جمانة غنيمات

نسرين الشاهدة على وحشيتنا

تم نشره في الجمعة 17 نيسان / أبريل 2015. 11:09 مـساءً

منذ عقد ونصف العقد، ترتكب عائلة نسرين جريمتها بصمت، من دون خشية أو حساب لعقوبة.
الجرم كان أمام ناظر المجتمع والجيران والأقارب، بعد أن حكمت أسرة نسرين عليها بالسجن، وقرّرت ربطها بشبك النافذة. أما المبرر السخيف لذلك، فهو منعها من الخروج من المنزل.
في حالة نسرين تحديداً، ليس الخجل من إعاقتها العقلية هو ما دفع بالأسرة إلى ارتكاب هذه الجريمة بحق الفتاة، كما يحدث بالعادة؛ إذ تحاول أسر إخفاء أفرادها المعوقين خشية مما تظنه عارا اجتماعياً. فلو كان الأمر كذلك في حالة نسرين، لقُيّدت في مكان لا تراها فيها عين، ولا تسمع أنينها أذن.
وإذ يغيب دافع الخجل والعيب تفسيرا لهذا السلوك الشاذ، فلا يبقى بالتالي إلا افتقاد الحس الإنساني والشعور الطبيعي الذي يتملك الإنسان السوي في التعامل مع هذه الفئة الضعيفة المستضعفة، والتي ما بيدها حيلة لرفع الظلم عن نفسها.
في مجتمعنا، ثمة أسر كثيرة تخجل من وجود معاق بين أفرادها، فيكون الشعور بالذنب هو المسيطر على كثير من أربابها. لكنْ، وبصراحة، لا أدري ما هو الذنب الذي ارتكبه الإنسان المعوق بأن ولد "ناقصا" عقليا أو جسديا!
ربما لا يدرك من يتعامل مع أصحاب الإعاقات بهذا الشكل، أنه هو ذاته من يعاني من إعاقة نفسية كبيرة، تجعله فاقدا للضمير، وليكونَ بالنتيجة مجرما؛ مشاكله النفسية أخطر على المجتمع من شخص ذي إعاقة ظاهرة لم تصبه لذنب اقترفه، وبحيث يتعامل هذا المجرم غير المعلن مع ابنته أو ابنه بلا قلب، ودونما أدنى إحساس.
تتعاظم المشكلة في ظل ضعف المؤسسات الرسمية المعنية بمتابعة شؤون هذه الفئة منذ ولادة أفرادها؛ بحيث تتوفر العناية للمصابين، كما الرقابة على أولياء أمورهم، مبكراً جداً، لاسيما في حالة الأسر التي لا تقدر على تقديم ما هو مطلوب بحده الأدنى لضمان عدم امتهان كرامة المعوقين.
الأخطر طبعاً أن المجرم لا يشعر بخطئه، ولا يدري أنّ فعله المشين يكشف وجه المجتمع البشع الذي يعبّر عنه الأب الذي فقد قلبه وشعوره. فالوالد "المجرم"، ومن حيث لا يدري، يهين كرامته هو ابتداء، وكرامة كل إنسان طبيعي.
المشكلة تتفاقم لأن التواطؤ عام، إلا من رحم ربي. والسكوت عن المحظور مقبول، طالما أن المعاق أو المعاقة مصدر عار للعائلة، فيكون السعي إلى دفن هذا "العار"، بالتالي، ليس عيبا ولا مداناً!
في البال ما تزال قصة مراكز العناية بذوي الاحتياجات الخاصة شاهدا على وحشيتنا، وحتى ظلم ذوي القربى. وكثيراً ما سمعنا قصصا ولربما شاهدنا المعاملة السيئة التي تتعرض لها هذه الشريحة في مجتمع يحكمه "الحلال والحرام"، لكن يزداد فيه العنف الواقع على هؤلاء، فقط لأنهم بلا حول ولا قوة.
هنا تلزم العودة إلى القصور الرسمي في حماية هذه الفئة؛ بتوفير المراكز الخاصة بهم، وتطبيق أقسى العقوبات بحق كل من يتطاول على إنسانيتهم. فهؤلاء الضعفاء بالتحديد مسيّرون، لا يدرون ما يحل بهم، ولاسيما الظلم الذي يقع عليهم من أقرب الناس إليهم.
المطلوب وضع قاعدة بيانات رسمية لهذه الشريحة منذ ولادة المعاق، وتوفير سجل رسمي يتضمن عدد الحالات وواقعها الاجتماعي. ويكون الدور الرسمي بمتابعة هذه الحالات والعناية بها، وتقديم العون اللازم، وفقا للحالة الاقتصادية للأسرة. وفي المقابل، يجب عدم التهاون مع كل من يؤذي ذوي الاحتياجات الخاصة، بإيقاع أقسى العقوبات عليه.
عقل نسرين الذي قدر الله وحده أن لا يكتمل، جعلها لا تُدرك أي جرائم تُرتكب بحقها. لكن ماذا يقول أصحاب العقول التي يُفترض أنها "كاملة" لأنفسهم، وهم يشهدون الجريمة في كل مرة، بل يشاركون في ارتكابها بدم بارد عبر صمتهم وتواطئهم؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مشكلة ثقافة (محمد مومني)

    السبت 18 نيسان / أبريل 2015.
    المشكلة اساسها عدم احترام انسانية الانسان المتأصل في ثقافتنا التي ورثناها منذ تشريع العبودية والسبي ولذلك القبول الاجتماعي لكل الممارسات التمييزية ضد فئات في المجتمع سواء كانت هذه الفئات هي النساء او المعاقين او الاقليات الدينية والاجتماعية
  • »haddadjf@gmail.com (F Haddad)

    السبت 18 نيسان / أبريل 2015.
    شكرا على المقالة الرائعة وعلى ضميرك المتيقظ لهؤلاء المساكين اللذين لا حول لهم ولا قوة.