لوحات سينا عطا تعكس مشاهد يومية من الألم والعذاب الممزوجين بالتحدي وروح المقاومة

بيت لحم: المدينة.. الناس.. الحائط.. يقرأ حياة الناس وتعاملهم مع الجدار

تم نشره في الخميس 9 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً
  • جانب من لوحات الفنان سينا عطا في المعرض الذي يستمر حتى الخامس عشر من الشهر الحالي في قاعة (جاكراندا) بشارع الرينبو - (تصوير: محمد مغايضة)

منى أبو صبح

عمان- (الجدار الذي هناك... أراه كل يوم.. أراه حولي.. وأحيانا لا أراه... أراه في طريقي.. في مصيري.. في عصياني.. وأحيانا في امتناني.. أراه عند المعابر.. عند حراس حودي.. وأحيانا لا أراه... أين أنت؟... أين بقاياك؟.. أين رنينك؟).
تلك بعض من أبيات قصيدة صغيرة استلهم الفنان العراقي التشكيلي سينا عطا كلماتها من الواقع الأليم المعاش في إحدى مدن فلسطين (بيت لحم) أثناء استضافته من قبل كلية دار الكلمة الجامعية للفنون والثقافة خلال فصل شتاء 2014 ليعمل ويدرس ويتبادل خبراته الفنية مع طلبة الكلية الجامعية.
هذه اللوحة الشعرية إحدى لوحات الفنان المشاركة في معرض (بيت لحم: المدينة.. الناس.. الحائط) الذي افتتح في الخامس والعشرين من آذار (مارس) الماضي ويستمر لغاية الخامس عشر من الشهر الحالي في قاعة (جاكراندا) القائمة في شارع الرينبو.
معرض عطا جمع بين فن التصوير الفوتوغرافي والرسم بـ(26 لوحة فوتوغرافية)، و(7 لوحات رسم) وبأحجام مختلفة، تناولت مواضيع تجسد معاناة الناس الذين يعيشون في المدينة المسورة، وذلك باستخدام ممارسته الفنية تعبيرا عن تجربة شخصية في كتابة التصوير واللوحات.
وثق سينا خلال زيارته بيت لحم لأشهر عدة الخبرة والملاحظات من حياة الناس وبيئتهم وتعاملهم مع (الجدار)، بدون استديو للرسم والتصوير.
في صور سينا تفاصيل دقيقة (للجدار) في معرضه الذي أعد لوحاته لدى عودته إلى عمان، ورسم رسائل تخص المدينة وتعبر عن مأساة الشعب الفلسطيني وآماله، وتصور بالمقابل الوجه القبيح للاحتلال الذي قطع أوصال الحياة وفصل بين الأهل والأرض، وجعل كل قطعة فيها عبارة عن كيان مستقل، له نظام محدد.
قطع حديدية صغيرة صفت بجانب بعضها بعضا هي لوحة أخرى (للجدار) تمثل أحداث ووقائع متعددة تدور حول وخلف هذا (الجدار). ولوحة أخرى نقلت رسومات وصورا لشهداء فلسطين الأبرار الكثر.
يقول سينا “هذا المعرض ينقل انطباعي عن المدينة والناس والحائط في بيت لحم، وهو امتداد لأعمالي التي لها علاقة بالواقع الأليم (السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي)، في غياب العدالة والمساواة، فهذه المشاهد  تؤثر بي، ولا أستطيع تجاهلها”.
ويضيف “أعتقد أن المفتاح الرئيسي لأي عمل فني يصل من خلال الأداء الفني المحكم، فتصل الفترة بشكل واضح، وهذه الصور واللوحات تحكمها العزلة كونه (جدارا)، كما أن عملية الفن لها أبعاد، والوضوح ليس دائما موجودا، كما أن الغموض غير مقصود، ولكن هناك مواضيع لا تحتمل سوى الغوض في التعبير، خصوصا في الأوضاع السياسية والاجتماعية”.
سينا فخور بتجربته هذه، ولا يمكنه نسيانها، حسب قوله، ويصفها بأنها متعبة كونها محاطة بأشخاص لديهم قصص كثيرة (الطالب لديه قصة، الأستاذ يروي حادثة مفجعة، سائق التاكسي يخبرك بتفاصيل هدم الأبنية، صاحب المتجر في جعبته العديد من المآسي يمكن معرفتها بمجرد السؤال عن بيت أو حي أو شخص ما) جميعها تفاصيل إنسانية أراد سينا نقلها لعمان.
استطاع سينا نقل (بيت لحم) في معرضه وجدارها العازل، شعبها (الحاضر والماضي)، شباب وفتيات يجسدون معاناتهم ويحملون لافتات كتب عليها (أنا فلسطيني) تظهر التحدي وتأكيد الهوية الفلسطينية، رغم المفارقات في لغة المحتل، إلى جانب الصور العالقة بالأذهان والحفاظ على ذكريات لأشخاص عزيزين رحلوا.
كانت تجربة عاطفية للعطاء الذي تم العثور عليها لبقائه النفسي، دفعته لبناء جدران من تلقاء نفسه.
أراد سينا تحقيق الاستكشافية مع عمله، إلى جانب التعليق الاجتماعي المعاصر وأيضا احترام الماضي في هذا المعرض.
رسومات سينا (للجدار) نقلت حكايات الحواجز بالخط واللون، وقدم مشاهد يومية من الألم والعذاب الممزوجين بالتحدي وروح المقاومة، والإرادة والعزة والصبر لدى كل فلسطيني يمر أو يقف أمام تلك الحواجز.
جاء اختيار سينا لتلك الحواجز باعتبارها رمزا مثقلا بالمعاني، فهو يحرم الفلسطيني من حرية التنقل والحركة، وبما أن الفنان لا يعيش في كوكب آخر، فقد أراد أن يوثق ويؤرخ هذه اللحظات المؤلمة، على سطوح الحواجز الإسمنتية بلوحات تحمل أبعادا تعبيرية وواقعية تحت تأثير الواقع المؤلم الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني.
ويذكر أن الفنان سينا عطا ولد في نيويورك لأبوين عراقيين، أقام معارض في كل من بغداد، عمان، البحرين، دبي، وشارك في عدد من المعارض الجماعية في عدد من البلدان العربية وفي أميركا وبريطانيا. وبعد أن أنهى دراسته الجامعية في الهندسة في بغداد، انتقل لدراسة إدارة الأبنية في لندن، ثم عاد إلى بغداد إبان الحرب العراقية الإيرانية، ليتجه إلى الرسم كعلاج للحالة التي عاشها في بغداد، ولكن سرعان ما تحول هذا إلى شغف، والآن يعيش سينا في عمان ويشارك في العديد من المعارض.

muna.abusubeh@alghad.jo

التعليق