رغم كل شيء لدينا مخترعون

تم نشره في الجمعة 24 نيسان / أبريل 2015. 11:03 مـساءً

أحيا فلسطينيو 48، في الأسبوع المنتهي، الذكرى الـ67 لنكبة شعبهم. وهذا ليس خروجا عن المألوف في منتصف أيار (مايو) المقبل، وإنما يعكس حالة التحدي الاستثنائية التي يعيشونها تحت حكم الاستبداد الإسرائيلي. فهم يصرون على أن يكون إحياء النكبة في نفس اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل "ذكرى قيامها"، ومن ثم جاء الشعار: "يوم استقلالهم يوم نكبتنا".
فحقيقة أننا بقينا في الوطن، لم تعنِ لنا في أي وقت من الأوقات، أن المأساة انتهت، بل هي مستمرة. والنكبة من حيث الجوهر، قائمة حتى يومنا هذا، ولكنها تأخذ أشكالا كثيرة. أولها، تضييق مجالات الحياة إلى حد الخنق، بهدف الدفع إلى الرحيل. وإن لم ينفع، فعلى الأقل زرع اليأس في نفوس الأجيال الناشئة، لدفعها إلى البحث عن آفاق حياتها خارج حدود الوطن. ونحن على مدى ستة عقود ونيف محاصرون. وكنا على مدى ما يقارب خمسة عقود، في حالة شبه عزلة تامة عن محيطنا الإقليمي. وفي أحيان كثيرة، كان الحصار مزدوجا، يوم أن رأى من رأى، أن التواصل معنا هو نوع من التطبيع.
رغم كل شيء، نجحنا في البقاء. وهذا ليس مجرد إنجاز، وليس أمرا مفروغا منه. فلو غضضنا النظر للحظة عن المؤامرة المستمرة، أو جانب منها، لوجدنا أنفسنا عائدين إلى مربع الطرد والتهجير. ولهذا، فإن شرط البقاء هو أن تعرف كيف تحافظ عليه وتطوره. وأمام واقع الظروف المعيشية القاسية، فإن كل ذرةِ تقدّم تعدّ في قاموسنا إنجازا.
في الأيام الأخيرة، كنت أمام نبأ علمي مثير، يرى فيه أصحابه نبأ عاديا يمثل استمرارا لمسيرتهم العلمية الرائدة. ففي السنوات الأخيرة، سطع لدينا اسم البروفيسور حسام حايك، ابن الثلاثينيات من عمره، والذي اخترع "أنفا إلكترونيا" لاكتشاف الخلايا السرطانية. ولاقى الاكتشاف ضجة عالمية. ويرأس حايك منذ سنوات فريق أبحاث، ويتلقى دعما عالميا لتطوير البحث الذي يرى فيه عالم الطب تقدما كبيرا في الطريق لمحاربة هذا المرض الخبيث.
وجديد هذا الاختراع، بالنسبة لي، حينما أقرأ أن من بين أعضاء فريق الأبحاث الشاب هيثم اسكندر الذي عرفته فتى صغيرا، وعمل إلى جانب والده الصديق. وجديده، أنه طوّر وظيفة لهذا "الأنف"، تساعد على كشف الخلايا السرطانية في المعدة، حتى قبل أن تبدأ نشاطها؛ بمعنى ما قبل المرحلة المبكرة من نمو المرض، وذلك عن طريق الزفير.
لن أتحدث عن شعوري الخاص تجاه هذا الذي سيبقى في نظري "الفتى الصغير"، المليء حيوية ودماثة. فقد عرفت لاحقا من بروفيسور حايك، أن فريقه يضم باقة من الشابات والشبان العرب، الذين منهم من اجتاز مراحل علمية مهمة، وانخرط في معاهد أبحاث في العالم، كمسار ضروري، للتطور العلمي وجمع الخبرات.
تأملت في النبأ عن بُعد، وقلت إن العالم مليء بالاختراعات وفرق الأبحاث. وكل يوم تسمع عن اكتشاف واختراع وتقدم علمي وطبي. ولكن نبأ كهذا عندنا، نحن فلسطينيي 48، لا يمكن أن يكون نبأ عاديا، لأن هذا يعني بالنسبة لنا إنجازا من داخل الزنزانة.. من داخل الحصار.. ورغم سياسة تضييق الخناق وإغلاق الأبواب.
لا تستطيع المؤسسة الإسرائيلية أن تحسب هذا الاختراع لكيانها، لأنه تم عمليا بالرغم مما تفرزه سياستها العنصرية. وإن كانت إحدى الجامعات تضم هذا الفريق، فهذا ليس "كرم أخلاق زائدا"، وإنما بفضل قيمة الاختراع. ونستطيع القول جازمين، إن عقولا كثيرة عندنا لم تحظَ بفرصتها، ومنها من رأى مستقبله خارج حدود الوطن، ولكنه بقي معلقا به. والحال لا تسري على العلم فقط، بل أيضا على مجالات حياة وإبداع كثيرة، كالفن على أشكاله، وغيره.
جاء النبأ بالتزامن مع إحيائنا لذكرى النكبة، فاعتبرته -شخصيا- رسالة إلى تلك الحركة التي ندمت على عدم إنجاز مهمتها بالكامل، بتطهير فلسطين 48 كليا من أي فلسطيني. وأمام أجيال كهذه، وأمام الآلاف المؤلفة من الأجيال الشابة التي أحيت النكبة في ربوع الوطن، فإن الصهيونية تكون قلقة جدا، وهذا جيد.

التعليق