أيمن الصفدي

سمير قصير والربيع الذي لم يأتِ

تم نشره في الأحد 31 أيار / مايو 2015. 12:10 صباحاً

جاء الخبر رسالةً نصيةً صباح الثاني من حزيران من العام 2005. سمير قصير يذهب ضحية تفجيرٍ إرهابيٍ جبانٍ لسيارته أمام منزله وجيزيل خوري في أشرفية بيروت.
قتلتُهُ هم نفسهم من وأدوا الربيع الدمشقي الذي كان نظّر له حتميةً تاريخيةً تكسِر عتمةَ القمع والاستبداد.  الذين ردّوا على فكر صاحب "تاريخ بيروت" و "عسكر على مين" بمفخخةٍ قذرةٍ هم ذاتهم الذين استقبلوا نداءات الحرية في درعا بالرصاص، ليغرقوا سورية في غياهب الفوضى والموت والإرهاب.
حَلِمَ سمير قصير بربيعٍ دمشقيٍ يُثمّر حريةً وفكراً مستنيراً في سورية، فيمتدُّ إلى لبنان استقلالاً وتحرراً من عقود القهر. لكن لا مكان لمن روحُه الظلمةُ في هذا الربيع. لذلك لم يحتمل النظام السوري الأمل به. كسَر قلمَ سمير. وسجن دعاة حرية ربيع دمشق الأول. ظنّ أنّ قمعه يمتلك قدرةَ الخلود.
إلى أن هبّ ربيع سورية الثاني.
حينذاك أثبت النظام البعثي أنّ سمير وزملاءه من ربيعيي دمشق أخطأوا إذ أَمِلوا أنّ البعث قادرٌ على التغيير. فهو قام على القمع. عقائديته إلغائيةٌ إقصائيةٌ بطبعها. القتل لغته. الاستنارة نقيضه. الجهل بيئته. إمّا سورية خاضعةٌ تؤلّهه. وإمّا موتٌ لسورية الوطن والمواطن.
لذلك دمّر النظام الأسدي سورية حين أيقن أنّ بقاءه مُحال. قتل الأطفال والشيوخ. وأحال سورية أرضاّ يباباّ جاذبةً لقوى الإرهاب الداعشية والنُصروية. لا ربيع معه. ولا ربيع من دونه.
يُحيي أصدقاء سمير ذكرى رحيله العاشرة بعد أيامٍ قُرب شجرةٍ بيروتيةٍ تُظلّل رصيفاً تحت "نهاره". سيتذكّرون ما عاش من أجله، وما مات من أجله.  وسيقفون بمواجهة حقيقة أنّ شيئاً من حلمه لم يتحقق.
بيروت ما تزال أسيرةَ الانقسام والسطوة. خرج منها عساكر البعث. لكنها تمتلئ بضحاياهم. بريقُ تعدّديتها الثقافية السياسية الفكرية ينطفئ. راهنها يسكنه القلق. ومستقبلها حدوده الخوف.
"سورية الأسد" تنتهي. لكنّ محلها تتمكّن "سورية داعش" و"سورية النصرة". يخرج الشعب السوري من قهر الأسد ليجد نفسه إما في مخيمات اللجوء أو تحت ظلامية الإرهاب. لا بديل إنسانياً مستنيراَ للأسد حتى اللحظة. الأرض التي يُطرد منها يحتلها الدواعش ونُصرويو أبو محمد الجولاني وظلاميتهم، التي لا يمكن، رغم محاولات البعض، اخفاؤها أو تجميلها.
مُعظم عالم العرب يغرق في جهلٍ أعمق. لبنان على علاّته وانقساماته صار أفضل من كثيرٍ غيره. العراق سلّمته الإقصائية المذهبية للإرهاب يفكفك هويته هويات. ليبيا تعود إلى ما قبل التاريخ. واليمن يقاوم سطوةَ فارس وثقل الجهل.
امتلك سمير فائضاً من الأمل دفع ثمنه حياته. لكن ليس لأحدٍ أن يحكم على سذاجة أحلامه. مثله أَمِل أطفال درعا وشباب حمص وإدلب. كلّهم قضوا قبل أن تموت أحلامهم. وربما في هذا عزاؤهم وعزاء من يفتقدونهم.
فالأمل هو الذي تفجّر عملاً سيُنهي بطش الأسد. وهو الذي سيُنهي، ولو بعد حينٍ وتضحيات، بطش داعش والنصرة وسيُسكت أبواقها.
وربّما، في الذكرى الخمسين أو المئة لرحيل سمير، يكون الاحتفال حول ياسمينةٍ دمشقيةٍ تفيحُ بعبق ربيعٍ عربيٍ حقيقيٍ لا مكان فيه لاستبداد البعث، أو لعدمية داعش.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »على العرب والمسلمين أن يتحالفوا فعليا لدحر التآمر اليهودي والعالمي؟ (عمر)

    الأحد 31 أيار / مايو 2015.
    طالما بقيت دولة الصهاينة في فلسطين فإن الفوضى والفساد والإفساد والعمالة والاجرام ستبقى تنخر في عظام شعوب العرب وديارهم. فالقرآن الكريم وصف اليهود بأنهم "المفسدون في الارض". ولو تمعن الباحثون في كل مآسي الشعوب العربية والاسلامية لوجدوا أن اليهود وراءها بتآمرهم وإفسادهم وتحريضهم ونشرهم للفتن والتفنن في اختراع أسباب وأساليب اثارة الفتن والاقتتال بين شعوب العرب والمسلمين. إذن طالما بقيت الدولة المسماة اسرائيل قائمة وقوية فلن يقدر لديار العرب وشعوبها أن تنعم بالأمن والتنمية والازدهار والسلام. فمتى تشد الرحال لتحرير فلسطين من الصهاينة المفسدين؟؟؟ أليست فلسطين أرضا وقفية ومملوكة لكل المسلمين في العالم؟ أليس إذن تقع مسئولية تحريرها على كل مالكيها المسلمين؟ أليس أهل فلسطين سوى أهل رباط باقون فوق أرض فلسطين بانتظار الخلاص من الصهاينة المجرمين؟ إذن فإن ما يحصل اليوم في سوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين ناتج عن تآمر يهود فلسطين ونشرهم للفساد والافساد بين أبناء هذه الشعوب العربية. ومن وراء اسرائيل تقف فارس وروسيا وامريكا في نشر الفتن والافساد أيضا في ديار العرب هذه. إذن طالما أن الشرق والغرب واليهود يقفون صفا واحدا ضد ديار العرب وشعوبها فلا بد إذن للعرب من وضع خطط استراتيجية لمواجهة هذا التآمر العالمي عليهم، وأولى هذه الخطط الاعتماد على النفس تسليحا وتمويلا وتخطيطا بكل ما يستطيعونه من أسباب القوة والتضامن والتحالف الفعلي. عندئذ ربما نرى شمس الحرية والقوة تسطع في ديار العرب من جديد.
  • »كيف يفكر الطغاة (بسمة الهندي)

    الأحد 31 أيار / مايو 2015.
    ما أجمل شهيد الحرية سمير قصير؛ روحه فاضت حبراً للأقلام التي ما زالت تكتب حريتها. ثورة الأرز في لبنان ومن بعدها الثورة الخضراء في إيران كانتا الفاتحة لثورات الربيع العربي.
    مقالك أستاذ الصفدي ذكرني بمقطع من حوار في المسلسل الأجنبي الجديد "الطاغية" Tyrant، والذي يحاكي فيه طاغية عربي افتراضي في بلد عربي افتراضي "عبادين"؛
    ابن الطاغية العائد بعد غياب عشرين عاماً في أمريكا يقول لوااده الطاغية: وأنا قادم من المطار عبر المدينة بالكاد تعرفت على أي شيء، كل شيء تغير
    الطاغية: نعم، كل شيء تغير، صدام والقذافي من الأموات، بن علي في المنفى، ومبارك يحاكم قضائياً.
    ابن الطاغية: ولكنك ما زلت هنا
    الطاغية: إلى الآن بمشيئة الله. بعد كل الذي منحته للشعب ما زالوا غير راضين، يقولون بأنهم يريدون الحرية. الحرية؟ ليفعلوا بها ماذا؟ ليقتلوا بها بعضهم البعض؟ لقد منحتهم الاستقرار والازدهار وكل ما يريدونه هو الفوضى.