كيف ساعد توني بلير في فتح البوابات أمام "داعش"؟

تم نشره في الأحد 29 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير - (أرشيفية)

باتريك كوبيرن* — (كاونتربنتش) 23/3/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في كل مكان تقريباً، استُقبل تنحي توني بلير عن مهمته كمبعوث للسلام في الشرق الأوسط، بعد ثمانية أعوام من شغله المنصب، بمزيج من الانتقاد اللاذع والازدراء والارتياح. ووفق ما ذكر، فقد كان منذ وقت طويل يخصص ثلاثة أيام من كل شهر لهذه المهمة، بينما يكرس بقية وقته للعناية بمصالحه التجارية.
يشكل بلير عضواً في ناد غريب وحصري، يتكون من قادة بريطانيين وأميركيين من الذين كانت وظائفهم قد فسدت أو أنهيت في القرن الماضي بسبب نوع من الانخراط الكارثي في الشرق الأوسط. وفي الجانب البريطاني، يضم هؤلاء الأعضاء ونستون تشيرشيل وديفيد لويد جورج، وأنتوني إيدن. ومن الأميركيين يضمون جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج دبليو بوش.
هل ثمة شيء مشترك في الأزمات المختلفة في الشرق الأوسط، والتي فشل هؤلاء الرجال الستة في التعامل معها بنجاح؟ وهل ارتكبت أخطاء متشابهة؟ ولماذا أصبحت المنطقة مقبرة للسمعة السياسية؟
تزامنت مغادرة بلير لوظيفته تقريباً مع اليوم الذي يصادف الذكرى السنوية المائة للحظة يوم 18 آذار (مارس) من العام 1915، عندما مخر أسطول أنجلو- فرنسي عباب بحر الدردنيل شاقاً طريقه إلى إسطنبول. وكأول لورد للأدميرالية البحرية البريطانية، كان تشيرشل منافحاً رئيسياً عن الخطة التي فشلت فشلاً كارثياً عندما أغرقت الألغام والمدافع التركية ثلاث سفن حربية، وألحقت أضراراً بالغة بثلاث سفن أخرى. وبعد ذلك بوقت قصير، دعم تشرشل فكرة إنزال قوات برية على شبه جزيرة غاليبولي يوم 25 نيسان (أبريل)، والتي انتهى بها المطاف إلى هزيمة شاملة بعد ثمانية أشهر، بعد مقتل أو جرح ربع مليون جندي بريطاني وفرنسي، سوية مع عدد مشابه من الجنود الأتراك.
هاجم البريطانيون المواقع التركية المتمترسة والقابلة للدفاع عنها بقدر كبير في غاليبولي بشكل رئيسي، لأن سلسلة من الهزائم التركية في الأشهر الأولى من الحرب العالمية الأولى دفعت تشرشل واللورد كيتشينر، وزير الدولة لشؤون الحرب، إلى إساءة تقدير إمكانيات الدفاع لديها. ولدى القراءة عن ذلك في كتاب يوجين روغان واسع الاطلاع والذكاء بعنوان "سقوط العثمانيين: الحرب الكبرى في الشرق الأوسط 1914-20"، صدمتني التشابهات بين ما حصل في ذلك الحين وبين الغزو الأميركي والبريطاني للعراق في العام 2003. وفي كلتا الحالتين، كانت هناك نفس الثقة المفرطة في التقليل من قدرات المعارضة، والتجاهل المتعمد للشريك الفيزيائي الخطير في غاليبولي والمشهد السياسي القاتل، على نحو مساو للعراق. وفي أعقاب هذا الفشل، تم خفض رتبة تشرشل ولم تتعاف سمعته أبداً حتى تولى رئاسة الوزراء في العام 1940.
بعد سبعة أعوام من غاليبولي، في العام 1922، فقد لويد جورج منصبه كرئيس للوزراء عندما ذهب تقريباً للحرب مع تركيا بعد دعمه الغزو اليوناني الفاشل للأرض التركية الأم. وقد اعتقدت دائماً بأن بلير يشابه لويد جورج أكثر من أي رئيس وزراء بريطاني آخر في طموحه، وفي إيمانه بنفسه، وفي قدرته على استغلال الآخرين. كان كلا الرجلين قد تصورا، ولسبب وجيه، أنهما يستطيعان شق طريقهما بنجاح نحو حلول حاذقة لمشاكل عصية على الحل. فحققا انتصاراتهما الكبرى في إيرلندا: حيث تفاوض لويد جورج على نهاية لحرب الاستقلال الإيرلندي في العام 1921؛ وتفاوض بلير على جلب السلام لشمالي أيرلندا باتفاقية الجمعة العظيمة في العام 1998.
كان العامل الحاسم في نجاحهما هو أنهما كانا يعرفان الكثير جداً عن إيرلندا. لويد جورج لأن إيرلندا كانت في مركز الأزمات السياسية البريطانية المتلاحقة لمدة نصف قرن؛ وبلير لأنه نصف إيرلندي، وأمه هازل تنحدر من عائلة من المزارعين البروتستانت في دونيغال. وفي سيرة بلير الذاتية التي تشكل كتاباً مدهشاً ومسلياً، ثمة قصة منبئة عن جدته وتعصبها الديني البروتستانتي الذي لا تشوبه شائبة. وكان أن ذهب بلير لرؤية جدته عندما استفحل فيها مرض الزهايمر إلى درجة استطاعت معها بالكاد أن تتعرف عليه. ويكتب بلير عن ذلك: "عندما ربتُّ على يدها أحكمت قبضتها على يدي وفتحت عينيها على وسعهما وقالت: "أياً كان ما تفعله أيضاً يا بني، لا تتزوج كاثوليكية". لقد تلاشى كل شيء آخر من ذاكرتها، لكن ترسبات الكراهية الطائفية الجديدة كانت باقية في قاعها".
بالرغم من أخذه بريطانيا إلى أتون الحرب في العراق في العام 2003 والعيش في الشرق الأوسط لفترات طويلة منذ أن أصبح رئيساً للوزراء، لم يظهر بلير أي شيء أبداً من الحساسية لسياسة المنطقة على النحو الذي كان قد أظهره في إيرلندا.
بينما كان يقدم الحجة لاستجواب شيلكوت في العام 2010، خلق بلير الانطباع بعدم أخذه مسائل الطائفية وفساد الحكومة في بغداد بعين الاعتبار أبداً –التي كان قد ساعد في تمكينها من السلطة في البلد. ولا بد أن يكون صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" ليحكم ثلث العراق قد جاء كمفاجأة تامة له. وسيكون من المثير أن نعرف أي نصيحة هي التي يسديها بلير لعملائه الأثرياء في الخليج وآسيا الوسطى عن التطورات المستقبلية في العراق وسورية وليبيا.
هل هناك شيء يمكن تعلمه من أزمة السويس في العام 1956، والتي أنهت مسيرة أنتوني إيدن السياسية وأثبتت أن بريطانيا لم تستطع التصرف في الشرق الأوسط على نحو مخالف للرغبات الأميركية؟ كانت شيطنة الرئيس جمال عبد الناصر، وتصويره على أنه هتلر عائد إلى الحياة، مشابهة جداً لشيطنة صدام حسين (بالرغم من أنه صور على أنه أكثر شيطانية بكثير من عبد الناصر). وفي كلتا الحالتين، قالت الدعاية الخادعة للذات أن حاكماً مفرداً ينطوي على شر لا يقاس هو الذي كان مسؤولاً عن مشاكل مصر والعراق. وأذكر في هذا المقام جراح أعصاب في مستشفى في بغداد، والذي قال لي بعد قليل من سقوط المدينة في العام 2003: "يجب على الأميركيين أن يتذكروا أنه حتى صدام نفسه وجد من الصعوبة بمكان حكم العراقيين".
بعد أزمة السويس، أصبحت الولايات المتحدة هي القوة الغربية البارزة في الشرق الأوسط، وأصبح رؤساؤها محبوبين أكثر من رؤساء الوزراء البريطانيين. وقد صادف جيمي كارتر سوء الطالع مع اندلاع الثورة الإيرانية وسقوط الشاه، واحتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران. ولم يكن لديه الكثير ليفعله في ذلك الشأن. ولحق ضرر دائم برونالد ريغان بفعل قضية إيران- كونترا، المحاولة الغرائبية لإقناع الإيرانيين بالإفراج عن الرهائن الأميركيين في بيروت في مقابل منحهم أسلحة، واستخدام أموال مبيعات الأسلحة لتمويل ثوار الكونترا في نيكاراغوا. وكان من الواجب أن يكون واضحاً دائماً أن الضرر الناجم عن هذه الحبكة الغريبة المخطئة قد فاق بكثير أي مزايا محتملة. كما أنه من المحتمل أيضاً أن يكون من الخطأ محاولة التفوق على الإيرانيين عندما يتعلق الأمر بالخداع.
كان غزو العراق الذي قامت به الولايات المتحدة وبريطانيا في العام 2003 في بعض الأوجه إعادة لأزمة السويس، باستثناء أن الولايات المتحدة هي التي تجاوزت في هذه المرة حدود قوتها. ربما استطاع بوش وبلير غزو العراق والإطاحة بصدام حسين الذي أراد معظم العراقيين التخلص منه، لكن احتلالهما للبلد لم يكن ليحظى بالقبول أبداً. ولم يظهر أن بوش وبلير قد فهما رد الفعل المعادي من جيران العراق للتواجد الدائم لجيش احتلال غربي. لكن بلير يشكو حتى هذا اليوم من أن التدخل الإيراني يزعزع استقرار العراق، وكأن من المرجح أن تقبل إيران مرة أخرى بأن يحكم جارها العراق من جانب عدو. لقد حطم بوش وبلير الدولة العراقية، ولم ينجح أي أحد في إعادة وصلها معاً مرة أخرى. وفي الأثناء، فتحا البوابات على مصراعيها أمام صعود مجموعة الدولة الإسلامية "داعش".
*مؤلف كتاب "صعود الدولة الإسلامية: الدولة الإسلامية والثورة الإسلامية السنية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Tony Blair Helped Open the Door for ISIS

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق