اقتصاد سياسي إقليمي جديد: التحدي الذي يواجه الدول العربية

تم نشره في الأربعاء 20 أيار / مايو 2015. 11:00 مـساءً

د. باسم عوض الله*

ثمة تغييرات غير مسبوقة تجتاح منطقة الشرق الأوسط بوتيرة سريعة، لا يقتصر تأثيرها على تغيير الحدود الجغرافية لدول عربية يعود تاريخها إلى نهاية الحرب العالمية الأولى فحسب، وإنما تقوم أيضاً بإحداث تحولات في المشهد الاجتماعي والإنساني والسياسي والاقتصادي والأمني للمنطقة.
وبات في حكم المؤكد أن تساهم هذه المستجدات، في إنشاء اقتصاد سياسي جديد للمنطقة، سيحدد علاقتها المستقبلية مع القوى العالمية، خاصة في ضوء تبدل موازين القوى السياسية، وتراجع الأهمية الاقتصادية للمنطقة العربية على الصعيد العالمي.
 كما ستؤثر هذه التغييرات أيضاً على السبل المتبعة من قبل دول المنطقة في مواجهة التحديات التي تهدد بقاءها من ناحية، وتؤثر على قدرتها على تحقيق الطموحات المتزايدة لشعوبها، من ناحية أخرى.
إن نظرة سريعة على الظروف الاجتماعية والاقتصادية في العديد من الدول العربية، تظهر بوضوح أنها ما تزال تعاني من تخلف في التنمية الإنسانية، وفقر وبطالة مزمنة ومتزايدة، وفجوات متسعة بين الأغنياء والفقراء، إلى جانب الافتقار للحريات السياسية، وغياب الأجندات الإصلاحية، وضعف الالتزام بمبادئ الحكم الرشيد والمساءلة والشفافية والمشاركة السياسية الشاملة، كلها عوامل وفرت تربة خصبة لقيام ثورات شعبية في العديد من الدول العربية منذ العام 2011.
وقد أسفرت هذه الثورات عن تغيير النظام السياسي في عدد من الدول العربية، وأفضت إلى نشوب الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية في العديد من الدول الأخرى، نجم عنها خسارة مأساوية في الأرواح البشرية، وكثير من الألم والمعاناة الإنسانية، ونزوح وتهجير شامل ألمَّ بشعوب بأكملها، وضرر وتدمير هائلين لحقا بالبنية التحتية المادية.
وقد فقد مئات الآلاف من الناس أرواحهم في سورية والعراق واليمن وليبيا، وجُرح كثيرون آخرون. كما أسفرت أعمال العنف أيضاً عن هجرات قسرية واسعة النطاق، فقد تشرد أكثر من 5.4 مليون عراقي منذ العام 2003، وفقاً للإحصاءات الرسمية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وبلغ عدد اللاجئين السوريين حتى الآن ما يقرب من 4 ملايين لاجئ ( 2.2 مليون لاجئ مسجلين في لبنان والأردن والعراق ومصر، و1.7 مليون آخرين مسجلين في تركيا).
بالإضافة إلى ذلك، أنتجت هذه الصراعات خسائر اقتصادية هائلة، تصل قيمتها إلى أكثر من  900 مليار دولار أميركي.
فقد تراجع النمو الاقتصادي في الدول العربية من 5.9 % خلال الفترة 2005-2010، إلى 3.5 % خلال الفترة 2011-2014.
وكان التراجع أكثر حدة في سورية، حيث انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 5.1 % إلى 0 % (صفر في المائة) وفي لبنان، انخفض معدل النمو الاقتصادي من 6.9 % إلى 1.4 %، في حين شهد اليمن تراجعا في نموه الاقتصادي خلال هذه الفترة من 4.6 إلى 0.2 %. وفي سورية، يعيش 45 % من السكان تحت خط الفقر، في حين تشير التقديرات إلى أن معدل البطالة قد ارتفع إلى 39.4 %. وحتى في تونس، والتي يمكن وصفها بالوليد الأكثر تفاؤلا للربيع العربي، فقد ارتفع معدل البطالة فيها من 13.3 % في العام 2010 ليصل إلى 16 % في العام 2014.
كما أن لاقتصاد الصراعات أبعاداً أخرى أيضاً، والتي تشكل الأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية المادية واحداً منها. وكان حجم الدمار مذهلا، وهو يشمل الطرق والجسور والمدارس ومحطات توليد الكهرباء وإمدادات المياه.
ففي حين كانت المنطقة العربية تحتاج إلى استثمار في البنية التحتية بنحو 450 مليار دولار قبل الربيع العربي، ارتفع هذا المبلغ ليصل إلى أكثر من 700 مليار دولار حتى الآن. وبعد تدمير أكثر من 4000 مدرسة في سورية، قدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) تكلفة إعادة الإعمار بما يقارب 200 مليار دولار.
وعندما نستعرض خريطة العالم العربي، فسنجد أن الكارثة السياسية والإنسانية التي حلت بالمنطقة مذهلة حقاً، حيث تشهد ليبيا واليمن وسورية والعراق والسودان والصومال حروباً أهلية وطائفية، في حين تواجه كل من تونس، ومصر، ولبنان والبحرين إما صراعات سياسية داخلية، أو تمر بمرحلة تحول سياسي أو ركود سلبي.
 وقد ساهم ضعف السيطرة الأمنية على الحدود التي تفصل بين سورية والعراق، وسورية ولبنان، والسعودية واليمن، وليبيا ومصر، وليبيا وتونس، والجزائر ومالي، في سيطرة الجماعات الإرهابية الساعية إلى السلطة، على مناطق بكاملها، وعلى مساحات شاسعة عبر الحدود الجغرافية بين الدول.
ويأتي هذا كله على حساب نظام عربي سياسي واقتصادي واجتماعي متفكك. وقد عكس مؤتمر القمة العربية الذي عقد مؤخراً في شرم الشيخ هذا الواقع، حتى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حذّر القادة العرب في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر من أن الجامعة العربية أصبحت تحت خطر جدي بأن تصبح مجرد مجموعة من البلدان التي تشترك في نفس اللغة والتاريخ، ولكنها غير قادرة على التأثير في حاضرها، ناهيك عن صياغة مستقبلها.
وفي واقع الأمر، يتزايد استبدال الهويات القومية والإقليمية والوطنية الجامعة، بالهويات الفرعية الطائفية والمذهبية، كما كان الحال في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على الرغم من أن عدد السكان قد ازداد بمقدار عشرة أضعاف منذ تلك الفترة.
ومع وجود أكثر من 370 مليون عربي، غالبيتهم الساحقة تحت سن الثلاثين عاماً، تشهد الدول العربية صراعاً جيلياً من أجل الاندماج، حيث يتطلع الشباب إلى المشاركة والاستفادة من الفرص والقدرة على التحرك.
وسوف تواجه الحكومات العربية التي تسعى إلى توفير الرفاه لشعوبها قيوداً مالية كبيرة، خاصة في ضوء ما تعانيه هذه الدول من محدودية في الموارد وضعف القدرة على استيعاب العدد المتزايد من المتعلمين العاطلين عن العمل في القطاع العام.
وفي معظم الاقتصادات العربية، ظلت الدولة نمطياً هي الفاعل الاقتصادي الأكثر أهمية، والذي يتفوق على جميع القطاعات الإنتاجية الأخرى. وهذا هو التحدي الرئيسي الثاني للاقتصاد السياسي الإقليمي المتغير. إنه السؤال الذي سوف تضطر معظم الحكومات إلى مواجهته، وبالتحديد: كيف يمكن الاستمرار في تمويل كلفة النظام الريعي، في ضوء انخفاض أسعار النفط وتزايد طموح الأجيال الشابة في إرساء عقد اجتماعي جديد يمكن أن يحرك عجلة التحول الاقتصادي والاجتماعي – وهو الهدف الذي فشل في تحقيقه نموذج التنمية العربي الحالي.
وما تزال الاستراتيجية المؤسسية للتعامل مع الصدمات الاقتصادية والسياسية تعتمد حتى الآن على تأجيل وترحيل المشاكل والاكتفاء بالعلاقة الريعية المكلفة وغير القابلة للاستدامة.
ولكن هذا لن يكون ممكنا في المستقبل لتزايد تكلفة الحفاظ على هذا الاستقرار الآني.
ومن جهة أخرى، فإن المتابع للتطورات التي تشهدها المنطقة يلحظ وجود تغييرين رئيسيين آخرين في المنطقة العربية، أولهما تراجع أهمية الموارد النفطية في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة مع الاكتشافات الهائلة الجديدة للغاز الصخري الأميركي؛ والثاني يرتبط بالتحسن التدريجي المتوقع في العلاقات بين إيران والدول الغربية في أعقاب الاتفاق النووي، والذي سيساهم على الأرجح في التقليل من الأهمية الإستراتيجية لدول الخليج العربية في حسابات المصالح الأميركية وتزايد تلك المرتبطة بدول أخرى مثل تركيا وإيران.
فعند إعادة تحديد أولويات مصالحها الحيوية في المنطقة، فإن استقرار وأمن دول الخليج العربية، لن يحظى- في سلم أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة- بالمكانة الرفيعة التي كان يشغلها حتى الآن.
وسيضطر صناع السياسة الأميركية إلى الاعتراف بأنهم لن يستطيعوا الاستمرار في الاعتماد على شركاء وحلفاء في منطقة متفجرة سياسياً وأمنيا.
وإضافة إلى ذلك، ستصبح هذه التغييرات أكثر أهمية مع تزايد النفوذ الصيني عالميا، وهو الأمر الذي سيجبر الولايات المتحدة على الحد من انخراطها في الخارج.
ينبغي الاعتراف بأن هذا الاقتصاد السياسي سريع التغير، يثير العديد من الأسئلة حول مستقبل المنطقة.
والسؤال الأهم هو الذي يتعلق بكيف سيؤثر عدم الاستقرار في المنطقة على الأمن العالمي. ولكن الأمر المهم بنفس المقدار، وربما يكون أكثر خطورة، هو الكيفية التي سيستطيع من خلالها مئات الملايين من الشباب العربي من تحقيق تطلعاتهم وأحلامهم في ظل هذا المستقبل الاقتصادي السياسي المليء بالتحديات.
وتعتمد الإجابات على هذه التساؤلات على طبيعة مسارات العمل التي ستقرر هذه البلدان اتخاذها، وماهية الاستراتيجيات البديلة التي ستتبناها القيادات العربية في أعقاب هذه التحولات الكبيرة في النظام الدولي، ومستوى الاستعداد للاستفادة من المشهد الاقتصادي السياسي المتغير في تحقيق صحوة عربية حقيقية.
فهل ستقر القيادات العربية إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية وجدية؟ وهل ستنجح جهود الإصلاح في بناء تكتلات اقتصادية وتأسيس شراكات عربية، تكون بمثابة حاضنات لريادة الأعمال وخلق فرص العمل والنمو؟
لقد علمنا التاريخ أن قوة ومنعة واستدامة الدول تتطلب المرونة في مواقفها والسعي نحو التكيف مع المستجدات المحلية والعالمية. وسوف تكون الدول قوية فقط عندما تكون مرنة ومنفتحة وقادرة على مواكبة التغييرات في الوقت المناسب، وقد حان وقت العمل والتغيير ولم تعد الدول تملك رفاهية الانتظار.

* الرئيس التنفيذي لشركة "طموح" الاستشارية في دبي، الإمارات العربية المتحدة، والرئيس السابق للديوان الملكي الهاشمي. وهو وزير مالية سابق، ووزير سابق للتخطيط والتعاون الدولي.

التعليق