د. جاسم الشمري

قصة جسر الحياة أو الموت؟!

تم نشره في الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015. 12:03 صباحاً

"بزَيْبـِز" ليس اسماً لمعبر يفصل غزة عن الكيان الصهيوني، وإنما هو اسم لجسر على الفرات (27 كم غربي العراق)، يفصل عامرية الفلوجة عن بغداد. هذا الجسر الحديدي المتهالك، صار في لحظة من الزمن سفينة النجاة التي تقل المهاجرين الهاربين من الجحيم نحو "وادي الأمان". هذا الجسر الحديدي العتيق، الذي يقع تحت سيطرة القوات الحكومية، تكتب اليوم على صفائحه الحديدية قصة شعب يُهان في بلاده!
القصة بدأت قبل شهرين تقريباً، حينما بدأت العوائل الأنبارية بالنزوح نحو بغداد، على اعتبار أنها عاصمة وطنهم الذي طالما قاتلوا وضحوا من أجله منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن. وهنا كانت الفاجعة، أو المفاجأة!
الحكاية، ببساطة، أن القوات الأمنية المرابطة على الجسر، طلبت من الأهالي كفيلاً من داخل بغداد حتى يُسمح لهم بالدخول. وهذا الإجراء تم في المحافظات المجاورة للأنبار أيضاً. وهو ما أثار موجة من الغضب الشعبي في عموم الوطن؛ لأنه تقطيع لأواصر الأخوة والتآلف بين العراقيين، وتهديد للسلم المجتمعي الذي تحاول العديد من الأطراف الداخلية والخارجية -جاهدة- تدميره.
وهنا حاولت الحكومة امتصاص الغضب الشعبي، وأصدرت أوامرها للجيش بإلغاء هذا الشرط. إلا أن الحال ما تزال مستمرة منذ شهرين وحتى الآن، ولا ندري من القادر على إصدار الأوامر لهذه القوات: هل هي الحكومة، أم أطراف داخلية وخارجية أخرى؟!
على طرفي هذا معبر البائس، تقع اليوم مأساة حقيقية. وهناك مئات الصور من معاناة النازحين قرب "بزيبز"، يمكن نقل بعضها هنا:
- نتيجة الحر الشديد والجوع والإجهاد الذي أصاب النازحين، بعد افتراشهم الرمال في عامرية الفلوجة، قضى أكثر من عشرة أشخاص نحبهم؛ بينهم أطفال وشيوخ ومرضى. ومع الأسف، لم تكلف الحكومة ووزارة الصحة نفسيهما إرسال سيارات الإسعاف لهذا المعبر الذي يتواجد حوله أكثر من 15 ألف نازح، هربوا من جحيم المعارك الدائرة في عموم الأنبار!
- إهانة النازحين من قبل بعض الضباط والمراتب الذين يقفون على الجسر. إذ نقلت بعض مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لضابط برتبة عقيد، وهو يعتدي بالضرب، والسب، وإهانة النساء، والتلفظ بألفاظ نابية بحق النازحين المحتجزين منذ نحو أسبوع عند الجسر.
وهذه الجريمة أكدها رئيس مجلس عامرية الفلوجة شاكر محمود، الذي ذكر أن ضابطاً برتبة عقيد يدعى عباس -لم يذكر اسمه كاملاً- هو من اعتدى على المواطنين!
- بعض عناصر القوات الأمنية منعوا دخول الغذاء والدواء للمحتجزين بعامرية الفلوجة من بغداد، إلا بعد حصولهم على رِشى!
وبعد حكاية إذلال كاملة الأركان، يدخل من يجد كفيلاً، لتبدأ بعدها -لغالبيتهم- قصة عدم وجود مأوى؛ مما دفع الآلاف منهم للسكن في المساجد والجوامع، كبديل عن ترك الحكومة لهم يواجهون مصيرهم المجهول في بلادهم!
هذه الصور المؤلمة ارتكبت أيضاً في المحافظات المجاورة للأنبار، والتي اشترطت الكفيل لدخول النازحين إليها؛ لتسجل بذلك واحدة من أبشع صور الخزي والعار في التاريخ العراقي الحديث.
ومن حقنا أن نتساءل: أين دور الحكومة والبرلمان؟! وأين دور النواب الذين يمثلون المحافظات المنكوبة، في مواجهة هذه المآسي؟! ثم، لماذا تفتح الحدود العراقية للزائرين الإيرانيين من دون اشتراط طلب التأشيرة، وهم يدخلون يومياً بالآلاف، بينما يشترط على ابن البلد إحضار كفيل لدخول مدينة أخرى في وطنه؟! هل هذه سياسة راشدة تقود لرأب الصدع، أم هي سياسة ظالمة تدمر الوطن المبتلى؟!
لقد أبدع د. خالد الجابري، حينما أنشد قائلاً:
لا القلبُ يسهو ولا الأجْفان ترتاحُ
                        فاليوم أهلي عن الأنبار نُزاحُ
رامَت كفيلاً لهم بغدادُ إذ وصلوا
                       جسر البُزَيْبزِ فالأحلامُ أشباح
دارَ السلامِ أيا بغـدادُ قاسيةٌ
                          ما فاقها قسوة وحشٌ وسفّاحُ
أهلي كرامٌ وشتَّى النَّاسِ تقْصِدهمْ
                        للغيرِ ديوانُهمْ طِيبٌ وإصلاحُ
قـُدُورُهم منْ لحومِ الضَّأن مُكرمةٌ
                           أمَّا الدِّلالُ فَمِنها الهَيل فوَّاحُ
فأي مهازل هذه التي ترتكب؟! أم أنها حكايات غابة تدعى "العراق الجديد"، وهذه بعض أسرارها؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا حياة لمن تنادي ..! (عراقي اصيل)

    الأربعاء 27 أيار / مايو 2015.
    مؤلم ما يجري في وطني .. لاتوجد رحمة بين شعبي .. والله يعتصر قلبي وتدمع عيني حينما ارى مثل هذا الامر .. المتكرر )
  • »ضياع الدرب (كريمة الجزائر)

    الأربعاء 27 أيار / مايو 2015.
    قد ضاع مني الدرب.. ماعدت ادري

    هل انا راحل ام قادم.. وتاهت خطاي علي جسر.. ابتلي بدمع واهات.. وانقسم الجسد مساحات. بوطني
    انا الغريب عن دياري.. ضاعت مني الهويه دات صباحات
    بالله اي هويه. واي اثبات.. تسالوني
    وايضمان وتوصيات
    الست ثمره من نسل ترب بلادي.. قد صرت جمره تحرق بهاعيون ثكلي ورجال وحسنوات
    يؤسفني حقا ما يحدث بربعنا العراق. عروبتنا من اوضاع باتت تتفاقم ووتكثر
    الموضوع جدا كان يستحق وقفه هل تراها الطايفيه ام ايايدي خفيه.. ام مزيج عنصريه.. تحرك الاحداث وتزيد الجروح نزفا وتدميها
    للناشر كل الشكر هدا القلم النابض كحد سيف ..حين يكتب ..والقلب المتوجع لوضع مبكي ومبكي
    لا ييعني الا من محبه للامن القومي و ارض الحضاره الا ان اقول
    للعراق رب اسمه الكريم ..هو بالعلاج يجدي
  • »ردود الكاتب على التعليقات (د. جاسم الشمري / كاتب المقال)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    السلام عليكم ورحمة الله
    الاخوة الاحباب الكرام
    تحياتي الطيبة واحترامي
    شكرا لتعليقاتكم الطيبة:
    أولاً: الفاضلة جنان الشمري: المشهد في العراق يرسم مع الاسف الشديد بدماء العراقيين، ونسأل الله السلامة لأهلنا في عموم العراق
    تحياتي.
    ثانياً: الاخ الفاضل سيف المشهداني: دمت موفقا وشكرا لك.
    ثالثاً: اخي ابن الموصل شكرا لك.
    رابعاً: الفاضلة ابتسام المحترمة:
    فعلا تحمل العراقيون ما لا يتحمله غيرهم، هم منسيون في ظلمات الحياة.
    انا اتفق معك انه لا يعقل أن
    يهان من بالأمس كان بيته عنواناً للكرم لمن حط فيه فترة من الزمان
    ايحق أن يهان من قاوم بالأمس الأشرار وحفظ العرض والمال
    ايجوز أن تنكس المآذن بعد أن كانت تصدح في كل أذان
    لكن هذا هو واقع الحال وهذه هي المأساة.
    تحياتي لك واحترامي.
    خامساً: الفاضل الجنيدي: بوركت وشكرا لك، ونسأل الله الرحمة لعموم الاحرار في العراق وخارجه.
    تحياتي لك واحترامي
    ولكل الاخوة القراء.
  • »رسم دقيق لمعاناه اهلنا المهجرين (جنان الشمري)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    وكانك رسام حملت الفرشاة بيدك ورسمت المشهد كاملا بكلمات مختصرة ودقيقة معبرة عن واقع الحال.
    لا اجد كلمات اخرى اصفك بها فقد ابدعت كعادتك وهو ليس بالشي الجديد عليك

    راجين المولى عز وجل ان يفرج عن اهلنا في الانبار وان يزيل الغمامة عن بلدنا الحبيب ليعود الى سابق عهده منارة للعلم والاخاء وليحتضن اولاده المهجرين من الداخل والخارج وان يبعد عنا الحزن والظلام
    وفقك الله
  • »مايحصل في الانبار كارثة انسانية حقيقية (صگر الدليمي)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    ابدعت اخي الكاتب مقال اكثر من رائع تقشعر له الاجساد
    مايحصل اليوم في الانبار كارثة انسانية حقيقية بحق البشرية صور اليوم تظهر لنا نساء واطفال ينامون في العراء والحكومة لاتحرك ساكنا!!! لانهم منشغلين بشراء الفلل والسيارات الفارهة في دبي وغيرها من العواصم فهم لايعرفون شيء عن المواطن العراقي وحتى عن العراق!!!!
    دعنا من الحكومات فقد فقدنا الامل منها
    ماذا عن حقوق الانسان اين دورها فيما يحصل اليوم اليس من حق المواطن الانباري اني يعيش ويتنقل حيثما يريد داخل حدوده
    اي ديمقراطية واي حكومة هذه حسبنا الله ونعم الوكيل
    وفقك الله وسلمت يمينك بوركت اخي
  • »كارثة حقيقة (سيف المشهداني)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    كارثة حقيقة عاشت ايدك دكتور ابدعت في نقل بعض صور الالم في العراق
  • »عشت وتسلم (ابن الموصل)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    عشت وتسلم وبارك الله بيك
  • »آهات نازح يقطن تحت الجسري (ابتسام الغاليه)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    كم تحمل الناس في بلادي من ويلات كم ضمد الوقت آلاف من الجراحات كم مرة تشتتنا وعلى حبك يابلدي تجمعنا مالنا نراك اليوم تلفظ عزيزنا وتقرب اليك ذليلنا ماهكذا تورد الإبل ياسعد
    في بلادي أصبح النفس لايخرج من الصدوري الاباستاذان في أرواحنا غصة لحاضرنا ولما كان في بلادي كل شئ عزيز الابني الإنساني
    ايعقل أن ينهان من بلامس كان بيته مضيف كرما لمن حط فيه فترة من الزمان
    ايحق أن ينهان من قاوم بلامس الأشرار وحفظ العرض والمال
    ايجوز أن تنكس المآذن بعد أن كانت تصدح في كل أذان
    أين يلوذه من ترك خلفه أثمن ماجنى بعد أن افنى شبابه ليوفر الدار كي يعيش فيه هو والأهل والولد كي ينجو من همجية الاوغاد ليصطدم بأن البحر من أمامه والعدو من خلفه
    أي زمان يحرم على أهل الدار أن لايدخلو بيوتهم الأبعد تزكية من اينا كان
    الايعلمون إني بن الرمادي واسمي هوية ولااحتاج لمن يكفلني كي ادخل مدينة طالما دافعت عنها قبل أن أدافع عن مدينتي وفقدت الاهل والأحباب وحتى الدار لكي يحيى من يسكنها آمنين في دورهم التي لم يجعلو لنا فيها زاوية نلوذ بها من بعد أن استوطن الاغراب في مدينتي
    كيف تسمح لكم كرمتكم أن تتركونا مع اهاتنا نقطن تحت جسرا متهالك لايسمن ولايغني من جوع نعم ياسيدي الكاتب من يملك القرار في بلدي ومن يوجه من ومابين توجيه جهتن ورفض جهتن أخرى ارواح تزهق ونفسيات تتحطم
    يامن تملكون القرار ارحمو عزيز قوما ذل
    تحياتي لك يامن تحمل هم ومعانات أهلنا الذين لاذو بجسرا سيكتب عنه التاريخ يوما
  • »وصف دقيق (الجنيدي)

    الثلاثاء 26 أيار / مايو 2015.
    بارك الله بكم دكتور جاسم الشمري
    والله كان وصفك لمأسات الجسر وكانك كنت بينهم اي نازح تحاول العبور ...
    ومن خﻻل الوصف نجد مدئ تاثركم من الوضع الحاصل
    وهذا دليل اخر ووسام شرف يضاف لكم لمواقفكم الرجوليه