تقرير اقتصادي

أهو الكسب غير المشروع أو النمو في الصين؟

تم نشره في الأحد 10 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً

ياو يانج*

بكين- إن الحملة التي يقودها الرئيس الصيني شي جين بينج ضد الفساد، والتي أسقطت بالفعل العديد من كبار "النمور" في الحكومة، وُصِفَت على نطاق واسع بأنها عنصر أساسي في الإصلاحات البنيوية العميقة التي تحتاج إليها الصين إذا كانت راغبة في بناء اقتصاد أكثر استدامة وشمولاً واعتماداً على السوق. ولكن هناك مخاوف من أن يؤدي استئصال الفساد، في بلد حيث يلعب المسؤولون الحكوميون دوراً كبيراً في تعزيز النمو الاقتصادي، إلى تقويض الازدهار.
وقد استشهد البعض بالمشاق التي تواجهها في الآونة الأخيرة الفنادق والمطاعم الفاخرة (والمدعومة في الصين إلى حد كبير بالإنفاق الحكومي) كدليل على أن الحملة المناهضة للفساد تعمل على تثبيط النشاط المعزز للنمو. ولكن المرجح أن يكون هذا الانخفاض مؤقتاً مع ظهور عملاء جدد بعد فترة من التكيف.
والتخوف الأكثر جدية هو ما إذا كانت الجهود الرامية إلى اجتثاث الفساد قد تضعف الحافز لدى المسؤولين الحكوميين لتعزيز النمو. ذلك أن مستويات النمو العالية تترجم إلى مصدر كبير للريع، والذي يمكن توزيعه من خلال ممارسات الفساد على المسؤولين أنفسهم، فضلاً عن أصدقائهم ومحاسيبهم. والمنطق يقول إن القضاء على هذه الممارسات يعني عجز المسؤولين عن جني مكافآت كبيرة من النمو الاقتصادي -وبالتالي فإنهم يصبحون أقل حماساً لتشجيع النمو.
ولكن هذه الحجة ليست محكمة بأي حال من الأحوال. فبين الأشكال الأكثر شيوعاً للفساد هناك "بيع" الوظائف والمناصب الحكومية -وهي الممارسة التي لا علاقة لها بالنمو، وخاصة عندما يديرها ضباط كبار في الجيش، مثل جنرالات جيش التحرير الشعبي الذين ألقي القبض عليهم خلال حملة مقايضة الترقيات بالرشاوى.
وثمة مصدر آخر كبير للقلق، فإذا لم تعد الشركات قادرة على "تزييت العجلات" -رشوة المسؤولين للسماح لهم بالتحايل على الأنظمة المفرطة الصرامة- فإن أداءها قد يتراجع. والواقع أنه حتى بعد ثلاثين عاماً من الإصلاح، ما يزال اقتصاد الصين مقيداً بحبال الروتين، التي تسحب معها الإنتاجية لأسفل إلى حد كبير.
ولكن هذا المنطق أيضاً لا يخلو من ثغرات. والثغرة الأكثر أهمية هي أن هذه الرشوة لابد أن يمارسها نطاق واسع من الشركات حتى تكون كافية لتعزيز النمو الاقتصادي بأي درجة تُذكَر -وليس فقط على نطاق الأكثر ثراءً والأقوى نفوذاً بعلاقاتهم. بيد أن هذه ليست الحال اليوم؛ فأغلب المسؤولين الصينيين الذين اتهموا حتى الآن كانوا يتلقون الرشاوى من رجل أعمال واحد، الأمر الذي أتاح لعمله اكتساب مكانة الاحتكار.
لذا، ففي حين أن الرشوة في الصين ربما تسهل النمو إلى حد ما، فإنها لا تنتج ذلك النوع من بيئة الأعمال التنافسية التي تدعم المكاسب الطويلة الأمد. وحقيقة الأمر هي أن الفساد يفرض ضريبة كبيرة، وعشوائية غالبا، على الشركات، وخاصة بتثبيط المسؤولين ومنعهم من اختصار الروتين لصالح كل الشركات -وهي الخطوة التي كانت لتعمل على تعزيز النمو حقا.
والاستنتاج هنا واضح: فتكاليف الفساد تتجاوز كثيراً فوائده -وليس فقط في الصين. فمنذ الحرب العالمية الثانية حاولت العديد من الدول الانتقال من مستوى الدخل المنخفض إلى المرتفع، ولكن 13 دولة فقط نجحت في تحقيق هذه الغاية -وجميعها كانت تتسم بمستويات منخفضة من الفساد الرسمي.
ونظراً لهذا، فقد يتساءل المرء كيف تمكنت الصين من تحقيق هذا النمو المبهر على مدى السنوات العشرين الماضية، رغم الفساد المستشري. لعل الإجابة تكمن في "الحكم الانتقائي". فخلافاً للديمقراطية، حيث ينتخب المواطنون مسؤوليهم الحكوميين وفقاً لمعايير من اختيارهم، في الحكم الانتقائي في الصين يختار الحزب الشيوعي الصيني المسؤولين للترقية استناداً إلى قدرتهم على تحقيق الأهداف الرئيسية للحزب -وخاصة النمو.
لا شك أن العلاقات السياسية والولاء من العوامل المؤثرة على قرارات الترقية، وخاصة في المستويات العليا من الحكومة. ولكن كما لاحظ العالم السياسي المقيم في الولايات المتحدة بيير لودري وزملاؤه، فإن النمو الاقتصادي يشكل عنصراً أساسياً، وخاصة بين المسؤولين على مستوى المحافظات والبلديات، حيث يجري قدر كبير من الأنشطة المعززة للنمو -مثل الاستثمار في البنية الأساسية.
إن الترقيات تعطي المسؤولين حافزاً إيجابياً قوياً لتعزيز النمو. ولنتأمل هنا ليو تشي جيون وزير السكك الحديدية السابق، الذي دفع طفرة بناء السكك الحديدية العالية السرعة في الصين. كان حرصه على تحقيق الإنجازات المهنية -وخاصة رغبته في الترقية- سبباً في تحفيز مساهماته الكبيرة في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين.
ولكن ليو اشترك أيضاً في ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق للسلطة -بما في ذلك قبول أكثر من 10 ملايين دولار في هيئة رشاوى عندما ألقي القبض عليه في العام 2011- والتي أسفرت عن خسائر اقتصادية كبيرة تكبدتها الدولة. وينبغي للحكم (الموقوف التنفيذ) الصادر في حقه بالإعدام أن يساعد في ردع مسؤولين آخرين عن اختيار المسار نفسه.
إذا كان بوسع المسؤولين الفاسدين أن يقدموا مثل هذه المساهمات الكبيرة للنمو، فلنتخيل ماذا قد يتمكن المسؤولون الذين يحترمون القانون من تحقيقه من إنجاز. فكل ما يحتاجون إليه هو الحوافز القوية التي تحملهم على العمل الاستباقي النشط. وبهذا المعنى فإن "الحكم الانتقائي" في الصين، والذي يَعِد بترقية المسؤولين الذين يثبتون فعاليتهم في تعزيز النمو، قد يكون المفتاح إلى تفسير سجل الأداء الاقتصادي المبهر الذي حققته الصين.

*مدير مركز الصين للبحوث الاقتصادية، وعميد المدرسة الوطنية للتنمية في جامعة بكين.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق