نضال منصور

خريف الصحافة الورقية في الأردن

تم نشره في السبت 18 نيسان / أبريل 2015. 11:02 مـساءً

في سابقة للمرة الثانية تقرر جريدة الرأي حجب أخبار حكومة عبدالله النسور وتصعّد من لهجتها النقدية ضدها. يتزامن هذا الاحتجاج من جريدة الرأي المملوك معظم أسهمها لمؤسسة الضمان الاجتماعي مع أزمة مالية طاحنة تعيشها جريدة الدستور الأقدم في الأردن، فهي لم تستطع منذ أشهر تسديد الرواتب للعاملين فيها، ولم تفلح الكثير من الإضرابات والاحتجاجات في إلزام إدارة الجريدة بالإيفاء بالتزاماتها بدفع أجور وحقوق الموظفين.
وفي المشهد قبل أكثر من عام كانت أزمة جريدة العرب اليوم التي توقفت عن الصدور واعتصم العاملون بها ليالي طويلة احتجاجاً لأخذ حقوقهم، ولجأوا للمحاكم في نهاية المطاف ومايزالون ينتظرون، في حين عادت الجريدة للصدور بكادر قليل جداً وماتزال رغم ذلك تعيش أزمة مالية.
أزمة الصحافة الورقية اليومية تذكّر بأزمة احتضار الصحافة الأسبوعية التي وئدت ولم يكن لها بواكٍ، على الرغم من ريادتها في رفع سقف الحريات بعد إلغاء الأحكام العرفية وعودة الحياة البرلمانية، وكانت الأكثر جرأة في نقد الحكومات حتى بداية اختفاء غالبيتها مع نهاية عام 2010 والنزوح للمواقع الإلكترونية.
الصحافة تتهم الحكومة بأنها وراء الأزمة التي تمر بها، وبأنها أي الحكومة أدارت ظهرها للصحف اليومية وطلبت منها أن تخلّع شوكها بيدها، في حين كانت الصحف اليومية ولعقود طويلة ذراع الحكومة وصوتها، وهي اليوم تتعامل معها باعتبارها شركات تتبع للقطاع الخاص، وتخضع لقانون الربح والخسارة، ولا يجوز أن تتدخل بها وتنقذها بعد أن ظلت في حقيقة الأمر حديقة خلفية لها.
الأمر المؤكد أن أزمة الصحف اليومية مفتوحة على كل الاحتمالات، والتساؤل المطروح هل التصورات التي قدمتها لجنة التوجيه الوطني بالبرلمان تستطيع أن تؤمّن لصحيفة مثل الدستور أن تفلت من شبح الإغلاق؟
البرلمان طلب من الحكومة تجميد الجمارك على مدخلات الإنتاج وكذلك الضريبة على الإعلانات، ورفع سعر الإعلان الحكومي وزيادة الاشتراكات بالصحف.
كل هذه الخطوات إن تحققت إيجابية ومفيدة وتحسّن موارد الصحف، ولكن باعتقادي الشخصي لا تنقذ الصحف من أزمتها طويلاً، فالأمر أكثر تعقيداً، وهو مرتبط بأزمة بنيوية داخل غالبية الصحف التي لم تطور أدواتها في جلب الإعلان والتسويق، ولم تقدم منتجاً صحفياً بصورة جديدة في زمن ثورة الاتصالات والاستنكاف عن الورق، واللجوء الى صحافة الموبايل، واكتساح وسائل التواصل الاجتماعي.
والصحف تتجنب في نقاشات الأزمة الاقتراب من "تابو" كادر الموظفين الذي تضخم لأسباب متعددة أبرزها كان "التنفيع" والمحسوبيات على حساب الواقع والاحتراف المهني، ولا أحد يريد أن يرفع صوته منبهاً الى الخلل في البيت الداخلي.
أزمة الصحف حلقة متصلة، فضخ الأموال قد يحل مشاكل السيولة ويسهم في دفع الرواتب على المدى القصير، ولكن المشكلة مرشحة لتتجدد مرة أخرى وحينها لن تجدي الحلول "الترقيعية".
التفكير خارج الصندوق أكثر ما نحتاجه في أزمة الإعلام ككل، فاستقلالية الصحف لبّ المشكلة وحين تستعيدها بشكل حقيقي وليس في سياق الصراع والمناكفات نكون قد قطعنا خطوة على طريق الحل.
أكثر ما يثير الانتباه في أزمة الإعلام ما كشفه استطلاع رأي للصحفيين أجراه مركز حماية وحرية الصحفيين مؤخراً عن الأطراف الأكثر تأثيراً بالإعلام، وكانت النتائج متوقعة فقد حلت الحكومة والمؤسسات الرسمية في صدارة الجهات المؤثرة التي تتدخل بوسائل الإعلام، ولكن الطريف بالأمر أن الجمهور الذي تكتب له الصحف كان بذيل الأطراف المؤثرة بوسائل الإعلام، بالإضافة الى أن الصحافة لا تستمع كثيراً الى رأيه ولا توليه اهتماماً، ولذلك فإن بوصلة الحل أيضاً أن تتذكر الصحافة بأنها جاءت لتقدم خدمة عامة للناس.
الأيام القادمة صعبة على الصحف التي تواجه الأزمة، فهل ستنجو من العاصفة وتتغير قواعد اللعبة الإعلامية أم أن خريف الصحافة الورقية مستمر؟!
ما كان مستحيلاً صار ممكناً، فمن كان يتصور يوماً أن جريدة الرأي التي تعتبر صحيفة الحكومات تُحرّم نشر أخبارها، ومن كان يتوقع ان الجريدة التي تبيض ذهباً لمؤسسة الضمان الاجتماعي والمساهمين ستتعثر وتشكو من أزمة مالية ربما تستفحل في قادم الأيام إذا لم يتحركوا لوضع حلول جذرية لمشكلاتها؟!
إذن إنها أزمة مفتوحة لا يُعرف أين ستؤول نهاياتها، وفي هذه الأزمة لا يوجد منتصر، فإغلاق المنابر الإعلامية خسارة للمجتمع والدولة.

التعليق