أسباب وجيهة لانضمام تركيا إلى أوروبا

تم نشره في الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً

فولكان بوزكير*

أنقرة - تجتاح الأزمات الجوار الرقيب المحيط بتركيا. فإلى الشرق منها، هناك عدم الاستقرار السياسي، والحرب الأهلية، والإرهاب، في حين يكافح جيرانها في الغرب في محاولة لاستعادة قوتهم المالية في أعقاب انهيار اقتصادي يكاد يماثل أزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين. وفي خضم كل هذه الاضطرابات، تمثل تركيا جزيرة للسلام، والديمقراطية، والأمن، والاستقرار -وهو ما يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يضعه في الحسبان عندما ينظر في الشلل الحالي الذي أصاب محادثات الانضمام.
على مدى العقد الماضي، أشرفت الحكومة التركية على تحول اجتماعي واقتصادي، انتقل بفضله الملايين من الأتراك إلى الطبقة المتوسطة. والواقع أن تقريراً حديثاً للبنك الدولي، والذي يسلط الضوء على النمو المضطرد الذي وضع تركيا على أعتاب وضع الدولة ذات الدخل المرتفع، يصف التقدم الذي حققته البلاد بالشمولية من الناحية الاجتماعية: فقد انخفض معدل الفقر بما يتجاوز النصف، كما توسعت القدرة على الحصول على التعليم والصحة والخدمات البلدية عالية الجودة.
لقد نجح اقتصاد تركيا في خلق أربعة ملايين وظيفة جديدة منذ العام 2009، والكثير من هذه الوظائف تتطلب عاملين من ذوي المهارة العالية. وأدى ذلك إلى تضييق الفجوات التي كانت قائمة في جودة الخدمات الصحية والتعليم بشكل ملموس، سواء في داخل تركيا أو بينها وبين غيرها من البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
علاوة على ذلك، كانت تركيا بين البلدان الأسرع تحسناً في ما يتصل بجودة البنية الأساسية، بما في ذلك النقل، والاتصالات، والطاقة. وخلال أزمة العام 2008 المالية العالمية، كانت تركيا هي الدولة الوحيدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي لم تكن في حاجة إلى ضخ أي أموال عامة في بنوكها.
كما بذلت تركيا جهوداً حثيثة لتعزيز الديمقراطية من خلال توسيع نطاق الحريات والحقوق المدنية. وعلى مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، تبنت تركيا أكثر من 2000 تشريع جديد بهدف الوصول إلى معايير الاتحاد الأوروبي في مجالات مختلفة. ونظراً للحرائق العديدة المشتعلة حول تركيا، فقد تحقق هذا مع التركيز على إيجاد التوازن الصحيح بين متطلبات الحرية والأمن.
في العقود الأخيرة، نفذت تركيا إصلاحات شاملة تغطي نطاقاً واسعاً من القضايا، من العلاقات المدنية العسكرية إلى حقوق الأقليات. وبشكل خاص، اتخذت تركيا خطوات جريئة تهدف إلى تحقيق التسوية السلمية للقضية الكردية التي ظلت تشكل مصدراً للانزعاج لعقود من الزمان. ومما لا يمكن إنكاره أن عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لعبت دوراً كبيراً في تحفيز هذا التحول.
ولكن، ورغم خطواتها الجريئة، فإن تركيا تتعرض للانتقاد بشكل متكرر وغير عادل، وخاصة في ما يتصل بحرية الإعلام؛ إذ تزعم لجنة حماية الصحفيين أن هناك سبعة صحفيين زُجّ بهم في السجن في تركيا. ولكن اثنين منهم يتمتعان بحريتهم مسبقاً. وعندما يتم بحث الحالات الخمس المتبقية بشكل فردي، فسوف يتبين لنا أنهم جميعاً لم يسجنوا بسبب أنشطتهم الصحفية أو تعبيرهم عن وجهات نظر معارضة.
إنهم يواجهون مجموعة من الاتهامات الجنائية، بما في ذلك القتل بسلاح ناري، وسرقة بنك، وتفجير أقسام للشرطة. وكما هو الحال في الديمقراطيات، حيث الغَلَبة لسيادة القانون، لا يُمنَح لأهل مهنة بعينها، بما في ذلك الصحفيين، أي شكل من أشكال الحصانة من هذه الأنواع من الاتهامات الجنائية الخطيرة.
إن مواد الدستور والقوانين التركية تضمن حرية التعبير والصحافة. وعلى مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية، أثبتت الحكومة التركية كونها الضامن الرئيسي لحرية التعبير، وخاصة من خلال إصلاح النظام القضائي.
من الجدير بالذِكر فضلاً عن ذلك أن أكثر من 7000 صحيفة ومجلة تنشر في تركيا، ويبلغ مجموع توزيعها اليومي نحو 5 ملايين نسخة تقريباً. وتميل نحو أربع من الصحف الخمسة الأكثر انتشاراً في البلاد إلى تفضيل المعارضة على الحكومة. وهناك ما يقرب من ثلثي الأعمدة في الصحف، والتي تعارض سياسات الحكومة على أساسي منتظم، وفي كل مساء تبث 18 قناة تلفزيونية وطنية في تركيا طيفاً واسعاً من الخيارات من نحو مائة من ضيوف البرامج الحوارية.
نظراً لحرية وحيوية الحوار اليومي في تركيا، فإن الادعاءات بارتفاع السلطوية لا أساس لها من الصحة. ولا يوجد ببساطة شكل معقول من الحديث حول الجهود التي تبذلها البلاد لاستيفاء الشروط السياسية لمعايير كوبنهاغن لعضوية الاتحاد الأوروبي: الالتزام بالديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان واحترام الأقليات وحمايتها.
إن العديد من نقاط التحول الرئيسية في السنوات الماضية -من الهجمات على الولايات المتحدة في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، إلى الأزمة المالية العالمية والربيع العربي- خدمت في تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ففي منطقة حيث الدول ذات أغلبية مسلمة، أثبتت تركيا كونها الدولة الوحيدة القادرة على الحفاظ على الديمقراطية الحقيقية وتعزيزها. ولا يجوز الاستخفاف بالمثال التركي في هذا الصدد.
من الواضح أن تركيا تشكل دولة مهمة بالنسبة للاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بتأمين الاستقرار والازدهار في جواره المباشر. ومع ذلك، فإن مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وصلت إلى طريق مسدود، بسبب المواقف السياسية السائدة في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي.
إن تركيا على استعداد لفتح المفاوضات بشأن أي فصل في محادثات الانضمام، وفي أي وقت. لكنه لم يتم تحقيق أي تقدم، حتى في المناطق التي تبرز فيها مصالح الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر -مثل الفصل الثالث والعشرين الذي يتعامل مع القضاء والحقوق الأساسية، والفصل الرابع والعشرين الذي يتعامل مع العدالة والحرية والأمن. ولا يعود ذلك إلى رفض تركيا تبني المعايير التي يطالب بها هذان الفصلان، بل لأن قِلة من الحكومات الأوروبية، تتعمد لأسباب سياسية داخلية خاصة بها عرقلة المفاوضات من جانب واحد.
سوف يكون من الحكمة أن يعمل أصدقاء تركيا في أوروبا على تسهيل عملية الانضمام. ففي نهاية المطاف، سوف تعمل عضوية تركيا المحتملة على تغيير ديناميات الاتحاد الأوروبي والمنطقة إلى الأفضل.

*فولكان بوزكير: وزير شؤون الاتحاد الأوروبي في تركيا، وكبير المفاوضين في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال مليء بالمغالطات (مواطن اوروبي)

    الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2015.
    هناك كلام كثير في المقال عن الديموقراطية وحقوق الأقليات ، وهذا ادعاء كاذب ، فالاكراد والعلويين والأقلية المسيحية لا تتمتع بالحقوق الاساسية ، ومن ثم دور تركيا في ضخ الآلاف من الجهاديين في سوريا والاصرار على ان تركيا لن تحارب داعش والنصرة وأخواتهما الا بعد سقط الاسد ، ان تركيا بانحيازها للحركات الجهادية وإصرارها على مؤازرة الاخوان في مصر تعلم جيدا ان هذه الأيدلوجيات الاخوانية هي ام الحركات السلفية والتطرف ،
    ان الشعوب الأوروبية لن تقبل باردوغان المخادع والسلطنة العثمانية التي يسعى لاحيائها ، ولن تدخل تركيا الى الاتحاد الأوربي الا اذا ذهب اردوغان وأصبحت تركيا دولة مدنية وعلمانية ، مكان الدين في اوروبا هو امر شخصي وليس نظام حكم ثيوقراطي سلفي مبطن