ما الذي تعنيه إعادة انتخاب نتنياهو لأميركا؟

تم نشره في الأربعاء 25 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي أوباما ورئيس وزراء إسرائيل نتنياهو - (أرشيفية)

علي غريب* - (ذا نيشن) 19/3/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أمضت الطبقة السياسية الأميركية عقوداً وهي تقنع نفسها بأن الطبقة السياسية الإسرائيلية تريد بالفعل تحقيق حل قائم على فكرة الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وكانت الأعوام الستة الأخيرة هي الأصعب -حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رغبة فاترة في السلام، لكنه عمل بثبات في اتجاه مناقض لها. ومع ذلك، ظلت الصورة عن إسرائيل ستقوم بإبرام الصفقة فقط إذا أوفى الفلسطينيون بهذا الشرط أو ذاك هي السائدة. بل وربما أصبحت تلك الصورة أقوى: من الذي يستطيع أن ينسى وقفات التصفيق الكثيرة التي تلقاها نتنياهو من لدن أعضاء الكونغرس الأميركي عند إلقائه خطابه أمامهم في العام 2009، ثم مرة أخرى، ورغم كل الجدل الذي أثاره ذلك، في هذا الشتاء؟
مع ذلك، فإن الوهم بوجود جسم سياسي إسرائيلي، بل وربما حتى دائرة ناخبين إسرائيلية، تسعد بصنع سلام، تحطم بينما شق نتنياهو طريقه نحو انتصار آخر -خاصة على ضوء الطريقة التي حقق بها ذلك الانتصار. ولم تأت محاولة نتنياهو في اللحظة الأخيرة لتقوية موقفه من هوس الخوف من إيران، كما سبق له وأن فعل طوال أعوام، وإنما من الخوف من الفلسطينيين. وقد أطلق وابلاً من النار الخطابية على كل من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل (الذين يشكلون نحو 20 في المائة من مجموع السكان) وعلى أولئك الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة على حد سواء. وفي حالة عرب إسرائيل، حذر نتنياهو قاعدته الانتخابية من أن العرب "يأتون في أسراب وجماعات إلى مراكز الاقتراع". وفي حالة مواطني الضفة، أعلن بجسارة أنها لن تولد دولة فلسطينية إذا ما تم انتخابه (وهو شيء كان نتنياهو يلمح إليه طيلة حملته الانتخابية).
لعل اللازمة السائدة التي تتردد مراراً وتكراراً على ألسنة أنصار إسرائيل الأميركيين، بدءاً من جماعات الضغط من القاعدة الشعبية ووصولاً إلى 1600 في جادة بنسلفانيا، كانت تقول دائماً إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتقاسمان "قيماً مشتركة" -ومن بين الأكثر أهمية فيها الصبغة الديمقراطية العامة لكلا البلدين. لكن حملة نتنياهو فضحت الكذب في هذه الفكرة. وكتب مايكل شافر أومرمان من "مجلة +972" عن ذلك: "تذكروا أن نسخة نتنياهو من الديمقراطية تتضمن أقل قدر ممكن من أصوات العرب، ببساطة لأنهم ليسوا يهوداً. وتذكروا أيضاً أن عمليات السلام التي أشرف عليها طوال عقود لم تكن أصيلة، وأنها لم تكن لديه أي نية أبداً للسماح بتضمين أي حل قائم على دولتين، ناهيك عن السعي إلى تحقيق هذا الحل".
لعل المشكلة بالنسبة لصانعي السياسة الأميركيين، مع تحطم وهم "القيم المشتركة" هي أنهم أمضوا عقوداً في تمكين متابعة إسرائيل لتجسيد أسوأ غرائزها. وتقدم الولايات المتحدة حوالي خمس موازنة الدفاع الإسرائيلية -أضخم حزمة مساعدات خارجية أميركية- من أجل مساعدة البلد في الدفاع عن نفسه فيما هو يسعى إلى السلام، وليس للاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة إلى الأبد، وإلى خلق دولة فصل عنصري بحكم الأمر الواقع، كما يصفها العديد من المسؤولين الإسرائيليين؛ حيث لا يتمتع نصف الشعب القابع تحت سيطرتها بأي حق في التصويت. وبالإضافة إلى ذلك، تمنح الولايات المتحدة إسرائيل الغطاء الدبلوماسي في المنتديات الدولية، وذلك للحيلولة بدون أن تستهدف الدولة اليهودية بشكل غير عادل أو تتعرض للافتراء، وليس من أجل تجنب الانتقادات الموجهة إلى دولة تستحق التقريع. فكيف نستطيع أن نستمر في تقديم هذه المزايا بسخاء لإسرائيل إذا كانت تقوم بخرق مزاعمها الخاصة على نحو فاضح -وليس مزاعمنا نحن- بأنها تشكل تشكل ديمقراطية قوية، ولو أنها ناقصة؟
الجواب على ذلك يقع في شقين، ولو أن كلا الشقين متصلان: الشق الأول يتعلق بالقصور الذاتي للوبي الإسرائيلي؛ والثاني هو الحزب المفضل لدى إسرائيل، الجمهوري. وكان اللوبي الإسرائيلي قد تعثر في الأعوام الأخيرة؛ حيث خسر نقاطاً رئيسية في المعركة الدبلوماسية ضد إيران، على سبيل المثال، لكن الإشراف الشرطي العدائي الذي تمارسه المجموعة على الأنظمة السياسية والإعلامية سيستمر بلا انقطاع، ويستطيع اللوبي مع ذلك أن يلدغ الذين يضطهدونه، بالإضافة إلى منح مزية سخية لأولئك الذين يدعون إخلاصهم لقضيته. ولعل المشكلة الكبرى للوبي تكمن في أن تلك الدوائر من النظام السياسي الأميركي والتي تتقاطع مع أهدافه، يصبحون بشكل متزايد من المعسكر الجمهوري. ويستطيع المرء التفكير في معركة المنصات والخطابات حول القدس خلال المؤتمر القومي الديمقراطي في العام 2012، أو مرة أخرى موضوع إيران، وعلى نحو خاص الجهود الحزبية المستمرة لقتل المفاوضات النووية والدعوة التي وجهها الحزب الجمهوري لنتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس حول إيران مؤخراً.
ومن جانبهم، أعرب الجمهوريون أيضاً عن رغبة في رؤية حل الدولتين وهو يتحقق، لكنهم سارعوا مع ذلك إلى تهنئة حليفهم السياسي نتنياهو على فوزه (نفاق الجمهوريين ليس شيئاً جديداً). ويبقى الأمر متروكاً للديمقراطيين وزعيمهم في العامين المقبلين، الرئيس باراك أوباما، لاتخاذ موقف. وتبدو الإشارات مشجعة، حتى من الكونغرس نفسه: فقد قاطع 56 عضواً من الكونغرس خطاب نتنياهو في وقت سابق هذا الشهر. وحتى الآن، لم تصادق كتلة حرجة من الديمقراطيين على الإجراءات المصممة لقتل المفاوضات مع إيران. وفي الأثناء، أعربت الإدارة عن القلق من تكتيكات نتنياهو الانتخابية وتعهدت "بتقييم موقفها إزاء الخطوات التالية" في عملية السلام، تماماً كما هي.
لكن انتقادات الإدارة الأميركية تنطوي على مساحة من الغموض: هل ستكون ثمة المزيد من التداعيات بالنسبة لإسرائيل على ضوء تعنتها الذي تم الإعراب عنه مجدداً فيما يتعلق بالسلام؟ يبدو هذا الاحتمال موضع شك. ولكن، مع اليد الطليقة التي يتمتع بها في فترته الرئاسية الثانية، يستطيع الرئيس أوباما أن يسمح بتمرير قرار للأمم المتحدة يدين المستوطنات الإسرائيلية بدون أن تعمد إلى استخدام حق النقض "الفيتو" ضده؛ أو، وهو الأفضل، دعم جهود السلطة الفلسطينية للانضمام إلى المنظمات والهيئات الدولية (قاومت إدارة أوباما كلا من هذين الإجراءين حتى الآن). ويجب أن تكون الفكرة المكررة عما يدعى العلاقة الخاصة بين إسرائيل وأميركا المساعدات العسكرية السخية التي تُمنح لبلد ثري -هي أول ما يذهب، لكنها يمكن أن تكون الأخيرة.
وهكذا، يبقى من غير المرجح أن يحدث الكثير. وبطريقة ما، يبدو ذلك منطقياً تماماً. فملاحظات نتنياهو خلال الحملة الانتخابية لم تقم تماماً بإعادة ترتيب الكيفية التي ينظر من خلالها أي مراقب متوسط الذكاء لوجهات نظر السياسية الإسرائيلية لرئيس الوزراء. إنه ما يزال يتصرف وفق هذه الطريقة منذ أعوام. وقد أضاف الآن، متأخراً، الأقوال إلى الأفعال. وإذا لم تكن أميركا راغبة في التصدي لهذه الحقائق في السابق، فلماذا يتوجب عليها ذلك الآن؟
لا شك في أن المدافعين العنيدين عن إسرائيل سيقللون من شأن تعليقات نتنياهو وسيدعون إلى المحافظة على الوضع القائم. لكن هناك في هذه اللحظة خطوة أخرى تم اتخاذها حتى تجعل الأميركيين يدركون ما هي حقيقة الوضع القائم: هناك دولة عميلة لأميركا، والتي تتجه بمحض إرادتها نحو نظام فصل عنصري بمساعدتنا، وتحاول على الطريق جرنا إلى الدخول في خضم صراعات كارثية في المنطقة. إنها خطوة صغيرة، لكن هذه المسيرة بالنسبة لليبراليين الأميركيين أصحاب المبادئ، والذين يشعرون بسأم متزايد من إسرائيل، بطيئة وثابتة.

*زميل مراسل مع الصندوق الاستقصائي في معهد "ذا نيشن"، والذي يركز على السياسة الخارجية الأميركية. وقد ظهرت مقالاته في كل من "فورين بوليسي"، و"واشنطن مونثلي" و"كولومبيا جورناليزم ريفيو" و"الجزيرة أميريكا" و"هآرتس" و"سالون".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 What Netanyahu's election means to America

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق