لماذا يكره الأميركيون التفاوض مع أعدائهم؟

تم نشره في الثلاثاء 31 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً
  • جانب من المفاوضات النووية بين الغرب وإيران - (أرشيفية)

دومينيك تييرني — (الأتلانتيك) 24/3/2015

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ربما تبدو المعارضة الجمهورية الشديدة لإبرام أي اتفاق حول برنامج إيران النووي بمثابة مثال آخر على التحزب السياسي والعداوة الشخصية لباراك أوباما. لكن ثمة مسوغاً أعمق بكثير يمكن وراء الدفع المضاد في الكونغرس: الكراهية المغروسة بعمق في الثقافة الأميركية إزاء التحاور مع الخصوم "الأشرار".
يظل التفاوض مع الخصوم الدوليين أكثر إثارة للجدل في الولايات المتحدة مما هو لدى معظم الديمقراطيات المتطورة. وبينما يُنظر إلى المساومات في بلدان أخرى غالباً على أنه العرف، فإن الأميركيين غالباً ما ينظرون إلى المباحثات المباشرة التي تجري وجهاً لوجه على أنها جائزة يجب أن يكسبها الخصم من خلال السلوك الجيد. وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة جزءاً من ائتلاف يتكون من ستة بلدان تتفاوض مع إيران. والبلدان الأخرى هي بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا. لكن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي تسبب فيه التفاوض على الصفقة في إثارة عاصفة سياسية محلية.
تشكل مقاومة إبرام اتفاقية مع إيران جزءاً من تاريخ طويل من التحفظ الأميركي حيال الانخراط مع الخصوم. فخلال الأعوام الأولى من حرب فيتنام، توسلت فرنسا وبريطانيا وكندا، ومعها الأمين العام للأمم المتحدة، تحتى تقبل الولايات المتحدة بالتفاوض من أجل إنهاء النزاع، لكن واشنطن رفضت الموافقة على أي تسوية لا تقضي باستسلام فيتنام الشمالية.
والأكثر حداثة، في عقد التسعينيات، هاجم الجمهوريون جهود الرئيس بيل كلينتون للتفاوض على صفقة نووية مع كوريا الشمالية، حيث وصف السناتور جون ماكين تلك العملية بأنها ترقى إلى "الاسترضاء".
وفي العام 2003، عندما بدأ العراق مساره الانحداري إلى الفوضى العارمة، تلقى نائب وزير الدفاع الأميركي في حينه، بول فولفوويتش، مذكرة تقترح أن تقوم الولايات المتحدة بإشراك العراقيين السنة المحرومين. وتردد أنه أجاب على المذكرة بثلاث كلمات وحسب، والتي كتبت على هامش الصفحة: "إنهم أناس نازيون".
وفي العام 2008، قال الرئيس جورج دبليو بوش للكنيست الإسرائيلي: "يبدو أن البعض يعتقدون بأنه يجب علينا التفاوض مع الإرهابيين والمتطرفين، كما لو أن بعض الحجة الحاذقة ستقنعهم بأنهم كانوا مخطئين على طول الطريق". وأضاف: "لكن هذا الزعم لا يعدو كونه سلوى زائفة من أجل الاسترضاء".
على مدار عقد بعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان، رفضت إدارتا بوش وأوباما إشراك متمردي طالبان. وثمة مراجعة رئيسية للاستراتيجية الأميركية أجريت في العام 2009، والتي لم تذهب حتى إلى مجرد دراسة خيار الحل الدبلوماسي مع قيادة طالبان. وفي العام 2010، سأل مبعوث الولايات المتحدة الخاص لأفغانستان، ريتشارد هولبروك، الجنرال ديفيد بترايوس عن المصالحة الأفغانية. ويقال أن بترايوس رد عليه بالقول: "اسمع يا ريتشارد، إنها محادثة تستغرق 15 ثانية فقط". وأضاف: "نعم، في نهاية المطاف. ولكن كلا، ليس الآن". ثم لاحقاً، وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية في العام 2012، أعلن المرشح الرئاسي الجمهوري، ميت رومني: "يجب علينا عدم التفاوض مع طالبان، بل يجب علينا إلحاق الهزيمة بهم".
عادة ما تكون المقاومة الموجهة نحو الانخراط الدبلوماسي أقوى عند اليمين السياسي. ففي العام 2013، على سبيل المثال، لم توافق نسبة 27 في المائة من الديمقراطيين على اتفاقية مؤقتة مع إيران على برنامجها النووي -في مقابل 58 في المائة من الجمهوريين. ويبدو أن الرؤساء الديمقراطيين يكونون عرضة للهجوم عليهم بشكل خاص، باعتبارهم "ساعين إلى الاسترضاء" عبر التحدث مع الأعداء. وعلى العكس من ذلك، غالباً ما يكون من الأسهل من الناحية السياسية أن يتفاوض الجمهوريون الصقور، لأن قلة من الناس تشكك في تشددهم. وخلال الحرب الباردة، كان الرؤساء الديمقراطيون هم الذين بدأوا الحربين الكبيرتين في كوريا وفيتنام. ثم تولى الرؤساء الجمهوريون بعد ذلك إخراج أميركا منهما. وتقول الحكمة الشائعة: المسألة تحتاج ذهاب نيكسون إلى الصين.
لماذا لا يحب الأميركيون التفاوض مع الأعداء؟ يتعلق الجواب بمزيج البلد من السلطة والأخلاقية. بعد العام 1945، هيمنت الولايات المتحدة على العالم مثل كيان ضخم باقتصاد أكبر بثلاث مرات من اقتصاد أقرب منافسيها، الاتحاد السوفياتي. وأطفأت قدرات أميركا التي تطوق الكرة الأرضية الحاجة الظاهرية للتوصل إلى تسوية مع الخصوم الأضعف، مثل فيتنام الشمالية التي وصفها ليندون جونسون بأنها "جحش رث صغير وبلد من الدرجة الرابعة".
في الأثناء، ووفقاً للتيار الأخلاقي في الثقافة الأميركية، فإن التوصل إلى تسوية مع الخصوم "الأشرار" يلطخ القيم الأميركية. ويميل الأميركيون إلى الالتزام بشكل كبير بمثل الأمة الديمقراطية والحقوق الفردية. كما أن معدلات الورع أعلى بكثير في الولايات المتحدة منها في ديمقراطيات غنية أخرى. ونتيجة لذلك، فإن الأميركيين أكثر ترجيحاً للقول بأن هناك معاييراً مطلقة للخير والشر مقارنة مع الأوروبيين والكنديين واليابانيين، الذين يغلب أن يقولوا أن الأخلاق تعتمد على الظروف.
تستطيع فكرة الاستقامة الأخلاقية الأميركية، كما تجدر الإشارة، جعل فعل المساومة يبدو وأنه مصدر شك متأصل. وقال ليندون جونسون عن فيتنام: "لأننا نحارب من أجل القيم ونحارب من أجل المبادئ، فإن صبرنا وتصميمنا لا ينفدان".
في بعض الأحيان، يكون من المناسب عدم الانخراط مع الأعداء —خاصة عندما يكونون متطرفين مطلقين أو متعنتين، مثل النازيين أو تنظيم القاعدة. لكن هذان استثناءان نادران.
يكمن الخطر في أن السلطة والأخلاقية الأميركيتين تطلقان زناد المعارضة للدبلوماسية التي تقوض المصالح الأميركية. ومع كل مواردها الضخمة، لا تستطيع الولايات المتحدة في العادة فرض إرادتها على أعدائها -خاصة عندما يكون النزاع في الحديقة الخلفية للخصم. كما أن رفض التنازل عن القيم الأميركية من خلال تقديم تنازلات يعني دفع ثمن أخلاقي أكبر لاحقاً. وقد تفوت واشنطن فرصاً لإبرام صفقات ذات قيم عالية، لينتهي بها المطاف إلى التفاوض كملاذ أخير- عندما تكون يدها قد أصبحت أضعف بكثير.
 كان من الواجب أن تُشرك الولايات المتحدة طالبان في العامين 2002 و2003. في ذلك الوقت، كان المتمردون مطاردين، وربما كانوا سيعرضون تقديم تنازلات رئيسية في مقابل دور سياسي معترف به لهم في أفغانستان الجديدة. وبعد كل شيء، تم إضعاف طالبان، لكنها لم تهزم. وقد تمتعت بملاذات آمنة في باكستان. وكان هناك آلاف قليلة من القوات الدولية في أفغانستان. وكانت عودة المتمردين إليها احتمالاً قائماً دائماً. وعليه، لماذا لم يتم التفاوض عندما كانت الولايات المتحدة ممسكة بأفضل بطاقات المساومة؟ لكن الولايات المتحدة انتظرت حتى العام 2011 عندما تدهورت حالة الحرب وتحولها إلى مستنقع، لتعترف بمفاوضات السلام جهاراً ولأول مرة.
 على نحو مشابه، تجنبت الولايات المتحدة عقد مفاوضات ذات معنى مع إيران عندما كان لدى طهران مئات قليلة وحسب من أجهزة الطرد المركزي —وتراجعت حتى أنشأ الإيرانيون برنامجاً نووياً بمستوى صناعي.
كتب هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأميركية الأسبق) ذات مرة قائلاً: "يعتبر العديدون المفاوضات علامة ضعف. لكنني نظرت إليها دائماً على أنها سلاح للاستيلاء على الأرضية الأخلاقية والنفسية العالية... إنها آلية لتحسين موقف المرء الاستراتيجي".
من أجل توظيف هذا السلاح الدبلوماسي بفعالية، يجب على أوباما المناورة والمرور من خلال مشهد سياسي عالي التحدي. وبالنسبة لرئيس ديمقراطي، فإن الحل المثالي يكون في بناء فريق سياسة خارجية من الحزبين. وليس هذا مسعى سهلاً، على ضوء تيار المزاج التحزبي عالي الوتيرة. لكن أوباما أوقف خدعته بتعيين روبرت غيتس، الجمهوري المعتدل، كوزير للدفاع. وتظهر الأزمتان النوويتان الإيرانيتان -واحدة في الشرق الأوسط وواحدة في واشنطن دي سي- أن لدى الديمقراطيين وقت صعب لصنع السلام وحدهم. في نهاية الأمر، ربما يتطلب الأمر ذهاب جمهوري إلى إيران.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why Do Americans Hate Negotiating With Their Enemies?

التعليق