"يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة"

تم نشره في الجمعة 24 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي*

إنه الإسلام كما أراده الله تعالى؛ شاملا كاملا، مفصِّلا أو مؤصِّلا للأحكام العقدية والاجتماعية والسياسية والتربوية والأخلاقية والدولية والرادعة. نظام مبني بعضه على عرى بعض؛ فلا يجدي التشريع ما لم يكن الاعتقاد، ولا ينفع الاعتقاد وحده من دون جوانب التشريع. ولا ينفع تطبيق جانب دون الجوانب الأخرى؛ لتنوّع شعب الحياة، ولعلاقة كل منها بالآخر. هكذا أراد الله تعالى الإسلام خاتما للديانات؛ أكمله سبحانه، وأتم به النعمة، ورضيه لنا: "... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا..." (المائدة، الآية 3).
يسيء كثيرون فهم الإسلام حين يصنفونه أو يصفونه بالإسلام السياسي، أو الإسلام المعتدل أو الوسطي؛ فهل يجوز أن نقول مثلا: الإسلام الاقتصادي أو الإسلام الاجتماعي؟! وهل يجوز أن نقول: الإسلام المتطرف؟! أو الإسلام الصوفي أو الإسلام الإخواني أو التحريري، أو السلفي أو التبليغي؟! إنه الإسلام الذي نزل على حبيبنا محمد، صلى الله عليه وسلم، المحفوظ بحفظ الله؛ حين حفظ القرآن وهو أساس هذا الدين ومرجعه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر، الآية 9). كما حفظ السُنّة التي هي الشارحة والمشرعة لبعض أحكام الدين، وذلك من خلال تسخير هذا الكم الكبير من العلماء الذين ميزوا بين صحيحها وضعيفها، وشرحوها.
إنه الإسلام المحفوظ نصا وروحا. والاختلاف منشؤه من عقولنا وأفهامنا. ولا يضير هذا ما دام الاختلاف محمودا بتنوعه وإثرائه، خاصة مدارس الاجتهاد الفقهي التي سخرها الله رحمة للأمة في استنباطاتها للأحكام؛ فكانت بتنوعها رحمة للأمة. ورحم الله الخليفة عمر بن عبدالعزيز حين قال: "لا يعجبني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لكان رأيا واحدا، ولشق ذلك على الناس". أما الاختلاف المردود، فهو المذموم المفرِّق للأمة، المبني على الهوى. وأخطر الاختلاف هو العقدي الذي قسم المسلمين إلى فرق؛ ضل بعضها وابتعد آخر. والحمد لله أن معظمها قد انتهى.
حتى الجماعات الإسلامية داخل إطار أهل السُنّة والجماعة لا يخيف وجودها، ما دامت محترمة لبعضها، مستشعرة أنها من المسلمين لا جماعة المسلمين، وحين يكون عقد ولائها وبرائها للإسلام لا للجماعة، وأروع صورها حين يستشعر أفرادها أن بعضهم يكمِّل بعضا، فيكون الحب والاحترام والتقدير للمسلم على أساس التزامه وتقواه، كما قال تعالى: "... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ..." (الحجرات، الآية 13).
إنه الإسلام الكامل الذي يأمرنا الله تعالى أن ندخل فيه، وعبر عنه بالسلم "... ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً..." (البقرة، الآية 208)، لأن الإسلام في حقيقته خضوع واستسلام. ويُجمع المفسرون على أن المقصود بالسلم هنا هو الإسلام؛ فالمطلوب هو الدخول في الإسلام كله، لا نبعِّضه ولا نقسمه ولا نمزّقه ولا نقزّمه. والعجيب أن الله تعالى قال بعد هذا الأمر ناهيا: "... وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" (البقرة، الآية 208). فهو تصريح بأن الشيطان يوسوس للإنسان في هذا التقسيم والتبعيض للإسلام، فيأخذ أحدنا بعضه ويترك بقيته؛ فهي الأهواء من جهة، وهي مكائد الشيطان من جهة أخرى. والله تعالى ذكر هنا "خطوات الشيطان"، لأن الشيطان أذكى من أن يدعو الإنسان إلى الضلال مرة واحدة، بل يجذبه خطوة خطوة؛ فهو لا يشعر بخطورة الوضع الجديد لأنه قريب من السابق، ولكنه مع مرور الزمن يكون قد قطع خطوات وأشواطا أبعدته عن جادة الطريق والصراط المستقيم. فهو الشيطان العدو المبين الذي أخبرنا الله عنه: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (فاطر، الآية 6).
إنه الإسلام بشموله؛ فلا يكمل إيماننا إلا بأخذه كله، بأداء أوامره سبحانه واجتناب نواهيه، وبتطبيق تشريعاته التي أنزلها الله هداية للناس وتكريما لهم. وكنت أقول لطلبتي في دليل شمولية الإسلام أن يفتحوا القرآن على أي موضع يريدونه، سيجدون شيئا عن الإيمان بالله أو اليوم الآخر أو بقية الأركان، وبعده شيئا عن الأخلاق، وبعده شيئا من التشريع بتنوعه؛ تارة في أمور الأسرة والعلاقات الزوجية والزواج والطلاق وأحكام المرأة والعورات والزينة، أو أمور عبادية في الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام، وتارة في أمور المال والتركات والوصية والربا والديْن والبيوع، أو أمور الجهاد والدعوة والعلاقات الدولية، أو أمور العقوبات على اختلاف أنواعها، من قصاص وحدود وتعزير، أو مسائل في الحكمة والقصص والحوار مع أهل الكتاب وغيرهم من الملحدين والمكذبين، أو مسائل متعلقة بالتربية وشؤون السلم والمعاهدات والحرب، وتقسيم الناس إلى معاهد وحربي.. وهكذا. فبالله عليكم، كل هذا التفصيل والبيان، هل أنزله الله تعالى ليكون في علاقة خاصة بين العبد وربه فيما يزعمه العلمانيون حين فصلوا بين الدين والحياة؟! أم أنه مجرد بركة يقرؤه المسلم على الموتى والمرضى طلبا للرحمة والشفاء؟! ما علاقة آيات التشريع كآية الديْن مثلا أن نقرأها على المريض؟!
إنهم أهل السذاجة هؤلاء الذين يقسمون الإسلام إلى سياسي وغير ذلك، ويتهمون أتباع هذه الأفكار بالبدعة والضلال لتبنيهم أفكارا سياسية؛ أصبح هؤلاء حريصين على الإسلام خائفين عليه من أن يكون فيه سياسة! وماذا تريدونه إذن؟ وبماذا تفسرون وجود النظام السياسي وتاريخ الخلفاء عبر الزمن؟ وما رأيكم في قيادة النبي، صلى الله عليه وسلم، للأمة والخلفاء من بعده؟ أليس هذا سياسة، أم أنهم مبتدعون؟! حري بهؤلاء أن يكفوا عن سذاجتهم؛ فالإسلام دين متكامل شامل، وهو يشكو من بعض أتباعه كما يشكو من أعدائه. فبعض أتباعه حين يسيئون فهمه أو تطبيقه، هم أشد عليه من أعدائه. والمطلوب حسن الفهم والأداء معا.

*أكاديمي أردني

التعليق