محمد برهومة

نواقص في مواجهة التطرف

تم نشره في الجمعة 27 آذار / مارس 2015. 12:05 صباحاً

يستغرب المرء عدم استدراك النواقص النوعية التي تنطوي عليها حملات مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف في دولنا ومجتمعاتنا. فعملية نشر الفكر المتطرف، والتجنيد والتأطير والدعاية، من قبل المجموعات المتطرفة، تتم في أغلبها على ساحات مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت. ويعجب المراقب حين يعرف أن كثيرا من القائمين على هذه الحملات ليسوا بارعين في استخدام هذه الأدوات الإعلامية الجديدة، أو لا يدركون أهميتها وخطورتها. ويمكن أن نقول إن لديهم في المجمل "جهلا استراتيجيا" في أدوات المعركة التي يخوضونها ضد التطرف والعنف والإرهاب.
التعامل الأمني والعسكري في سياقاته التقليدية غير كاف، على أهميته الكبيرة، لمواجهة التطرف والعنف والإرهاب. وقد لفت الباحث السعودي سلمان العمري إلى أن تنظيم "داعش" هو المنظمة الأولى من نوعها التي تعي وتدرك أهمية وسائل التواصل الاجتماعي. فالتنظيم لديه وصول مُذهل من خلال ما يسميها قنابل "تويتر"، ورسائله بكل اللغات، كما استخدامه لوسائل التواصل المغمورة نسبيا مثل "دياسبورا".
الباحثون والخبراء والكُتّاب في حقل الجماعات الدينية، يدركون أهمية رصد ومتابعة وتحليل ما ينشر ويبث على هذه المواقع بشكل دائم. لكن مثل هذه الثقافة ليست ذائعة لدى كثير من المؤسسات العربية التي تناط بها مواجهة التطرف والتشدد في مجتمعاتها. وبقدر ما يقال عن جاذبية التطرف لدى بعض الفئات، فإن التطرف هش وسهل الانكسار في حال تمت قراءته، من الداخل، بعناية وعمق من شأنهما تفكيك مقولاته وتفنيدها.
ينبغي التوافق على أن مواجهة التطرف والعنف والإرهاب هي مسألة تفاصيل، وليست حملة عامة وشعارات فضفاضة ذات طابع مؤقت، نكرر فيها أن الإسلام دين حضارة وسلام ومحبة. إنها مسألة ثقافة ووعي، وبدائل واستراتيجيات مدروسة بعناية لكسب العقول والقلوب، تتجاوز البعدين الأمني والعسكري.
في كتابه الصادر بالفرنسيّة العام 2009 بعنوان "الفكر المتطرّف: كيف يصبح الناس العاديّون متعصّبين"، يؤكد جيرالد برونر، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ديدرو بباريس، أن الموقف المتعصّب، مهما كان متشدّداً، يبقى مع ذلك هشّاً ومؤقّتاً في الغالب: فنحن لا نولد متعصّبين، بل نغدو كذلك، ونحن لا نبقى متعصّبين طوال حياتنا. ولعلّ أحسن مثال على ذلك تراجع أعضاء جماعة "بادر ماينهوف" الألمانيّة، و"الألوية الحمراء" في إيطاليا، وتخلّيهما عن أفكارهما المتطرّفة بشأن المجتمع الرأسمالي وضرورة محاربته وكسر شوكة الإمبرياليّة. وهو شأن ما اصطلح عليه بالمراجعات في صفوف عدد من قيادات الجماعة الإسلامية في مصر. ويرى برونر أنّ المسارات التي تؤدّي بنا إلى التطرّف يمكننا سلوكها في الاتّجاه المعاكس. وذلك شرط ظهور بوادر الشكّ، أوّلاً في العناصر المحيطيّة للمعتقدات، وهي التي تسمح في الغالب بالتطرّف، ثمّ ببروز "تنافس معرفي" بين القيم المتطرّفة وغيرها من القيم. وهو ما يمهّد لاستعادة التواصل الاجتماعي بوصفه الحلّ لمواجهة السجن الطائفي أو العقائدي الذي يعيش فيه المتعصبون، ومن هنا اختفاء مشاعر الإحباط التي كانت دافعة نحو الالتزام المتعصبّ.
إن إصرار مناهج التعليم والمساقات الدراسية في مدارسنا وجامعاتنا على أهمية الفكر النقدي في التعاطي مع الثقافة الدينية، سيلعب دورا في إدراك الأجيال الناشئة والصاعدة أن "الفكر العادي يقبل بوجود تناقضات بين المعتقدات المتعايشة داخل عقولنا أو في مجتمعنا، بينما الفكر المتطرّف لا يقبل بها وينبذها، ويبني بالمقابل عقيدة متماسكة "نقيّة"، متجانسة ومانويّة. إذ بالنسبة للفكر المتطرّف، فإنّه لا مجال لحلول وسطى أو لأيّ توافق". هذا نقص كبير من المهم الإعداد لملئه.

التعليق