أطفال السكري.. معاناة حقيقية تفرضها كلف العلاج المرتفعة

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • أطفال السكري.. معاناة حقيقية تفرضها كلف العلاج المرتفعة-(تعبيرية)

منى أبوحمور

عمان - أطفال بعمر الزهور، أرهقهم وخز إبر الأنسولين التي أصبحت شريكة معهم في الحياة، يخشون أن تباغتهم غيبوبة السكر بين الحين والآخر. يرون السكاكر ويشتهونها وتبقى مجرد حلم في أذهانهم التي تتأمل الشفاء.
الطفل يحيى أحمد الصرايرة ذو السبعة أعوام، واحد من هؤلاء الأطفال الذي أصيب بمرض السكري من ثلاثة أعوام ويعاني من نوبات غيبوبة السكر بين الحين والآخر، يعيش حالة غير مستقرة، خصوصا وأن صغر سنه لا يساعده على تقييم وضعه ومعرفة ما إذا ارتفع السكري عنده أم انخفض.
أحمد الصرايرة والد يحيى، يروي قصة ابنه مع مرض السكري والألم يعتصر قلبه، مرددا "لو بإيدي أبيع كل ما أملك بدي أعالج ابني وأخليه يعيش طبيعي".
ويتابع أنه يبذل قصارى جهده لمتابعة وضع ابنه الصحي ومراقبة السكري عنده، من خلال متابعته للوجبات التي يتناولها طوال اليوم داخل البيت والمدرسة حتى لا يتعرض لغيبوبة سكر بشكل مفاجئ.
ويستهجن والد يحيى خلو المدارس من وحدة تمريض أو طبيب، لمتابعة الأطفال في مثل هذه الحالات، الأمر الذي يدفعه لأخذ مغادرة بشكل يومي للذهاب إلى المدرسة وإعطاء ابنه جرعة العلاج.
ويسرد الصرايرة التفاصيل الدقيقة لسيرة ابنه المرضية الذي لم يضق ذرعا يوما من علاجه وتأمين احتياجاته الدوائية كافة رغم التكلفة المادية، خصوصا مع ارتفاع أسعار أدوية السكري ومستلزمات العلاج.
ويستغرب من خضوع مستلزمات هذا المرض للضريبة والجمرك، الأمر الذي يعتبره عبئا على الموظف الذي لا يملك سوى راتبه الشهري، لاسيما بعد تأكيد طبيب يحيى حاجته لتركيب مضخة لتنظيم السكر في جسمه، إلا أن تركيبها يتطلب مبلغا كبيرا يفوق قدرته المالية.
وبدوره، يؤكد مستشار أول أطفال وغدد صماء الدكتور مجلي أحمد حسن، الذي يراقب حالة يحيى الصحية، حاجته لاستعمال مضخة الانسولين للسيطرة على مستوى السكر في الدم.
وبين مجلي، في التقرير الطبي الذي قدمه لـ"الغد"، معاناة يحيى من مرض السكري وحاجته لأخذ الانسولين ثلاث جرعات يوميا.
الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها معظم الناس وحساسية مرض السكري وخطورته تضع آلاف الأسر بين سندان المرض ومطرقة الكلف المادية التي أرهقت كاهل الأسر التي لا تدخر وسعا في التخفيف من آلام أبنائها الصغار.
ملك إبراهيم مصطفى (11 عاما) أصيبت بالسكري منذ عام تقريبا لوجود أجسام مضادة على البنكرياس، وفق والدها الذي أكد حاجتها إلى ثلاث إبر انسولين بشكل يومي.
ويضيف "أبذل كل ما بوسعي حتى لا تتعرض إلى غيبوبة سكر"؛ حيث يضع لها حمية غذائية خاصة يشرف عليها بنفسه، مؤكدا متابعته الحثيثة ووالدتها لوضعها الصحي.
حال ملك لا يختلف عن حال يحيى، فهي الأخرى بحاجة إلى مضخة لتنظيم السكري، لتتمكن أن تعيش حياة طبيعية، خصوصا وأن عيني والديها قد جافاهما النوم منذ أن أصابها المرض خوفا من أن يحدث لها مكروه.
نزول وزن طيبة فضل العضايلة (9 أعوام) المفاجئ وشربها للماء بشكل غير طبيعي، هو ما دفع والديها للذهاب إلى الطبيب، الذي بدوره أكد لهما إصابتها بمرض السكري وهي في الرابعة من عمرها.
طيبة كغيرها من الأطفال المصابين بالسكري، تحتاج إلى أخذ ثلاث إبر انسولين في اليوم، كما أنها تستهلك ما قيمته 25 دينارا من شرائح فحص السكري بشكل أسبوعي، الأمر الذي يشكل عبئا ماديا على والديها.
إصابة طيبة بنوبات غيبوبة السكر بشكل مفاجئ في الليل أثناء نومها، يزرع الخوف في قلب والديها ويعيشهما في توتر كبير، خصوصا وأنهما غير قادرين على شراء مضخة السكري التي تقوم بدورها بتنظيم السكري وتخليص ابنتهما من شبح الغيبوبة.
استشارية الغدد الصماء وسكري الأطفال الدكتورة سيما كلالدة، تشير بدورها إلى ازدياد نسبة المصابين بالسكري من النوع الأول كل سنة بمعدل 1-2 % لأسباب غير واضحة حتى هذا اليوم، مؤكدة أن هذه الزيادة تشمل الأطفال المصابين في الأردن.
ويقدر عدد الأطفال المصابين بالسكري بدراسة ميدانية أجرتها الكلالدة العام 2014 بسبعة آلاف طفل.
ويتطلب علاج هذا العدد من الأطفال، وفق كلالدة، توفر جميع العوامل التي تضمن ضبط نسبة السكر في الدم ومنع حدوث المضاعفات المترتبة على ذلك، الأمر الذي قد يؤثر سلبا على نوعية الحياة ويثقل كاهل الدولة والمصابين من تكاليف ومستلزمات باهظة الثمن وهي بالأغلب يمكن الوقاية منها.
وتبين بدورها أن علاج السكري يتمركز على ضرورة الفحص الدائم والمستمر للسكر عن طريق الفحص بشرائح السكري، التي لا بديل عنها في الوقت الحاضر، موضحة أن طفل السكري يحتاج لأن يفحص من 4-6 مرات يوميا وأحيانا أكثر، وذلك يتطلب 3-4 علب شرائح لمعظم المصابين، في حين أن المرضى الذين يعالجون بمضخة الانسولين بحاجة الى عدد مرات فحص أكثر.
وتتفق الكلالدة مع ذوي المرضى الذين يعانون من التكاليف الباهظة لعلاج أطفال السكري، الذين يحتاجون إلى علب شرائح الفحص باستمرار، لافتة إلى أن سعر علب الشرائح في السوق يتراوح بين 14 و25 دينارا، ويحتاج طفل السكري الى 3 علب على الأقل.
أما العامل الآخر المهم في ضبط السكر في الدم فهو نوع الانسولين وكيفية إعطائه، كما تقول كلالدة، فلكل مريض خصوصيته ولا يصح علاج جميع المرضى بنفس الأسلوب والعلاج.
وتخص كلالدة الأطفال من هم دون الخامسة من عمرهم، فلهم احتياجاتهم الخاصة ونمط غذائي مضطرب يحتم استعمال الأنواع الحديثة من الانسولين أو مضخة الانسولين.
وتردف "للأسف تبقى هذه العلاجات باهظة الثمن إلا على شريحة قليلة"، وهو ما يجبر العديد من الأهالي للجوء إلى الأنواع غير المناسبة لطفلهم وتفادي الفحص باستمرار لغلاء الشرائح، وبالنتيجة عدم انضباط السكر وحدوث المضاعفات التى يخشاها كل ولي أمر، لاسيما وأن نصف مرضى الكلى في الأردن هم مرضى سكري يكلفون الدولة ويتكلفون ولكن كان من الممكن تفادي هذه المآسي منذ البداية.
وتطالب كلالدة أن تعفى جميع مستلزمات السكري من شرائح وانسولين ومضخات من الجمارك والضرائب في جميع القطاعات سواء عامة أو خاصة وعدم اقتصارها على جهة واحدة، فمريض السكري من النوع الأول له الحرية في اختيار الجهة التي تعالجه والطبيب الذي يناسبه إن كان خاصا أو عاما.
وكان اختصاصي الغدد الصم والسكري الدكتور رشاد نصر، قد أشار إلى أن مرض السكري من النوع الأول هو اختلال مناعي يؤدي الى تدمير البنكرياس، وهو غير وراثي وهناك بعض الدراسات التي تشير الى أنه من نوع فيروسي.
وكشف نصر عن أفضل علاج للسكري من النوع الأول وهو مضخة الانسولين التي توفر الانسولين على مدى 24 ساعة ولمدة ثلاثة أيام وهي متوفرة في المملكة بحجمين وتعد العلاج الأنجع، لاسيما للأطفال السكريين كونها تساعد طفل السكري على التمتع بحياة عادية وطبيعية جدا، إضافة إلى أنها جهاز إنذار مبكر لحالة السكري وجرعات الانسولين وتحمي تماما من هبوط السكر وغيبوبة السكر.
ويؤكد نصر أن 25 % من حالات الإدخال للمستشفيات سببها نوبات هبوط السكر وعلاجه مكلف جدا وخطير، الأمر الذي قد يترك أثرا على الدماغ والأعصاب وأجهزة الجسم الأخرى، مشيرا إلى أن العناية بمرض السكري من البدايات تقلل مخاطر المضاعفات الناجمة عنه؛ حيث إن 50 % ممن يعانون من الفشل الكلوي هم من مرضى السكري.
ومن جهته، يسلط رئيس المركز الوطني للسكري والغدد الصم والوراثة الدكتور كامل العجلوني، الضوء على مشكلة الأطفال السكريين، مؤكدا ضرورة إعادة دراسة أوضاعهم ابتداء من العلاج مجانا.
ويقول "الأجدر أن لا نفكر في تأمين المضخة فحسب، بل أن نفكر في الكلف التشغيلية للمضخة"، لافتا إلى أن احتياجات طفل السكري ليست في الانسولين فحسب، وإنما في الفحوصات الدورية أيضا والشرائح وأجهزة الفحص التي تفوق بكلفها على المدى البعيد المضخة.
ويستهجن العجلوني إعفاء الأطفال المصابين بالسرطان والفشل الكلوي طبيا، في حين أن الأطفال السكريين غير مشمولين بالإعفاء رغم أن مرضهم لا يقل خطورة عن تلك الأمراض.
ويؤكد العجلوني، ومن موقع مسؤوليته في المركز الوطني، أنه مسؤول عن كل مريض سكري في هذا البلد، الأمر الذي يحتم عليه إعطاء إعفاء طفل السكري طبيا، كأولوية على المضخة التي تتطلب من الأهالي أن يكونوا على وعي تام في التعامل معها، مع ضمان إمكانية تصليحها وتوفير مستلزماتها الطبية.

muna.abuhammour@alghad.jo

@munaabuhammour

التعليق