الأكراد وصناديق الاقتراع التركية

تم نشره في الاثنين 8 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • فتاة تدلي بصوتها في الانتخابات التركية أمس-(ا ف ب)

هآرتس

تسفي برئيل

7/6/2015

"في ليل السابع من حزيران القادم سينتصر المنتصرون مرة اخرى. سيكونون متوترين ويبتهلون، لكنهم لن يكونوا سعداء. سيغضبون، ويكونوا مستعدين لمواجهة أي أرواح يتخيلون أنها أعداء. سيستمرون في بناء دولة مزيفة: بدون أخطاء وبدون كحول. لن يرتاحوا حتى يحولوا النصف الثاني من تركيا إلى ما يشبه النصف الذي يسيطرون عليه، ويقومون بالألاعيب وهم يحملون في أيديهم الكتب المقدسة".
هذه الكلمات كتبها الكاتب بوراك بكديل من صحيفة "هوريات ديلي نيوز" عن الحزب الحاكم ومن يقف على رأسه، رجب طيب اردوغان. هذه الصحيفة مملوكة من قبل ايدين دوان الذي تعرض لاحدى الغرامات الأكبر في تاريخ تركيا بتهمة التملص من دفع الضرائب، لكن السبب الحقيقي لذلك هو أن الصحف التي يملكها لا تكف عن انتقاد أردوغان.
ليس فقط الصحف والصحفيين الذين لا يُصلون كل صباح لسلامة رئيس تركيا يعتبرون أعداءً للدولة. الأرمن والأكراد ايضا يشكلون تهديدا على الاستراتيجية الرئاسية الجديدة التي يخطط لها اردوغان. في خطاب ألقاه في مدينة بنغول في جنوب شرق الدولة هذا الأسبوع قال أردوغان: "الشريك لحزب الشعب الديمقراطي (المؤيد للاكراد) هو الصحافة التابعة لـدوان واللوبي الأرمني واللوطيين والعلويين بدون علي (اشارة إلى رئيس الحزب الجمهوري المعارض كمال تشيليكدار اوغلو)". واذا لم تكن قائمة الأعداء هذه كافية فقد أضاف اردوغان اليها في خطابه الصحافة الدولية وعلى رأسها "سي.ان.ان" و"بي.بي.سي" و"نيويورك تايمز".
أردوغان ليس هو من سينتخب في يوم الأحد القادم، بل المرشحون الذين سيحصلون على 550 مقعدا في البرلمان. لكن أردوغان يرى في هذه الانتخابات امتحان الثقة له ولسياسته، فهو لا يكتفي بمنصب الرئاسة الرمزية كما يحدده الدستور، بل يسعى لأن يكون رئيسا أميركيا، بل وأكثر من ذلك، وهو يريد صلاحيات واسعة تكون في الدستور الجديد ويطمح لإنشاء تركيا جديدة حسب مزاجه.
من أجل تحقيق طموحه دون قيود فإنه بحاجة إلى 400 من المشرعين كأعضاء في حزبه، حزب العدالة والتنمية الإسلامي. أغلبية كهذه ستضمن له القدرة على إجراء التعديلات دون استفتاء شعبي، وإذا لم يحصل على هذه الأغلبية، فهو يحتاج على الأقل إلى 330 مُشرعا، وهو الحد الأدنى من أجل المصادقة على التعديلات في الدستور بواسطة الاستفتاء الشعبي. وكل نتيجة أقل من ذلك ستكون فشلا سياسيا كبيرا.
تعطي الاستطلاعات عشية الانتخابات لحزب العدالة والتنمية 40 – 42 بالمئة، والحزب الجمهوري يحظى بـ25 – 28 بالمئة، وحزب اليمين القومي، 15 – 18 بالمئة، وحزب الشعب الديمقراطي المؤيد للاكراد، 9 – 11 بالمئة. المفارقة هي أن الأكراد هم من يهدد الآن بإفشال نوايا أردوغان. وإذا تمكنوا من تجاوز نسبة الحسم (10 بالمئة)، فسيكون هذا على حساب ممثلي حزب العدالة والتنمية. قد يضطر أردوغان في هذه الحالة إلى التحالف معهم أو مع الحزب الوطني من أجل تشكيل الحكومة القادمة. الائتلاف هو كلمة نابية في قاموس الرئيس التركي، الذي يسعى إلى برلمان ذي حزب واحد يشكل ختماً لنواياه.
قرر الأكراد القيام بخطوة خطيرة. بدلا من وضع مرشحين مستقلين قاموا بترشيح قائمة قطرية من أجل الحصول على أصوات من هم ليسوا أكرادا، لكنهم يعارضون أردوغان. وهناك الكثير من الاتراك المستعدين للتصويت للحزب الكردي فقط لمنع حصول أردوغان على الأغلبية المطلوبة في البرلمان.
 في المقابل إذا لم يتجاوز الأكراد نسبة الحسم فسيكون حزب العدالة والتنمية هو الرابح الأكبر من الأصوات الفائضة، وهذا هو سبب هجومه السياسي عليهم.
يوجد لدى الأكراد آراء مختلفة، فهناك من يعارض حزب الشعب الديمقراطي الذي يعتبر الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني بقيادة عبدالله أوجلان، وهناك أيضا تيارات محافظة ودينية تؤيد المصالحة التي بدأت قبل بضع سنوات، التي من شأنها منح الأكراد حقوق ثقافية وسياسية، لذلك فإن الافتراض بأن جميع الأكراد سيصوتون للحزب الكردي ليس منطقيا، ومن هنا يأتي التوتر عند نشطاء الحزب.
تركيا تصل إلى الانتخابات بعد أن وضع أردوغان الأساس المطلوب لتهديد أعدائه. القوانين الجديدة لمحاربة الإرهاب والأمن الداخلي والحصانة الجنائية للاستخبارات. كل ذلك يُمكن أردوغان من تنفيذ الاعتقالات وتفتيش البيوت، حتى وإن كانت هذه مجرد شكوك لعمل عدائي. وقد قُدمت ضد الصحفيين دعاوى قضائية ويتوقع أن يُحكم على اثنين منهم بعشرات السنين إذا تمت إدانتهما. قانون الإنترنت يعطي وزير الإعلام الصلاحية بإغلاق مواقع تضر أمن الدولة والأمن العام أو سلامة الجمهور.
أردوغان يتهم خصومه بالتعاون مع جهات أجنبية وأصحاب مصالح اقتصادية ودول غربية تسعى إلى "تقسيم الشعب والمس بالدولة التركية". الانتقاد الموجه إليه من فتهولا غولان على الفساد يرد عليه أردوغان بـ"لا يوجد أمر مهم في هذه الانتخابات سوى الديمقراطية التركية، الاقليات ومكانة تركيا في العالم".
إن سيطرة أردوغان على نصف الدولة غير مهمة ما دام النصف الثاني يدير ظهره له. أردوغان يدرك بعد 13 سنة في الحكم أنه الزعيم الذي لا خلاف عليه، وسيستمر في كونه كذلك طالما أن الاقتصاد لا يتدهور. تركيا جاهزة لإمكانية أن تكون السلطة فيها مطلقة من قبل رئيس له صلاحيات كبيرة ويعتمد على البرلمان بدون معارضة حقيقية، ويعمل على تغيير وجه تركيا، والقضاء نهائيا على القيم العلمانية التي وضعها أتاتورك، وتحويل الشريعة الإسلامية إلى مصدر الصلاحيات، كما هي الحال في باقي الدول الإسلامية.

التعليق