دراسة: الاعلان عن اتفاقية الغاز مع إسرائيل من الناحية التكتيكية ليس أمرا حكيما

تم نشره في الخميس 4 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • منشأة غاز في البحر الابيض المتوسط - (ارشيفية)

ترجمة: هيا خريس   

عمان - بينت الدراسة التي نشرتها مؤسسة كونراد اديناور في شهر آذار (مارس) الماضي، أن الإعلان عن اتفاقية الغاز مع إسرائيل من الناحية التكتيكية ليس أمرا حكيما.
وتستعرض الدراسة، مدى حاجة الأردن إلى صفقة الغاز الإسرائيلية، رغم كل الظروف السياسية المربكة التي تتعرض لها المنطقة العربية حالياً.
وسلطت الدراسة الضوء على الجدل الدائر في الأردن حول أسعار الطاقة، والذي أحدث بلبلة بين اوساط الشعب الأردني والحكومة على مدى متواصل، وزاد من التوترات في الوضع العام للأردن، لكن يبقى السؤال المستمر أمام الأردن: من هي الدولة التي تفتح أبوابها لاستيراد الطاقة بأسعار معقولة؟.
واستعرضت الدراسة زيادة أسعار الكهرباء كونها قضية حساسة في المملكة، ولا سيما ضمن هذه الأوضاع الأمنية الراهنة التي تشهدها المنطقة العربية واضطرار الأردن حاليا للتعامل مع العديد من الأزمات مع جيرانها في سورية والعراق والزعزعة الحاصلة من جراء الحروب الأهلية والقتال ضد تنظيم "داعش" الارهابي.
وكان استشهاد الطيار معاذ الكساسبة له تأثير كبير في طور الأحداث لتعزيز الأردن المزيد من جهودها من أجل مكافحة التنظيم الدولة "داعش" في سورية، واضافة إلى ذلك شكّل عدد اللاجئين السوريين المتزايد والذي وصل إلى الآن ما يقارب 625 ألف لاجئ عبئا اقتصاديا كبيرا.
ويعرف الأردن بشح مصادره من الطاقة وعدم توفرها، وهو بلد لا يمتلك أية مصادر احتياطية للطاقة القابلة للاستخدام، ولذلك فهو يعتمد على امدادات النفط والغاز من دول الجوار لتغطية 97 % من احتياجاته.
قبل حوالي ثلاث سنوات كانت مصر المورد الرئيسي للغاز الطبيعي؛ حيث كان خط الغاز العربي ينقل للأردن 80 % من حاجته للطاقة الأولية من حقول الغاز المصرية، لكن ومع بداية "الربيع العربي"، منذ العام 2011، بدأ الأردن يشعر بآثاره على امدادات الطاقة إليه لأنه بعد سقوط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك ووصول الاخوان المسلمين للسلطة كانت هناك هجمات متكررة على خط أنابيب سيناء.
وحتى ذلك الحين كان ما يزال تزويد الأردن واسرائيل بالغاز المصري رخيص الثمن.
ومع توالي الأحداث تم توجيه العديد من الهجمات ضد صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، هذا الاتفاق الذي لم يتقبله المجتمع المصري.
وجاء الرئيس السابق محمد مرسي في العام 2012 ليوقف امدادات الغاز ليس فقط إلى إسرائيل، بل إلى الأردن أيضاً، أملاً بأن يقوم باسترضاء صفوف شعبه، ما جعل الأردن يلجأ إلى استيراد البدائل الباهظة الثمن مثل النفط الثقيل والديزل من العراق، وهذا الأمر أثر بشكل كبير على الاقتصاد الأردني لأن تكلفة النفط الثقيل أغلى حوالي ست مرات، أي تبلغ تكلفته ما يقارب سبعة ملايين دولار يومياً عن تكلفة الغاز الطبيعي.
إلا أن الأوضاع الأمنية في العراق غير المستقرة تلعب دوراً في تقليل فرصة حصول الأردن على الإمدادات وتزيد من صعوبتها مما يؤدي إلى وصول الأردن أقل من 30 % من الوقود المتوقع، ولهذا يبقى الاستيراد من العراق حلاً لا يمكن الاعتماد عليه.
وحين ننظر إلى تزايد عدد اللاجئين السوريين، الذي بات ينهك الاقتصاد الأردني ويزيد من استهلاك الطاقة ففي العام 2013 زادت النسبة 7 % مقارنة مع العام الماضي وهو عبء كبير لا يمكن للأردن أن تخرجه من مواردها الخاصة.
وترى الدراسة التي نشرتها المؤسسة الالمانية بأن التساؤل الرئيسي هو: ماذا بعد توقف امدادات الغاز من مصر والتكلفة العالية للوقود الثقيل والديزل من العراق؟.
فكان الحل السهل لدى الأردن والموجود هو نقل الغاز من حقول تمار والطاغوت المكتشفة حديثاً قبالة سواحل إسرائيل من الجهة الأخرى. ففي العام 2013 اكملت شركات الطاقة الأردنية المفاوضات بشأن امدادات الغاز من حقول الغاز الإسرائيلية التي اكتشفتها وتديرها شركة نوبل الأميركية للطاقة.
وفي شهر تشرين الأول (اكتوبر) العام 2014 تم توقيع مذكرة تفاهم بين الشركاء في مجال الغاز شركة ليفياثان وشركة الكهرباء الوطنية لتزويد الأردن بـ 45 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي على مدى 15 سنة المقبلة.
إن الاعلان عن هذه الاتفاقية لم يكن أمراً حكيماً أبداً من الناحية التكتيكية وكان الأمر المدهش أنها وقعت بعد شهرين فقط من نهاية الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة.
لذلك واجهت الحكومة غضبا واسعا في الشارع الأردني ولم تلق ترحيبا أبداً وأدى إلى احتجاجات متفرقة على خلفية التوتر في العلاقات الأردنية الإسرائيلية مسبقا.
 بالإضافة إلى احتجاجات المجتمع المدني، كانت هناك أيضا أصوات من الحكومة والبرلمان الذين يعارضون تطبيع العلاقات مع إسرائيل بحجة أن الأردن لا ينبغي أن يساهم في تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي ما دامت إسرائيل انتهكت اتفاق أوسلو للسلام.
ورغم ان الأردن ثاني دولة عربية بعد مصر تبرم معاهدة سلام مع إسرائيل العام 1994، إلا أن قوى المجتمع المدني والسياسي الذين يرفضون تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية بين الأردن وإسرائيل باتت نشطة جدا اليوم وهذا ليس مستغربا.
ومع ذلك يبدو أن الحكومة تعتقد أنه حل عملي بالنسبة لها، ففوائد هذه المعاهدة واضحة تماما: الغاز الطبيعي الإسرائيلي هو إلى حد بعيد أرخص بديل إقليمي لإمدادات النفط العراقية، فحتى لو أراد الأردن النأي عن الصفقة مع إسرائيل، فليس هناك بدائل فعالة من حيث التكلفة في المنطقة إلى الغاز الإسرائيلي.
فالجزائر تخدم في السوق الأوروبية ولم يكن لدى البلاد القدرة ما يكفي لتزويد الأردن، وقطر ستزود الأردن بالغاز الطبيعي ولكن بأسعار السوق العالمية. واحتياطيات الغاز في مصر وحدها لم تعد تكفي لتغطية الاستهلاك المحلي للطاقة وهذا هو السبب الذي أدخل البلاد مؤخرا في مفاوضات مع نوبل لاستيراد الغاز من الحقول الإسرائيلية.
ولكن لا تستطيع فرض مثل هذا القرار ضد إرادة جزء كبير من السكان وفي أوائل شهر كانون الثاني (يناير) أعلن عن تأجيل هذه الصفقة لاسترضاء المعارضة والاحتجاج المدني وجاء تعليق المحادثات بمثابة مفاجأة كبيرة للمراقبين نظرا لأنه لم يسبقه أي حادث معين من شأنه أن يثقل كاهل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
بالإضافة إلى ذلك أعلنت شركة الكهرباء الوطنية بعد ذلك بوقت قصير اتفاقا مع شركة بريطانية مجموعة الغاز بالقرب من استيراد الغاز من حقل غزة البحري قبالة سواحل قطاع غزة، ويبدو أن استبدال الشريك التفاوضي الرئيسي للوهلة الأولى سوف يكون صعباً للغاية.
ومع ذلك بعد الهجوم العسكري الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة توترت العلاقة بين العرب وإسرائيل أكثر من أي وقت مضى.
ويبدو من المنطقي أن نفترض أن الدوافع السياسية هي وراء الاعتراض على هذا القرار بدءاً من إطلاق النار على القاضي الفلسطيني الأردني من قبل الجنود الإسرائيليين قبل عام والهجوم العسكري الأخير للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 فلسطيني والاضطرابات في الحرم القدسي الشريف والتي أدت إلى سحب السفير الأردني من إسرائيل، كل هذا يمكن أن يكون الأسباب المحتملة لتغيير مسار الحكومة الأردنية من حيث إمدادات الغاز. ومع ذلك هذه الصفقة تبدو في الواقع أساسا عمليا بحتا للذهاب للمصالح الاقتصادية .
امدادات الطاقة الأردنية الرائدة في المنطقة
في ظل الظروف الراهنة، تشير الدلائل إلى أن إمدادات الطاقة في الأردن على المدى المتوسط سوف تعتمد على الغاز الإسرائيلي.
 لذلك سيتم ضمان توازن الطاقة في الأردن وفقا لاتفاق رسمي سابق على الأقل خلال السنوات الـ 15 المقبلة، إذا كانت إمدادات الغاز الطبيعي تأتي في نهاية المطاف من المناطق الإسرائيلية أو الفلسطينية البنية التحتية اللازمة لها بالفعل الأردن.
ومنذ استخدام الطاقة المتجددة والطاقة النووية ما تزال في تخطيط وكما افتتاح محطة الغاز الطبيعي المسال في العقبة مصدر طاقة إضافي فقط والمورد الطاقة الأهم التي غالباً ما ستأتي من إسرائيل.
من وجهة نظر المعارضين للاتفاق،  وبذلك يتوقف في المدى الطويل على حسن نية من إسرائيل والأردن وإن الاتفاق يعني التطبيع الفعلي للعلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل.
فمن الواضح أن الأردن بحاجة إلى إيجاد حل طويل الأمد لمشكلة الطاقة في أقرب وقت ممكن.
لأن التحدي الطاقة ليست فقط أساس دولة فاعلة بل لأن قضية الطاقة على المدى الطويل سوف تكون الأكبر عبئاً على اقتصادها.
بالتالي فإن حاجة الأردن لا تقتصر فقط على تعزيز ميزانيتها لكنها تواجه أيضا تحديا في تأمين وسيلة لزيادة طويلة الأجل في الطلب على الطاقة ولذلك ربما تقرر مستقبل الأردن كعامل استقرار في المنطقة لحل قضية الطاقة وكيف ستكون صفقة الغاز المقترحة والبناء المحتمل لمحطة الطاقة النووية يكون لها تأثير على العلاقات البينية في الأردن.
وعلى كل حال فإن حل تحديات الطاقة في الأردن لا يكمن فقط في مصلحة شعوبها ولكن أيضا السياسة الجغرافية والأمنية هي من يلعب الدور الأهم.

مؤسسة كونراد أديناور الألمانية

التعليق