فهد الخيطان

لهذا استهدف "داعش" تونس

تم نشره في السبت 21 آذار / مارس 2015. 12:08 صباحاً

في العراق، يمكن العثور على عشرات الأدلة التي تفسر الحضور الكبير لتنظيم "داعش" الإرهابي في المشهد العراقي؛ استبداد متأصل، واحتلال أجنبي، وفراغ سياسي وأمني، وسياسات تمييز وإقصاء طائفي، وتدخلات خارجية، وغيرها الكثير.
وفي سورية أيضا ظروف مشابهة؛ نظام دكتاتوري، ثم ثورة ضلت طريقها، وصراع قوى دولية وإقليمية، أفرز حالة استطاع معها التنظيم الإرهابي أن يوجد له موطئ قدم في قلب سورية.
ولنا أن نعتمد نفس السردية في حالة ليبيا، وتجربة اليمن، وحتى مصر وما تشهده سيناء من نشاط إرهابي.
لكن ماذا تقولون في حالة تونس؟ لماذ يستهدف الإرهابيون هذا البلد؟
تونس هي الاستثناء الوحيد في تجارب "الربيع العربي"، وقصة النجاح الوحيدة وسط فشل مدوٍ يلف أركان العالم العربي. بلد شق طريقه إلى المستقبل، رغم ما واجه من صعوبات في البداية. أرسى نظاما ديمقراطيا يضاهي الديمقراطيات الغربية، وأنجز مصالحة وطنية أفضت إلى برلمان يجمع القوى الحزبية كافة تحت سقفه، وحكومة تضم الإسلاميين إلى جانب العلمانيين.
كان ذلك كله نتيجة لعملية ديمقراطية وانتخابات شهد العالم كله على نزاهتها.
وتونس مجتمع متجانس طائفيا ومذهبيا إلى حد كبير؛ لا أحد يشكو من التهميش والإقصاء، كما في العراق أو سورية. والأهم من ذلك أن تونس مجتمع مدني بامتياز، لا يقارن بجاره الليبي على سبيل المثال. ويفخر التونسيون بكونهم أكثر شعوب العرب انفتاحا وقبولا للتعددية بكل أشكالها. الدستور الجديد لتونس يشهد على ذلك. تاريخ تونس مع الحداثة أطول من عمر بعض الدول.
إذا كان لبروز الجماعات الإرهابية في دول مثل العراق وسورية وليبيا ما يفسره، ولا أقول يبرره، فبماذا نفسر دخول "داعش" على الخط التونسي، وارتكاب التنظيم للجريمة البشعة بحق السياحة التونسية، لا بل ووعيدها بالمزيد من العمليات الإرهابية؟
تونس تواجه وضعا مماثلا لوضع الاردن، وإن بدرجة أقل؛ فهي محاطة بدول يواجه بعضها فوضى أمنية مثل ليبيا، وأخرى تعد مصدرا لنشاط الجماعات الإرهابية. وفي مرحلة ما بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وحضور تيارات الإسلام السياسي بشكل لافت في المشهد التونسي، استغلت جماعات إرهابية محسوبة على خط تنظيم "القاعدة" الوضع، وجندت المئات من شباب تونس للالتحاق بالجماعات الإرهابية في سورية.
وبذل الإرهابيون جهودا كبيرة لتفجير الوضع في تونس، عن طريق عمليات الاغتيال للسياسيين المعارضين، واستهداف رجال الأمن وعناصر الجيش التونسي. لكنهم لم يفلحوا في تحويل تونس إلى بلد فاشل على غرار ليبيا.
الآن، وبعد أن تجاوزت تونس تلك المرحلة، ها هم الإرهابيون يحاولون مرة أخرى إعادة تونس إلى الوراء، وخلق الفوضى من جديد، على أمل أن تلتحق بليبيا وسواها من دول الفشل العربي.
إذا كان بروز الجماعات الإرهابية في بعض الدول هو وليد ظروف اجتماعية وسياسية وطائفية، تعكس حالة الفشل في بناء دول حديثة لكل مواطنيها، فإنه في حالة تونس يمثل ردا من الإرهابيين على ولادة نموذج ناجح للتغيير.
بهذا المعنى، فإن الجماعات الإرهابية ليست نتاجا للفشل، وإنما تعبير أصيل عن موقف معاد من هذه الجماعات تجاه التجارب الديمقراطية الناجحة. ووجود نظام ديمقراطي في دولة ما، ليس كافيا لتجنب خطر الجماعات الإرهابية؛ لا بل إنه، وكما في حالة تونس، يصبح دافعا قويا لهجمات الإرهابيين.
من التبس عليه الموقف من "داعش" وسواها من الجماعات الإرهابية، ما عليه سوى معاينة موقفها من تونس ليعرفها على حقيقتها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثمن الديموقراطية (al nabatty)

    السبت 21 آذار / مارس 2015.
    Deep and very realistic !!!!!!!!!
  • »تونس تختلف لثلاثة أسباب (فراس زهير)

    السبت 21 آذار / مارس 2015.
    الأول حقبة بورقيبة جعلت من الشعب التونسي الذي بقي و أم ينفى شعب متعلم و مثقف و يؤمن بالمواطنة.
    ثانيا الذي نفي إلى أوروبا من االإسلاميين تعلم و تثقف هناك بعد أن رأى الديمقراطية على أرض الواقع.
    ثالثا الإختلاف في تونس اختلاف مناطقي و ليس مذهبي بين الجنوب و الساحل.
  • »جماعات ضد البشرية (خلدون)

    السبت 21 آذار / مارس 2015.
    نعم جماعات ضد الديموقراطية، ﻻن الديموقراطية بنظرهم نظام كافر.
    يكفي اﻹستماع لرجال الدين و تكفيرهم للنظام الديموقراطي.
    استاذي ان اﻷوان لمعرفة طعم الحرية و الخروج من جﻻبيب اﻷئمة.
  • »لماذا تونس (حسين)

    الجمعة 20 آذار / مارس 2015.
    أذكر الكاتب بحقيقة بالغة الأهمية، مفادها أن رموز "زين العابدين بن علي " برجوعهم خلال فترة قياسية أنهى الربيع العربي حيث بدأ،
    وأن ممارسات الأجهزة الأمنية هناك لم تختلف باسلوبها إنما بسياستها الظرفية الزمانية للبلد الصغير المجتزأ عن محيطه المغاربي، حيث أن تلك البلدان المغاربية تختلف فيما بينها ولكن تبقى نخبها المشبوهة تحت نفس التوجه الفرانكفوني الفرنسي.
    والآن كيف ستقنع من قال "هرمنا " ان أبناءه سيهرمون مثله وان "بن علي " هرب ولكن أصبحت نُسخه مهربة!