتخابات أكبر. وبالعكس تماماً، فإنّه في انتخابات هذا العام، 2015، كان الحضور العربي أبرز قضايا يوم الانتخابات. وستبقى فرضية مقبولة على نطاق واسع، أنّ رئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو، نجح يوم الثلاثاء الماضي في استخدام كذبة شبه مفضوحة، عندما أعلن على "فيسبوك" أنّ العرب يتقاطرون للتصويت بأضعاف نسب تصويتهم، وأن اليسار (الذي يحمل للمفارقة اسم المعسكر الصهيوني) يؤمّن حافلات لهم للتصويت، مع أنّ نسب التصويت العربية لم تختلف والكل يعرف هذا. لكن في لحظة الإثارة الانتخابية يختفي العقل، وحصد نتنياهو انتصارا غير متوقع بهذه الطريقة.
لو ثبّتنا اللحظة واعتبرناها مؤشرا، فإنه يمكننا استنتاج أمور عميقة؛ كالقول إنّ "الآخر" العربي داخل فلسطين المحتلة العام 1948، بات مكوّنا أساسيا، كما لم يكن يوماً، في تشكيل الهوية الصهيونية والإسرائيلية الآن، أكثر من مكونات المزاعم التاريخية والدينية. فالهوية، كما هو معروف، قد تتشكل بناءً على اتحاد واستفزاز من عدو آخر (وكثيراً ما قيل إنّ الآخر اليهودي الصهيوني هو محرك الهوية الوطنية الفلسطينية الأساسي). أو قد تتشكل الهوية من دعاوى تاريخية ودينية. وإذا كان ثابتاً، سواء بالانتخابات أو من دونها، أنّ الفلسطينيين لم يندمجوا في السياسة الإسرائيلية وأحزابها، وربما لأسباب منها العنصرية الصهيونية ذاتها، فإنّ الاعتقاد الآن أنّه تم تهميش الخلافات الشخصية والأيديولوجية في الانتخابات ربما يكون صحيحاً. لكن السؤال سيكون: هل يستمر هذا التهميش؟ وبالتالي، يتحرك العرب الفلسطينيون في السياسة الإسرائيلية كأقلية قومية موحدة، تستطيع أن تتحرك دوليا وفلسطينيا للمطالبة بكثير من الحقوق، ولتحدي الخطاب الصهيوني الإقصائي العنصري وفضحه.
لا تشكل الانتخابات مؤشراً واضحاً على تحولات اجتماعية وسياسية دائمة. لكن يمكن أن تكون بالفعل جزءا من آليات لتطوير اتجاهات سياسية واجتماعية وفكرية. من هنا، فإنّ استمرار وحدة الحراك العربي الفلسطيني في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، يمكن أن يكون مؤشرا على تحولات مهمة في الصراع، شرط استمرار هذه الوحدة وتطويرها. وهو أمر قد يبدو صعب المنال في ضوء الخلافات التقليدية، لكنه ليس مستحيلاً، خصوصاً مع جيل جديد من السياسيين الفلسطينيين هناك.

التعليق