فهد الخيطان

النهاية التي تمناها زيادين

تم نشره في الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2015. 01:08 صباحاً

من لم يكن يعرف الدكتور يعقوب زيادين من قبل؛ كان آخر شيء يتوقعه أن يكون هذا الرجل قائدا شيوعيا، ومناضلا أفنى حياته في الدفاع عن حقوق الفقراء والعمال. الطبيب صاحب القامة الفارعة والطلة البهية والمظهر الأنيق، لا بد أن يكون وزيرا، أو مسؤولا مهيبا.
كان مهيوبا بالفعل، وصاحب طلة برجوازية، بنظارته السوداء. لكنه لم يكن لا وزيرا ولا صاحب شركة. مرة واحدة كان نائبا عن القدس، يوم كانت النيابة لنخبة البلاد وصفوة الساسة من رجال الأردن. ومن بعدها وقبلها كان زيادين واحدا من الناس الغيورين على مستقبل بلادهم.
لا أظن أن وصف الدكتور زيادين بالشيوعي يعطيه حقه. ليس عيبا أن يكون المرء شيوعيا، إلا أن "الدكتور" كما كان يذكر من محبيه، لم يكن ضليعا في الفكر الماركسي، ولا منظرا في المادية الديالكتيكية، لكنه زعيم وطني وتقدمي، وقبل ذلك سياسي واقعي، يملك "كاريزما" عزّت على الكثيرين.
لم أشعر يوما أنه ميال للشعبوية والثورية المفرطة التي كانت بضاعة بعض المعارضين؛ باختصار لم يكن "ثورجيا". قليل الكلام في المناسبات والاجتماعات العامة، لكن بحضوره المهيب كان يفتن الجميع، ويكسب احترام المختلفين من شتى المشارب.
حتى قبل أشهر قليلة من رحيله عن دنيانا، كان حضوره في مناسبة عزاء يلفت الأنظار، أكثر من حضور من يدعون الوجاهة. حيث يجلس ينهض كثر من بين الحاضرين في المجلس للسلام على "أبو خليل"؛ يصافحونه بحرارة، ويعرّفون بأنفسهم، أما هو فيرمقهم بابتسامة من عينيه.
ليس سهلا أن يحتفظ سياسي عاش سنوات عزه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي باحترام الناس وتقديرهم في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين. السياسيون؛ معارضة وحكومة، أصبحوا في أيامنا هذه أكثر من الهم على القلب، ومع ذلك يظل حضورهم مثل غيابهم.
لزيادين، وعدد قليل من رفاقه المؤسسين، ميزة لم نلحظها إلا في وقت متأخر؛ إنهم ليسوا معارضين بالمعنى الذي أسست له مدارس حزبية وفصائلية أخرى في الأردن. هم أقرب ما يكونون إلى رجال دولة في المعارضة، مع أنهم لم يتسلموا منصبا حكوميا في حياتهم. حين تطالع ما كتب زيادين، وتتذكر بعض ما كان يقوله في المناسبات العامة، لا تشعر أبدا أن هذا الرجل من طينة أولئك المعارضين الانقلابيين والمعادين للدولة. فقد كان الأردن بالنسبة لهم خطا أحمر لا يساومون عليه.
وهذا الحديث يأخذنا إلى ميزة أخرى لزيادين؛ فهو لم يكن يوما من رواد العواصم الثورية، وإن زارها مرات كثيرة. كان من الصعب على رجل يحترم نفسه وشعبه وبلده، أن يبحث عن منافع شخصية على حساب سمعة بلاده، كما كان يفعل بعض ثوريينا؛ يخطبون في خيمة القذافي، وسواه من "الثورجيين"، لقاء المعلوم.
ويشهد التاريخ القريب كيف نهش هؤلاء بسمعة الدكتور يعقوب زيادين يوم اتخذ موقفا جريئا وشجاعا من احتلال العراق للكويت. لم يوفروا تهمة إلا ألصقوها به. لكنه لم يتراجع عن موقفه الذي أكدت الأيام صحته فيما بعد، واعترف الكثيرون له، ولو بأثر رجعي، أنه كان على صواب.
وزيادين ابن جيل من السياسيين المعارضين الذين احترمتهم الدولة. هذا ليس بالأمر الهين؛ فالدولة حين تحفظ هيبة معارضيها، رغم ما عانوا في سجونها، فإنها بذلك تقر بحقهم في المعارضة، حتى لو لم تكن هناك حياة ديمقراطية بالمعنى السياسي والتشريعي.
عاش "أبو خليل" حياته كما يشتهي؛ فنال احترام الجميع في رحيله. تلك أحلى نهاية يتمناها المرء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السويد (نوزد عمارين)

    الأحد 12 نيسان / أبريل 2015.
    اجمل ما كتب عن مناضل أحب شعبه وأحبوه
  • »حضورهم (فايز شبيكات الدعجه)

    الخميس 9 نيسان / أبريل 2015.
    فعلا حضورهم مثل غيابهم ....بل ان غيابهم افضل
  • »اين الثرى من الثريا (ابو ركان)

    الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2015.
    اقتبس من مقالك
    لم يكن لا وزيرا ولا صاحب شركة. مرة واحدة كان نائبا عن القدس، يوم كانت النيابة لنخبة البلاد وصفوة الساسة من رجال الأردن. ومن بعدها وقبلها كان زيادين واحدا من الناس الغيورين على مستقبل بلادهم.
    ليس سهلا أن يحتفظ سياسي عاش سنوات عزه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي باحترام الناس وتقديرهم في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين. السياسيون؛ معارضة وحكومة، أصبحوا في أيامنا هذه أكثر من الهم على القلب، ومع ذلك يظل حضورهم مثل غيابهم.
    كان من الصعب على رجل يحترم نفسه وشعبه وبلده، أن يبحث عن منافع شخصية على حساب سمعة بلاده، كما كان يفعل بعض ٫٫٫٫
    ابدعت يا سيدي اين الثرى من الثريا
  • »زيادين (كمال غرايبة)

    الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2015.
    زيادين عملاق بقي على مبادئه ولم يتغير ويتلون بعكس العديد ممن عاصروه ولهذا فكلما ذكر العظام كان واحدا منهم بل من اوائلهم
  • »العدالة من الإيمان (علاء شاهين)

    الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2015.
    رائع أن يؤمن الإنسان بالعدالة وهو بالمناسبة اسم تشترك فيه جميع الأحزاب التي تحمل هوية اسلامية في تركيا ومصر والمغرب وليبيا ، لكن المؤسف أن يغره ذلك بربه الكريم .
  • »عن د. زيادين والمعارضة (أحمد العربي - عمان)

    الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2015.
    كل الاحترام للاستاذ فهد وبعد, فمقالكم عن د. زيادين أقرب ما يكون للحن جميل لقائد وطني بامتياز,لكن هذا" اللحن" شابه بعض الخروج عن السياق , كما أعتقد , اذ أن اشارتكم الى تميز معارضة زيادين بالاختلاف عن غيرها من حيث سلميتها , يطرح سؤالا يتعلق باسباب تغييب مناضل سلمي لمدة ثماني سنوات في سجن الجفر الصحراوي ما دام الامر يتعلق بحرية التعبير, واذا صح هذا الاستنتاج , لماذا لا تقدم الحكومة اعتذارا لروح هذا الفقيد؟.أما الخروج الثاني عن جمال اللحن فيكمن في الاشارة الى معارضة تلقت من الرئيس القذافي اموالا مقابل كلمات في خيمته , ماذا اذن عن معارضة كالسورية مثلا تتلقى المال والسلاح والدعم من عرب وامريكان واسرائيليين؛ ربما تبدو هذه الاشارة خارجة عن الموضوع لكنها تتساوى , كما اعتقد مع ملاحظتكم عن ما كان يحدث ايام القذافي, اي ان موضوع تناولها يحتاج الى قصة غير قصة فقيدنا الدكتور ابو خليل , ناهيك عن حكومات حاولت الحصول على مساعدات القذافي في شتى انحاء المعمورة . الدكتور زيادين استمر في قناعته بالفكر الماركسي اللينيني حتى النهاية , لكن يشهد له أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية كان يبحث عن حزب شيوعي من طراز جديد ينسجم مع المقولة الاشتراكية - قبل أن تكون امميا , عليك ان تكون وطنيا - لهذا بقي وفيا للاردن الجميل الذي يحلم به ويسعى لاجله حيث العدالة للفقراء ومحاربة الفساد والحذر من الاسلام السياسي بحكم التجربة والمعلومات. فقدنا رمزا وقامة عاليه , لكن العزاء , كما تفضلتم , بذلك الاحترام والتقدير لزيادين في حياته ورحيله.