عقيدة الجيش الإسرائيلي تتسبب في موت الأبرياء الفلسطينيين

تم نشره في الجمعة 8 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • فلسطينية وسط الركام الذي خلفه القصف الإسرائيلي لغزة الصيف الماضي - (أرشيفية)

رون زايدل* - (الإندبندنت) 5/5/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

شكل الصراع في قطاع غزة صيف العام 2014 الجولة الأكثر عنفاً وتدميراً من بين جولات القتال الذي خبرته غزة في السنوات الأخيرة. ووفقاً لأرقام الأمم المتحدة، فقد 2.205 من الفلسطينيين حياتهم في ذلك الصراع، وتضرر أو دمر 18.000 منزل في جميع أنحاء قطاع غزة، وترك القتال 108.000 فلسطيني بلا مأوى. ولم يكن هذا المستوى الذي لم يسبق له مثيل من الموت والدمار من قبيل الصدفة، ولا ينبغي أن يفاجئ أحداً -إنه نتيجة لتغيير متعمد تم إحداثه في السنوات الأخيرة في الطريقة التي يدير بها الجيش الإسرائيلي حروبه.
بدأ هذا التغيير في العام 2005، عندما نشر الأستاذ آسا كشير واللواء (احتياط) عاموس يادلين ورقة بعنوان "الأخلاقيات العسكرية لمكافحة الإرهاب: منظور إسرائيلي". وعرضت تلك الورقة منظوراً متغيراً بشكل جذري لالتزام الجيش الإسرائيلي بمبدأ تجنب إلحاق الأذى بالأرواح البريئة. وقد حددت الورقة "التسلسل الهرمي للأرواح" عند أربعة مستويات. وتأتي حياة المواطنين الإسرائيليين في ذلك الهرم أولاً، تليها حياة جنود جيش الدفاع الإسرائيلي. ثم تأتي حياة المدنيين من الأعداء بعدها، وحياة المقاتلين من الأعداء في قاع الهرم. ويقرر هذا التسلسل الهرمي أن واجب الجيش هو أن يفعل كل ما في وسعه لمنع وقوع الضرر بجنود جيش الدفاع الإسرائيلي، حتى لو كان ذلك سيسبب إضراراً محتملاً بحياة المدنيين الفلسطينيين الأبرياء في غزة.
هذه العقيدة هي التي شكلت مزاج عمل الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وأثرت على قواعد الاشتباك التي تلقاها الجنود الإسرائيليون في الصيف الماضي خلال عملية الجرف الواقي، كما هو مبين في أكثر من 60 من شهادات الجنود التي جمعتها منظمة "كسر الصمت". ووصف أحد الشهود قواعد الاشتباك على النحو الآتي: "التعليمات هي إطلاق النار على الفور. أياً يكن من تراه -سواء كان مسلحاً أو غير مسلح، وبغض النظر عن أي شيء. التعليمات واضحة جداً. أي شخص تواجهه، وتستطيع تراه بعينيك -أطلق عليه النار لتقتل. إنها تعليمات واضحة". وقد أعطيت تعليمات من هذا النوع للجنود من جميع الرتب.
ثمة عقيدة ثانية شكلت نهج الجيش الإسرائيلي خلال عملية الجرف الواقي، هي "عقيدة الضاحية" التي تبناها الجيش الإسرائيلي منذ حرب لبنان الثانية في العام 2006. وفي مقابلة أجريت معه في العام 2008، وصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي، غادي إيزنكوت (الذي كان حينذاك رئيس القيادة الشمالية للجيش)، وصف تلك العقيدة بصراحة: "ما حدث في الضاحية في بيروت في العام 2006 سيحدث في كل قرية يطلقون منها النار على إسرائيل. سوف نستخدم قدراً غير متناسب من القوة ونتسبب بضرر جماعي هائل ودمار شامل. بالقدر الذي يهمنا، هذه تشكل قواعد عسكرية". وفي سياق مشابه، يقول اللواء (احتياط) الدكتور غابرييل سيبوني: "عندما تندلع المواجهة المقبلة، سيتعين على جيش الدفاع الإسرائيلي أن يتصرف بسرعة، وبحزم، وبقوة غير مسبوقة ضد تهديد العدو وأعماله، من أجل إلحاق الضرر والعقاب، بمستويات تحتاج معها إعادة التأهيل إلى عمليات طويلة ومكلفة".
تماشياً مع هذا المنطق، شملت أعمال الجيش الإسرائيلي إلحاق الدمار الذي ليس له أي تناسب مع مستوى الخطر الحقيقي على القوات أو على المواطنين الإسرائيليين. وتم تصميم هذه الإجراءات لانتزاع ثمن باهظ ولزيادة قوة الردع الإسرائيلي ضد غزة. وعلى سبيل المثال، قدم أحد الجنود شهادة عن القصف العنيف الذي تم بعد أن بدأت القوات الإسرائيلية الانسحاب من غزة، عندما كان وقف لإطلاق النار على وشك دخول حيز التنفيذ: "بعد مغادرتنا، سمعت صوت انفجار. نظرت خلفي ورأيت قصفاً جوياً، وقالوا لنا: "نعم، سوف يكون هناك وقف لإطلاق النار، ولذلك نريد أن تكون لنا "الكلمة الأخيرة "قبل أن نغادر"".
هذه العقائد هي التي طبعت سلوك الجيش الإسرائيلي خلال جميع مراحل القتال في غزة. أما المبادئ التي كانت ذات مرة في الأساس من قانون جيش الدفاع الإسرائيلي لقواعد السلوك، مثل "طهارة السلاح" و"قيمة الحياة البشرية"، فقد تم التخلي عنها. تشير قواعد الاشتباك المتساهلة للغاية في الصيف الماضي إلى حدوث تغيير جوهري في القواعد التي توجه قتال جيش الدفاع الإسرائيلي، والذي بلغ ذروته خلال عملية الجرف الواقي. ووفقاً لكبار ضباط الجيش، فإن ذلك سوف يستمر في تشكيل نهج الجيش الاسرائيلي في الصراعات المستقبلية.
أعلن الجيش الإسرائيلي عن تشكيل فريق للتحقيق، والذي يكون مكلفاً بدراسة أي انحرافات عن بروتوكول الجيش الإسرائيلي خلال العملية العسكرية في غزة. وأثناء خدمتي العسكرية، تعرضت لآليات التحقيق التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي. وأنا الآن عضو في منظمة "كسر الصمت"، وهي المنظمة التي كانت تراقب سياسات الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ ما يقرب من 11 عاماً. وأنا أعلم أن تلك الآليات ليست قادرة على التحقيق في السياسة الأوسع التي توجه تصرفات الجيش الإسرائيلي. وفي أحسن الأحوال، سوف يتم تحميل المسؤولية لبعض الجنود الصغار فقط عن حوادث فردية معزولة.
لذلك، فإننا ندعو إلى إجراء تحقيق واسع وشامل للأحداث التي وقعت في غزة في صيف العام 2014. ويجب أن يقوم بإجراء هذا التحقيق كيان خارجي ومستقل، والذي يكون مخولاً بالتحقيق فى القيادة السياسية والعسكرية التي وضعت واعتمدت هذه السياسات -وليس في الجنود الذين قاموا بتنفيذها فقط.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: 'Any person you see – shoot to kill': The IDF doctrine which causes the death of innocent Palestinians
*خدم قناصاً في كتيبة ناحال في جيش الدفاع الإسرائيلي، وهو يعمل الآن باحثاً في منظمة "كسر الصمت".

التعليق