"نار الصندوق.. ولا جنة الحكومة"

تم نشره في السبت 4 نيسان / أبريل 2015. 01:09 صباحاً

مبدئيا، يظل من الأفضل حتماً إدارة الاقتصاد الوطني بعيدا عن الاشتراطات و"التوصيات" القاسية لصندوق النقد الدولي. فالابتعاد عن المؤسسة الدولية أميالا، يبدو مسألة مريحة، نفسيا على الأقل، للمراقب، وأكثر منه للمواطن الذي يعلم تماما أن المبادئ والسياسات التي يطبقها "الصندوق" إنما تُعنى بالأرقام (الاقتصادية) المطلقة، بعيدا عن آثارها الاجتماعية.
وتاريخيا، يرتبط الأردني بعلاقة سلبية مع "الصندوق"، خلقت قناعة شعبية راسخة بأن برامجه لا تعني أكثر من قرارات قاسية مرهقة، كونها تزيد العبء المالي على الأسر؛ فتؤذي المستوى المعيشي للمواطن، كما تفاقم معدلات الفقر والبطالة. هذا عدا عن كون "الإصلاح" المنفّذ بإشراف "الصندوق" إصلاحا مجزوءا؛ إذ لا ينظر للتشوهات الأهم في الموازنة العامة، طالما أن المطلوب هو "منجزات رقمية"، ولو على حساب القضايا التي تمس حياة الناس.
إلا أنه بالرجوع إلى الخلف سنوات قليلة فقط، فإننا سنتذكر أن الأردن تخرّج من برامج "الصندوق" السابقة في العام 2004 بمؤشرات مالية ونقدية مريحة. لكن ما لبث أن أصاب الخلل هذه المؤشرات ذاتها، بعد فترة وجيزة لم تتجاوز خمس سنوات. وبما يؤشر إلى فقدان الحكومات القدرة على إدارة اقتصادها، بشكل ينفي عنه صفة "الاقتصاد المريض" الذي تستدعي حالته تدخلا "استشاريا" دوليا!
فبعد عام واحد فقط من التخرج من "الصندوق"، عاودت الحكومات ارتكاب ذات الأخطاء والخطايا، معبّراً عنها بنمو المديونية والإنفاق من دون حسيب أو رقيب، في مقابل تراجع النمو الاقتصادي. ولكأن المسؤولين نسوا أن الأردن بلد فقير ومحدود الموارد! بل ظنوا أنهم يديرون بلدا خليجيا منتجا للنفط، بموارد مالية لا تنضب! بدليل تضاعف حجم الموازنة العامة بأكثر من مرتين في سنوات قليلة.
هكذا، كان "طبيعياً!" انزلاق الاقتصاد مجددا إلى حدود الخطر التي فرضت العودة إلى أحضان صندوق النقد الدولي في العام 2012، ومعها عودة معاناة المواطن من القرارات الصعبة المُشترطة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يفترض أن ينتهي في آب (أغسطس) المقبل، بحسب الاتفاقية المبرمة مع المؤسسة الدولية.
بالخلاصة، تبدو سيئة، للأسف، تجارب الأردنيين على صعيد إدارة حكوماتهم للملف الاقتصادي. إذ تثبت التجارب العملية والنتائج الرقمية أن الحكومات المتعاقبة لطالما فشلت في إدارة الملف الاقتصادي بعيدا عن رقابة "الصندوق" الذي يفرض شروطه، ويحدد الأهداف التي يلزم على الحكومات تحقيقها، للبقاء في المنطقة الآمنة.
يوم الأربعاء الماضي، قررت الحكومة تفويض وزير المالية التباحث والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، للاستفادة من برنامج "التسهيل الائتماني الممتد" (Extended Fund Facility) في مرحلة ما بعد انتهاء "برنامج الإصلاح" القائم حالياً؛ ما يعني بوضوح قرار الحكومة البقاء مع "الصندوق"، في إطار برنامج إصلاح جديد، سيستمر لسنوات.
وبصراحة، فإن الأفضل إبقاء الاقتصاد في عهدة المؤسسة الدولية؛ ليس إعجابا بها، بل بسبب ضعف الثقة بقدرة حكوماتنا على إدارة الشأن الاقتصادي، وتبلور قناعة بأن غياب "الصندوق" بصرامته، قد يقودنا إلى فوضى اقتصادية جديدة، مع الخشية من تفاقم مشاكلنا المالية لدرجة تهدد الاستقرار المالي والنقدي.
"نار الصندوق.. ولا جنة الحكومة" قد تكون عبارة بليغة في توصيف الموقف من علاقة الأردن بهذه المؤسسة التي ربما نمقتها جميعا، لأنها تقسو على المجتمعات. لكنها في الحقيقة، تذكرنا في الوقت نفسه، بخطايا حكوماتنا التي صرنا نعرف تماما القصور الذي تعانيه في إدارة الملفات الاقتصادية.
فجوة الثقة بالمسؤولين، وضعف الإيمان بنيتهم المخلصة لإنجاز الإصلاح الاقتصادي، ما تزال قائمة. وعلى كل واحد من هؤلاء المسؤولين يقع عبء تبديد هذه الصورة من أذهان الناس، حتى نقول للصندوق، في المرة المقبلة: شكرا، لسنا بحاجة لك؛ فمسؤولونا قادرون على حماية مصالحنا وإدارة شأننا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قرار (محمد)

    السبت 4 نيسان / أبريل 2015.
    هنالك فرار سياسي بعدم اعطاء المواطن اى راحه او اخذ نفس قرار بافقار المواطن
  • »نعم صحيح (huda)

    السبت 4 نيسان / أبريل 2015.
    نعم صحيح كل ما قلتيه الاردن بلد محدود الموارد والامكانات ولا يمكن له ان يعيش باعلى مما تسمح به امكاناته لدينا قطاع عام متضخم ومترهل وقليل الانتاجية والكفاءة مما يضغط على الموازنة العامة التي باتت الرواتب تشكل معظم بنودها ، الحكومات لم تتعلم بعد ان التوظيف في القطاع العام ليس حلا لمشكلة البطالة وانما هو مشكلة للاقتصاد الكلي وللمجتمع بحد ذاته وان حل مشكلة البطالة يتم باعطاء القطاع الخاص كل ما يحتاجه من بيئة استثمارية وضريبية مناسبة لتوليد فرص عمل حقيقية وانتاجية تساعد في خفض معدلات البطالة