فهد الخيطان

الأردنيون بعد أن أصبحوا شعبا افتراضيا

تم نشره في الأربعاء 25 آذار / مارس 2015. 01:09 صباحاً

ليس مفاجئا أن يحتل الأردنيون مكانة متقدمة على مؤشر الاستخدام اليومي لمواقع التواصل الاجتماعي؛ "تويتر" و"فيسبوك" و"يوتيوب" وغيرها، كما أظهر تقرير نشرت "الغد" ملخصه أمس، صدر عن قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب في دبي.
الأردنيون، كبارا وصغارا، في طريقهم للتحول إلى شعب افتراضي، مثلما هو حال شعوب أخرى؛ تتجه لهجرة الواقع إلى الفضاء الإلكتروني الرحب. يكفي أن تتلفت في أي مكان تتواجد فيه، لتجد كل من هم حولك منشغلين في "التغريد" و"الدردشة" على مواقع التواصل الاجتماعي. سائق التاكسي يستغل الوقوف على الإشارة الضوئية ليعلق على صورة أو "بوست" على "فيسبوك"؛ الموظف في دائرة حكومية يهرب من مراجعيه، ليكتب "تغريدة" على "تويتر". وفي المنازل أفراد العائلة الواحدة يعيش كل منهم في عالمه الخاص، ولا يحسّ أحدهم بوجود الآخر.
التواصل تجاوز حدود التفاعل مع الآخرين، وتحول إلى حالة من الهوس الإلكتروني، يمضي فيها الناس ساعات طويلة من يومهم من دون أن يفكروا فيما يتعين عليهم القيام به من واجبات.
نحو أربعة ملايين أردني موزعين بين "فيسبوك" و"تويتر" وسواهما من مواقع التواصل، باتوا اليوم يديرون حياتهم وشبكة علاقاتهم عبر عالم التواصل الافتراضي.
لكن الفرصة العظيمة التي وفّرتها تلك المواقع لتبادل المعارف والأفكار والتجارب، تبدو محدودة جدا في حالتنا؛ أردنيا وعربيا. ما أعنيه أن التواصل السريع والتفاعل الدائم بين الأفراد لم يزدهم تقاربا، كما هو مفترض؛ وإنما عمّق الفجوة بينهم، وزادهم تباعدا.
حوارات "فيسبوك" و"تويتر" تشي بذلك على نحو مفجع. حتى الآن، ورغم مرور عدة سنوات على تجربة التواصل الاجتماعي، لم نلحظ تطورا في سوية النقاشات الجارية. على العكس، لغة الحوار في تدهور؛ ثمة ميل متزايد إلى استخدام التعابير البذيئة، والحط من قدر الآخرين. ونادرة هي الحالات التي يفضي فيها السجال حول المواضيع المطروحة إلى التقارب بين المتحاورين؛ ففي معظم الحالات ينتهي الحوار إلى مزيد من التباعد والخلاف.
والأخطر من ذلك كله، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت ميدانا لنشر ثقافة الكراهية وزرعها في النفوس. الناس يبدون أقل احتراما لبعضهم بعد كل جولة حوار، وأكثر عداء تجاه بعضهم. واللافت في تجربتنا أن الأغلبية الساحقة من المنخرطين في الحوارات هم أشخاص غاضبون على الدوام، وسلبيون؛ يلعنون النهار والليل والقمر والشمس، إذا لم يجدوا قضية تثير شهيتهم للسب ذلك اليوم. ناهيك عن المواضيع السخيفة، والحوار "الزقاقي" الذي ينهمك فيه البعض، من دون أن يكون له أدنى أهمية لجمهور الأصدقاء والمعارف على الشبكة العنكبوتية.
وقد تكون مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن وسيلة مبتكرة لقياس معدلات البطالة الحقيقية، في ضوء الأرقام الرسمية المخادعة. فعند التدقيق في حسابات المشتركين بـ"فيسبوك" أو "تويتر"، تلاحظ أن نسبة لا يستهان بها من هؤلاء "يغردون" ويحاورون في كل ساعات النهار والليل، كأنهم بلا عمل ينشغلون به، ولو لبضع ساعات، عن اللعب بأزرار الهاتف أو الكمبيوتر.
تثبت تجربتنا مع وسائل التواصل الاجتماعي أن أزمتنا مع الديمقراطية، وثقافة قبول الآخر واحترام التعددية، لا تكمن في نقص الوسائل؛ بل هي أزمة العقل المستعصية. فها نحن نستخدم، وبشكل مفرط، أرقى أشكال التواصل، ومع ذلك نفشل في تطوير مفاهيمنا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أزمة العقل المستعصية (ايمن النسور)

    الأربعاء 25 آذار / مارس 2015.
    نعم نؤيد قلبا وقالبا ما جاء في مقالك الرائع استاذ فهد ونأمل ان تتطور الحالة الى استحداث صفحات لها مضامين اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية من خلال تبسيط المعلومات مع تضمين هذه الصفحات بالقضايا التي تهم فئة الشباب لجذبهم للتفاعل مع ما يطرح من مواضيع وقضايا من اجل الارتقاء بتفكيرهم وتقوية روح الانتماء للوطن والولاء للقيادة