اللامركزية بين مفهومي الإدارة المحلية والتنمية المحلية

تم نشره في الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 11 حزيران / يونيو 2015. 09:29 صباحاً

 د. ماهر المدادحة*

لقد حقق الاردن منذ استقلاله انجازات كبيره على مختلف الصعد السياسيه والاقتصادية والاجتماعية ويتضح ذلك من خلال مختلف المؤشرات التي تعكس تحسن نوعية الحياة بكل جوانبها وتقدمه على كثير من دول الاقليم والعالم في هذه المؤشرات بالرغم من شح موارده وقلة امكاناته والتي توفرت لدول كثيرة لم تصل الى مستوى ما حققه بحيث اصبح مثالا للاستقرار السياسي والاجتماعي وملجأ لكثير من اخوتنا العرب الفارين بأرواحهم من ويلات الحروب والنزاعات الاهلية في الكثير من اقطار الوطن العربي الكبير.
ان هذه الانجازات تحتاج منا جميعا المحافظة عليها وتعزيز مكتسباتها من خلال العمل والجهد الدؤوب لكل افراد وفئات وشرائح المجتمع وان يكون هذا الجهد مبنيا على رؤية واضحة تستشرف مستقبل الوطن وتشخص تحدياته ومشكلاته وتضع المعالجات الناجعة لها ، وقد بدأ هذا التوجه مع بداية تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مقاليد الحكم في البلاد من خلال مبادرات عديدة هدفت في مجملها الى وضع تصور ورؤية واضحة لمستقبل الاردن السياسي والاقتصادي والاجتماعي وترافق مع هذه الرؤية خطط وبرامج لتحقيق الاهداف التي وردت فيها وأصبحت تشكل بداية حقيقيه للإصلاح بمختلف مستوياته وقد برزت الحاجة الماسة للإصلاح الاقتصادي كمدخل مهم لتغيير حياة الناس ورفع مستوى معيشتهم.
لقد هدف الاصلاح الاقتصادي الى ازالة كافة التشوهات الاقتصادية وتحرير الاقتصاد من كل اشكال التدخل السلبي المعيق للنمو والتنمية وتحويله الى اقتصاد منتج وكفؤ بعيدا عن المفهوم الرعوي الذي لم يعد بالإمكان تحمل كلفه السياسية والاقتصادية , إلا ان هذا الاصلاح عاني من التردد في تنفيذه جراء الضغوط التي مورست من معارضيه . لقد تضمنت خطط وبرامج الاصلاح الاقتصادي معالجة التشوهات في كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية وأعطت اهمية كبيره لإعادة رسم وتحديد دور القطاع العام وتوجيهه نحو التشريع والتنظيم والرقابة وإفساح المجال امام القطاع الخاص للنمو والمساهمة في النشاط الاقتصادي والاستفادة من امكاناته في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وخلق واستغلال الفرص الاقتصادية وتأسيسا على هذا الفهم اوجدت الهيئات والمؤسسات لغايات التنظيم والرقابة على ان يكون وجودها على حساب تقليص عدد الوزارات والدوائر الحكومية إلا انه للأسف اصبح هناك خلط وتشويش على الفكره مما ادى الى التراجع عنها ومهاجمة وجودها واعتبارها سببا في خلق الازمة الاقتصادية حسب رأي معارضي الاصلاح.
وضمن هذا السياق والمفهوم للإصلاح اتجه التفكير لدى المؤسسات المعنية في ادارة الاقتصاد الوطني الى مراجعة اليات وأدوات ادارة التنمية الاقتصادية بهدف تفعيل الاقتصادات المحلية والتركيز على زيادة حجم وقيمة الاستثمارات المحلية بالتوازي مع تشجيع الاستثمار الاجنبي على المستوى الوطني , وكان لا بد من التركيز على محاور مهمة في منظومة ما عرف بمفهوم التنمية المحلية لاحقا وهذه المحاور تركزت حول موضوع ادارة التنمية المحلية وممكنات ومشاركو التنمية المحلية من القطاع العام والمؤسسات الحكومية وقطاعات اهلية كالبلديات وجمعيات تعاونية وخيرية والقطاع خاص. فقد قامت وزارة التخطيط والتعاون الدولي في عام 2002  بالعمل على البدء بانجاز هذه المهمة وبدأت بتحديد وتعريف مفهوم التنمية المحلية وأدوات تنفيذها ، وجاء ذلك ترجمة لرؤية جلالة الملك بتفعيل دور المحافظين والحكام الاداريين والتي اعلنها في زيارة تفقدية للاطلاع على مشاريع التنمية في محافظة عجلون في ذلك العام  ، وقد بدء بتعزيز دور الحكام الاداريين في المحافظات بهدف اعدادهم لدور اكبر مستقبلا في شأن ادارة التنمية المحليه وكذلك تأهيلهم لمراحل مستقبليه تكون فيها اليات صنع القرار التنموي في الاطراف ( المحافظات ) وليس مركزيا في العاصمة بهدف تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار وكذلك منح الناس فرصة المشاركة في معالجة مشاكلهم وتحديد اولوياتهم في مناطق سكناهم وتواجدهم ، وتنفيذا لهذا التوجه فقد وضعت البرامج ورصدت الاموال للبدء في ذلك ، حيث انشئت وحدات تنموية في مراكز المحافظات تعمل بإشراف المحافظين والحكام الاداريين بهدف متابعة تنفيذ المشاريع التنموية كجزء من عملية تأهيل الحكام الاداريين للمهمة التنموية الاكبر مستقبلا. وتزامنا مع ذلك فقد انشئت وحدات تنموية في كافة البلديات الكبرى بهدف تمكينها للقيام بمهامها بمؤسسية اكفأ وبدء بتنفيذ برنامج اعادة هيكلة قطاع البلديات وبرنامج اخر لإعادة هيكلة قطاع الجمعيات التعاونية والخيرية، وكانت هذه البرامج المهمة الاساس للبدء في التعامل مع موضوع التنمية المحلية.
لقد استمر العمل بهذا البرنامج لعدة سنوات إلا ان النتائج لم تكن ذات اثر ايجابي ملموس على عملية التنمية المحلية بسبب عدم اعطاء الموضوع الاولوية القصوى لدى الجهات المعنية التي اسند اليها تنفيذ هذه البرامج وآلت العملية لوزارة الداخلية لتضع مفهوم التنمية المحلية من منظورها المبني على الدور التقليدي المناط بها والمرتكز اساسا على الجانب الامني والإداري والذي افضى الى اقتراح مشروع قانون اللامركزية قيد النقاش في مجلس الامة. بعد هذه التوطئه للموضوع فإنه من الاهمية بمكان مناقشة هذه المشروع بهدف الوصول الى الغاية المرجوة لترجمة رؤية الدولة للتنمية المحلية وتعزيز فرص النمو الاقتصادي بهدف تحسين حياة الاردنيين في اماكن سكناهم. وسأناقشه بعجاله من عدة جوانب أهمها:
أولا : مدى انسجام مشروع اللامركزية مع رؤية الاصلاح الاقتصادي التي انبثق منها.
ثانيا : التحديات المحتملة لنجاح تطبيق مشروع اللامركزية.
ثالثا : البدائل الممكنة لتفعيل عملية التنمية المحلية.

أولا : مشروع اللامركزية والإصلاح الاقتصادي:
لقد هدفت برامج الاصلاح الاقتصادي الى ازالة كافة التشوهات في الاقتصاد الوطني بهدف تحفيزه وتفعيل مفهومي الكفاءة والإنتاجية الاقتصادية وتخفيض عجز الموازنة العامة المتراكم وهذا يتطلب اعادة النظر في حجم ودور القطاع العام في مجمل النشاط الاقتصادي وبتقليص حجمه واقتصار دوره على التشريع والتنظيم والرقابة وإفساح المجال امام القطاع الخاص للنمو والتوسع في عملية انتاج السلع والخدمات. وان انجاز ذلك يتطلب اعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات الحكومية بما يفضي الى تقليص دور القطاع العام وإعادة هندسة عملياته مما يستوجب الغاء ودمج العديد من الوزارات وإعادة هيكلة اخرى ، وبالرغم من ان هذا البرنامج بدء بتنفيذه إلا انه انتهى بإنشاء هيئات التنظيم والرقابة وعدم هيكلة الوزارات مما سبب ارباكا اداريا وازداد تشكيك معارضي الاصلاح  بجدواه . وفي ظل استمرار حالة عدم اصلاح القطاع العام فان ما جاء به مشروع اللامركزية سيؤدي الى المزيد من الاعباء الادارية والمالية للاقتصاد الوطني بسبب خلقه لطبقات وهياكل ادارية جديدة تتطلب المزيد من الموارد البشرية والمالية مما يرتب عبئا اضافيا على الموازنة العامة للدولة ويزيد من عجوزاتها.
ان الاصلاح الاقتصادي الذي يهدف الى تحفيز النمو وزيادة معدلاته من خلال تفعيل وتنشيط التنمية المحلية كأحد الممكنات لهذا النمو يتطلب رؤية تنموية واضحة المفهوم والهدف و الاليات والمنهجيات اللازمة لانجاز مهمة تفعيل التنمية المحلية ضمن برنامج وطني شامل مستند الى رؤية اصلاح القطاع العام ويتطلب ذلك تحديد ادوار ومهام الوزارات والدوائر الحكومية التي ستسهم في انجاح عملية التنمية المحلية، ان اقتصار عملية التنمية المحلية واختزالها بمفهوم الادارة المحلية الذي تنظر اليه وزارة الداخلية من منظارها الخاص بالتنمية في الوقت الذي يتطلب معه الامر اعادة النظر في وجود ودور وزارات البلديات والتنمية الاجتماعية والعمل ودوائر اخرى مرتبطة بها باعتبار ان عملية التنمية المحلية جهد وطني مشترك للعديد من المؤسسات الحكومية وليس مقصورا على وزارة الداخلية واستئثارها بهذا الجهد وبالتالي تحويل المشروع من اللامركزية الى المزيد من المركزية.
ثانيا :  التحديات المحتملة لنجاح تطبيق مشروع اللامركزية.
إن مفهوم اللامركزية يعني توزيع السلطات والمسؤوليات بين الحكومة المركزية والوحدات الإدارية الإقليمية أو المحلية وذلك من خلال التفويض أو النقل. وقد اظهرت التجارب العالمية ان اللامركزية تتضمن مزايا وعيوبا، فمن مزاياها منح السمة الديمقراطية في الإدارة وتخفيف العبء عن الإدارة المركزية وتحقيق العدالة الاجتماعية وكسر البطء والروتين الاداري إلا ان عيوبها تستوجب التوقف عندها وتشخيصها ومنها ما يتعلق باعتبارات الكفاءة في إدارة الشؤون المحلية وما يتعلق بحسن سير المرافق العامة المحلية كما ان النظام اللامركزي يمس الوحدة الإدارية للدولة.
ويمكن تناول مشروع اللامركزية لدينا من ثلاثة ابعاد اساسية وهي : البعد السياسي والبعد الاداري والبعد المالي.فالبعد السياسي يهدف إلى إعطاء المواطنين أو ممثليهم المنتخبين المزيد من السلطات في صنع القرار العام، وزيادة المشاركة الشعبية في تحديد الاولويات والاحتياجات للسكان إلا ان هذا البعد بحاجة الى التوقف عنده مليا للتأكد من مدى الحاجة الفعلية له في بلد كالأردن ليس لديه مشاكل سياسية مرتبطة بأقليات او فئات سكانية تطالب بمنحها سلطات محلية لأسباب سياسية او ثقافية او اجتماعية وكذلك انعدام مبرر الاتساع الجغرافي الذي قد يكون سببا لاعتماد اللامركزية كأسلوب حكم وإدارة.
يفترض ان الهدف من مشروع اللامركزية هو تحقيق التنمية المحلية والتي تحتاج بشكل اساسي لأدوات واليات اقتصادية ومن خلال مؤسسات معنية بالشأن الاقتصادي بالدرجة الاولى وليس من خلال وزارة الداخلية التي اصبغت مشروع اللامركزية بوصفة الادارة المحلية من خلال تأسيس هياكل ادارية جديدة تعتمد الانتخاب والتعيين فيها مما قد يخلق حالة تعارض قانونية قد تحتاج الى مراجعة فقهية على المستويين الدستوري والقانوني كون ان مجالس المحافظات المنتخبة ستكون المكلفة بتحديد الاولويات والاحتياجات المحلية على مستوى المحافظات وبالتالي اعداد الموازنات التمويلية لها، وان هذه الاولويات والموازنات ستكون خاضعة لقرار الحكومة المركزية وموافقة مجلس النواب الذي يعتبر المجلس المنتخب ايضا كممثل عن الشعب ، فهل تستوي الامور بأن مجلسا منتخبا يراقب على مجلس منتخب أخر، هذا اذا ما اضفنا الى ذلك التعارض والتناقض فيما يتعلق ايضا بالمجالس البلدية المنتخبة وممارسة دور الرقابة والتوجيه عليها من قبل مجالس المحافظات.
  ان مشروع اللامركزية قد يحمَل الدولة كلفا سياسية وأمنية غير منظوره حاليا من خلال اضعاف سلطة الحكومة المركزية على ادارة المحافظات في ظل اعتماد مبدأ الانتخاب لمجالس المحافظات ولو انها بدأت بالمرحلة الاولى بتعيين نصف العدد في المجلس من قبل الحكومة إلا ان هذا الوضع قد لا يستمر مستقبلا تحت ضغط المطالبات الشعبية والسياسية باعتماد الانتخاب لكافة اعضاء المجلس المحلي وخصوصا اذا ما قوبلت هذه المطالبات بدعم خارجي في ظل النزعة العالمية لتعزيز الحريات وحقوق الانسان.
أما على البعد الاداري فإن تطبيق مشروع اللامركزية يتطلب توفر الهيئات والتشكيلات الادارية والكوادر البشرية اللازمة لتنفيذ المهام والوظائف التي حددت في مشروع قانون اللامركزية محل البحث والنقاش مما قد يخلق ارباكا مزدوجا اداريا وماليا في ظل عدم اعادة النظر في حجم القطاع العام ودوره ومهامه لتسهيل عملية الانتقال الى اللامركزية في الادارة وقد يخلق طبقات ادارية اضافية تكون نتيجتها المزيد من البيروقراطية وارتفاع الكلف المالية على الموازنة العامة وزيادة عجوزاتها.
ان عملية التنمية المحلية بحاجه ماسه لجهود كل الشركاء في التنمية الاقتصادية من قطاع خاص وبلديات وجمعيات تعاونية وخيرية وأهليه وان جهود هذه الجهات بحاجة الى مأسسة ادارية لتنسيق ادوارها وفعالياتها وأنشطتها عل المستوى المحلي من خلال دعم مركزي من وزارة او هيئه عامة تتمتع بخبره وكفاءة اقتصادية عالية. كما ان عدم توفر الخبرة لدى الهيئات والمؤسسة المحلية المكلفه بموجب مشروع قانون اللامركزية في العمل التنموي والاقتصادي سيحمل الدولة كلفا مالية باهظة نتيجة للفساد وسؤ اختيار وتحديد الاولويات المحلية و البرامج التنموية المرتبطة بها وخصوصا في غياب الدعم اللوجستي المركزي من وزارة او مؤسسه اقتصادية متخصصة وترك ذلك لوزارة الداخلية التي تفتقر لمثل هذه الخبره والاهتمام.
ان انجاح عملية التنمية المحلية يتطلب مراجعة شامل لكافة التشريعات من قوانين وأنظمة ذات العلاقة بمهام تحديد الاولويات والبرامج والمشاريع والأنشطة الاقتصادية والتنموية وعلى مختلف مستويات التخطيط والتنفيذ والمتابعة والرقابة وتأمين التمويل اللازم لها ولكل القطاعات الاقتصادية ولكافة الوزارات والدوائر الحكومية المعنية مركزيا بهذه العملية وهذا ما لم يتطرق اليه مشروع قانون اللامركزية والذي يصعب تطبيقه ضمن هذا التصور.
أما على البعد المالي ، فالممارسات العالمية تعتبر ان المسؤولية المالية عنصر رئيسي للامركزية، فإذا كانت الحكومات المحلية والمنظمات الخاصة تنفذ وظائف لا مركزية بفاعلية فإنه يجب أن يكون لديها مستوى مناسب من الإيرادات التي يتم تحصيلها إما محليا أو من الحكومة المركزية ويمكن أن تأخذ اللامركزية أشكالا كثيرة مثل: التمويل الذاتي والتمويل المشترك أو ترتيبات الإنتاج المشترك والتي من خلالها يشارك المنتفعون في تقديم الخدمات والبنية الأساسية وتوسيع الإيرادات المحلية من خلال الملكية أو ضرائب أو التكاليف أو النفقات غير المباشرة كما تأخذ اللامركزية شكل التحويلات بين الحكومة التي تنقل الإيرادات العامة من الضرائب التي يتم تحصيلها عن طريق الحكومة المركزية إلى الهيئات المحلية لاستخدامات عامة أو محدده و كذلك الحق في الاقتراض من قبل الهيئات المحلية ، وهذا الامر من الصعوبة بمكان تطبيقة على حالة اللامركزية في الاردن نظرا للتحديات الكبيرة التي تواجهها الموازنة العامة من شح في الموارد وارتفاع في العجز المتراكم الذي ادى الى ارتفاع في حجم الدين العام ، وكذلك تفاوت وتباين حجم الموارد الماليه والاقتصادية التي تتمتع بها كل محافظة مما يخلق حالة من عدم الاستقرار والتباين التنموي بين المحافظات.
كما ان تطبيق اللامركزية يتطلب اعادة النظر في فلسفة واليات ادارة المالية العامة على جانبي الايرادات والإنفاق من حيث مرجعية التحصيل للضرائب وبدل الخدمات على المستوي المحلي والوطني  وكذلك تخصيص الاموال للبرامج والمشاريع المحلية والوطنية.

ثالثا : البدائل الممكنة لتفعيل عملية التنمية المحلية.
في ضوء الاستعراض السريع للتحديات التي قد تعيق تطبيق اللامركزية كما ورد في صيغتها في مشروع القانون فلا بد من اقتراح بعض الصيغ والبدائل التي قد تكون محل اهتمام ودراسة وتقييم بهدف الوصول الى تحقيق المرجو من عملية التنمية المحلية في تحسين معيشة الناس وزيادة مشاركتهم في تحديد وتقرير الاولويات والبرامج التنموية لمجتمعاتهم المحلية.
والبديل الاول يمكن ايجازه حيث لا يتسع المقام للتفصيل فيه، بحيث يتطلب العودة الى تفعيل رؤية الاصلاح الاقتصادي بشكل عام وما يتضمن ذلك من اعادة هيكلة القطاع العام ومهامه ودوره في عملية التنمية الاقتصادية ، وهذا يتطلب اعادة النظر في مجمل وظائف ومهام كافة الوزارات والدوائر الحكومية ومراجعة عملياتها بهدف اعادة صياغتها وتشكيلها وصولا الى حكومة كفؤة موجهه بالنتائج (Result Oriented Government) وقد سبق وان تم تنفيذ الكثير من هذا التوجهه إلا انه للأسف لم يستكمل. هذا يعني ان لا بد من مراجعة مهام الوزارات الاقتصادية وتحديدا وزارات المالية والتخطيط والتعاون الدولي والصناعة والتجارة وإعادة تشكيلها بصيغة جديدة تفضي الى وجود وزارة اقتصاد وطني بدلا من وزارتي التخطيط والصناعة والتجارة للتعامل مع الشأن الاقتصادي على المستوى الوطني وان يعاد النظر في مهام وزارة المالية في ما يتعلق بموضوع التمويل الدولي والمالية العامة. كذلك اعادة النظر في مهام وزارات الداخلية والبلديات والتنمية الاجتماعية والعمل والدوائر المرتبطة بها بحيث تلغى وزارة البلديات ويعاد مراجعة قانون البلديات بصورة جذرية بهدف تمكين البلديات من ممارسة وظائفها وتحميل مجالسها مسؤولية رفع سوية خدمة المجتمع المحلي وتنشأ بدلا عنها وزارة للتنمية المحلية تتولى تنفيذ برنامج التنمية المحلية في كافة المحافظات وتفعيل طاقات كافة الشركاء من القطاع الخاص والأهلي من خلال التركيز بشكل كبير على اعادة هيكلة قطاع البلديات وقطاع الجمعيات التعاونية والخيرية وتنشيط المبادرات الفردية والخاصة لاستغلال الفرص الاقتصادية المتاحة وتفعيل دور المحافظين بذلك بعد مراجعة كافة التشريعات اللازمة لتمكينهم وان يفك ارتباطهم بوزارة الداخلية بحيث تقتصر مهامها التركيز على موضوع ادارة الجنسية والحدود والهجرة في ظل تراجع دورها في الواجب الامني الذي يتابع من قبل الاجهزة الامنية وبكفاءة وفاعلية عالية. كما يتطلب الامر اعادة تنسيق المهام ذات العلاقة لوزارات التنمية الاجتماعية والعمل بهدف تسهيل انشطة التنمية المحلية. ويمثل هذا البديل الاقل كلفة من النواحي السياسية والإدارية والمالية ويؤدي الدور الكبير في تفعيل اقتصاديات المحافظات ورفع سويتها وتمكين سكانها.
البديل الاخر ايضا بحاجة الى المزيد من التفصيل والمناقشة، والذي قد يتطلب اعادة صياغة كاملة لمفهوم الحكم المحلي وتوسيع دور البلديات باعتبارها مؤسسات تديرها هيئات منتخبة وان يعاد هيكلة قطاع البلديات بشكل جذري بحيث تؤسس في كل محافظة بلدية او اكثر قادرة وممكنه تقدم خدماتها لكافة مواطنيها من خلال اعتماد تقسيمات ادارية للبلدية تساعد في وصول خدماتها لكافة مواطنيها وان يناط بهذه البلديات ايضا مهام الاشراف على مستوى الخدمات التي تقدم من الجهات الاخرى الحكومية والقطاع الخاص وان تساهم البلدية ايضا في تحديد الاولويات التنموية والاحتياجات للمجتمع المحلي ومناقشتها مع الحكومة المركزية ومؤسساتها كما ان هذا البديل يوفر اليات زيادة المشاركة الشعبية في صنع القرارات الاقتصادية للمجتمعات المحلية وتحديد اولوياتها وحاجاتها بعيدا عن الكثير من الكلف السياسية والإدارية والمالية التي قد يرتبها مشروع اللامركزية بشكله الحالي وهذا أيضا يتطلب اعادة هيكلة القطاع العام من حيث الحجم والمهام وكما يمكن التوسع في هذا المقترح بحيث يصار الى تقسيم مراحل تقديم الخدمات على مستويات مختلفة منها بمستوى البلدية وأخرى على المستويين المحلي والوطني للحكومة.

* وزير تطوير القطاع العام الاسبق

التعليق