آمال الأم العراقية!

تم نشره في الأربعاء 25 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً
  • نساء عراقيات ينتحبن في انتظار استلام جثث أقاربهن من مشرحة مستشفى ببغداد - (أرشيفية)

د. جاسم الشمري*

لكل إنسان على وجه المعمورة أمنية يأمل أو يطمح إلى تحقيقها خلال مسيرة حياته. وهذه الأمنية ربما تكون صغيرة أو كبيرة، بحسب الإمكانات الفكرية والمادية للإنسان.
والآمال والأمنيات الإنسانية في غالبها ذاتية، تمتاز بالأنانية وحب التملك. إلا أن الحال مع الأم مختلفة تماماً. فالأم أملها مختلف عن آمال الآخرين، لأن طموحها ليس ذاتياً. فهي تتمنى أن ترى أولادها وأحبابها في أفضل المراتب وأحسن الأحوال، وذلك لأنها ترى أملها وطموحها وذاتها بهم؛ فهم أملها قبل أن يولدوا، وحتى نهاية رحلة الحياة.
ومما جاء في "مجمع الأمثال"، أن عاقّاً رمى أمه في واد استجابة لزوجته. فمر بها رجل وهي تبكي، فقال: ما يُبكيك؟ قالت: مضى ابني، وأخاف أن يفترسه الأسد!
هذه الحالة من الرقي في الإيثار والرحمة والعطف والتسامح، نجدها لدى كل الأمهات؛ فهنّ بحر متلاطم من الحنان والرقة والعطف. وعليه، فأنا أعتقد جازماً أن كل الجهود الإنسانية -مهما عظمت- لا يمكنها أن ترد للأمهات بعض تضحياتهن وصبرهن ودموعهن.
في الحادي والعشرين من آذار (مارس)، يحتفل العالم في كل عام، بيوم/ عيد الأم العالمي. والحق أن كل الأيام ينبغي أن تكون للأم، وهذا جزء من استحقاقها الطبيعي.
الأم هي الوطن والتاريخ والحضارة، وهي المدرسة، والركن الهادئ في الحياة. وهي نبع لا ينضب من الطيبة والرقة والرأفة والحنان الصادق، والمحبة الحقيقية. هي الروح التي تسري في أجسادنا.
الأم العراقية هي الأخرى تحتفل في يومها السنوي. لكن احتفالها -مع شديد الأسف والألم- من نوع خاص، وبشكل مختلف أيضا!
الأم العراقية أحلامها متلازمة مع واقعها المأساوي الذي وجدت نفسها، كبقية العراقيين، فيه. وعليه، فهي تحلم:
- أن ترى ابنها المعتقل منذ سنوات طويلة، حراً طليقاً، يعيش أمام عينيها. وقضية الاعتقالات صارت واحدة من الصور المؤلمة المتكررة في المشهد العراقي اليومي. وقبل أيام، تابعت لقاء مباشراً على إحدى القنوات الفضائية مع مجموعة من النسوة في منطقة الدورة جنوبي بغداد، حيث أكدت أكثر من امرأة أنه ومنذ ثلاثة أشهر، اعتقل رجال وشباب الحي من قبل قوات التدخل السريع، وأنه على الرغم من المراجعات اليومية للوحدات العسكرية القريبة من المنطقة، إلا أن الجميع أنكروا معرفتهم بالقوات التي نفذت عمليات الاعتقال!
جميع الأمهات أكدن أنهن لا يعرفن التهمة التي بموجبها تم اعتقال أبنائهن وأزواجهن، وتساءلن: أين أُخذوا؟ فاذا كانت القوات الأمنية المتواجدة في بغداد لا تعرف جهة الاعتقال، فمن الذي نفذ الاعتقالات التي شملت أكثر من 70 رجلاً؟! كانت أمنيات غالبية هؤلاء النسوة مؤلمة، وكن يرددن: " قولوا لنا حتى لو قُتلوا في المعتقلات أخبرونا، فنحن لا نعرف أين نذهب!".
- والأم العراقية تحلم أن يكون جسدها الرقيق الضعيف خيمة تحمي أبناءها من سيل حمم الطائرات والمدافع التي تنهال على منازل المدنيين بحجة مقاتلة تنظيم "داعش". والإحصاءات اليومية تشهد أن غالبية القتلى والجرحى هم من النساء والأطفال؛ في الفلوجة ومناطق متفرقة من صلاح الدين ومناطق حزام بغداد.
- أكثر من مليون أرملة تحلم غالبيتهن بتوفير لقمة العيش الكريمة لأبنائهن اليتامى، حيث يتواجد في بلاد الرافدين اليوم أكثر من خمسة ملايين يتيم، في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تنخر بالجسد العراقي!
وقبل الاحتفال بيوم المرأة العالمي، ذكرت وزيرة الدولة لشؤون المرأة في العراق، بيان نوري، أن "النساء تأثرن بشدة من الهجمات المسلحة في البلاد، وأن أوضاع النساء النفسية والإنسانية صعبة للغاية".
أحلام وأحلام بعيدة المنال، مع أن غالبيتها جزء من الحقوق الطبيعية للإنسان في بقية بلدان العالم. هذه هي حال الأمهات في العراق اليوم. فكان الله في عون الأم العراقية الصابرة، وكان الله في عوننا نحن الذين حرمنا حتى من زيارة قبور أمهاتنا بسبب التشريد والغربة.
هي آهات وآلام حرّكتها الذكرى في زمن ضاعت فيه الكثير من موازين الصدق والحنان والوفاء!

*كاتب عراقي

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »امال اﻻم العراقيه (مها ابوعرقوب)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    السيد جاسم الشمري ...
    سيدي انت تطرقت لموضوع المرأ ة وامالها في العراق..ان اﻻم العراقيه تمثل اﻻم العربيه واﻻسﻻميه في كثير من الدول خاصة الدول التي تغرضت لﻻحتﻻل او انتفاضة الشعوب ..
    اﻻم العراقيه سيدة النساء المجاهدات ..ححملت السﻻح كما حملت اﻻطفال برحمها هي ام معطاءه
    مر عليها الكثير من اﻻﻵم واﻻوجاع بالحروب فكانت اسيره او زوجة اسير ام اسير ..كانت شهيده او ام شهيد او زوجة شهيد...تعرضت لﻻرهاب النفسي والجسدي على ايدي الجﻻدين والسفاحين بالعراق بواقع العراق الحالي الذي يئن تحت معاول التقسيم والطائفيه..يحتفلون بعيد اﻻم...وواﻻم اعياد صباحها عيد.حنانها اعياد...ربت اجيال من ضعفها منحت الشباب قوة..ممن حنانها عم الحب والوفاء واﻻم مدرسه ان اعددتها...ونظرة الى امهاتنا بالعراق تحتمل السجن تحتمل تغيب ابناؤها ..االبعض استشهد ابنها امام ناظريها..لللحظه ولولت بكت للحظات سجدت شكرا لله...انها اﻻم العراقيه التي ومازالت تجابه الوضع الصعب بالعراق الحرب والقتل والسجن واﻻغتصاب ...ووتحطمت النفسيات من شدة وهول ما يجري بالعراق من ويﻻت محمله المرأة العراقيه فوق طاقتها النفسيه والجسديه....هناك اﻻرامل واليتامى ...ااصبح الوضع ﻻيطاق...
    ايها العرب ..تلك المرأة العراقيه...هي كل نساء اﻻرض من يهب لنجدتها وحمايتها...للن اقول اﻻ كما قالت الحره...ووامعتصمااااه
    اخي جاسم الشمري...شكر جزيﻻ وماجور بطرح امال اﻻم العراقيه القيت عليها كل الضوء...فههل من تغير...فهل من نصير....
    كل اﻻحترام ...دكتور جاسم الشمري
  • »اماني المرأة العراقية (سعاد)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    خصوص مقالك آمال الأم العراقيه لوكان العنوان أماني المرأه العراقيه لكي يشمل المقال الأم وغير الأم فكل واحده منهن عانت ماعانت وصبرت على شئ أمر من الصبري فهي الأم والزوجة والحبيبه والأخت والبنت لكل واحده كان ومازال لها دور في معترك الحياة نعم الأم دورها مميز وماتحملته يفوق ما تتحمله الجبال تحياتي
  • »كلام كبير (سعد الحيدري)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    هذه الحالة من الرقي في الإيثار والرحمة والعطف والتسامح، نجدها لدى كل الأمهات؛ فهنّ بحر متلاطم من الحنان والرقة والعطف. وعليه، فأنا أعتقد جازماً أن كل الجهود الإنسانية -مهما عظمت- لا يمكنها أن ترد للأمهات بعض تضحياتهن وصبرهن ودموعهن.
    كلام جميل وكبير في نفس الوقت يضعنا نحن الأبناء أمام مسؤولياتنا تجاه الأم.
    بارك الله بك دكتور والى مزيد من العطاء
  • »الأم حنان وهدف،مدرسة وتربية. (مغترب عراقي في لندن)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    بارك الله بك دكتور جاسم الشمري لاختيار الموضوع في المكان والزمان.
    نعم الأم حنان وعواطف واحتضان ورعاية وهدف تنتظر قطف ثمار وليدها بعد الكبر، وخاصة إذا أعددتها كمدرسة.
    يالها من لمسات هادئة بأيادي ناعمة من روح عاشقة وعيون ساهرة تجمعها قلوب بالحب نابضة، هذافي وقت السلم والأمان.
    وقد زدت الحزن حزنا والألم ألما لما ذكرت الأم العراقية مكافحة مجاهدة لم تذق طعم الحياة الطبيعية منذ عقود ولا تزال، التي ترى هدفها المنشود وليدها بعلها بيتها وطنها كل مقطعا أوصالا، وعلوج الغزات والفرس تنهش بأهدافها كنهش الوحوش بفريستها! وهي في زنزانة جلاد بسيطه لا يقيم للحياة ٱحتراما، حسبنا الله ونعم الوكيل
  • »حقيقة مرة (أحمد الدايني)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    سبق للجنة حقوق الانسان البرلمانية ان ذكرت ان في العراق المدمر اكثر من مليون ارملة وخمسة ملايين يتيم
    هذه الحقيقة المرة عبر عنها الاستاذ الشمري بعبارة دقيقة
    حقيقة كما ختم المقال:
    أحلام وأحلام بعيدة المنال، مع أن غالبيتها جزء من الحقوق الطبيعية للإنسان في بقية بلدان العالم. هذه هي حال الأمهات في العراق اليوم. فكان الله في عون الأم العراقية الصابرة، وكان الله في عوننا نحن الذين حرمنا حتى من زيارة قبور أمهاتنا بسبب التشريد والغربة.
  • »لا فض فوك (سعد الدليمي)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    لا فض فوك اخي دكتور جاسم
  • »الأم ومأساتها في العراق. (الشيخ لطيف السعيدي)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    بارك الله بك دكتور جاسم، وصف دقيق للأم ومعاناتها وتحملها وصبرها في الظروف الطبيعية . نعم الأم هي الحنان وهي الرحمة بعد رحمة الله.

    كذلك أجدت وابدعت في إشارتك القيمة للأم العراقية ومأساتها المستمرة، حيث تجمع مأساة العراق في صدرها.
    نحن حرمنا من حنان الأم ورؤيتها وكذلك حرمنا من حضور جنازتها ودفنها. ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.
    جزاك الله خيرا دكتور جاسم الشمري ذكرتنا بآلأم واوجاعها.