تجنب الصراع في بحر الصين الجنوبي

تم نشره في الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً

جوزيف ناي، الابن*

أكسفورد- عندما حلقت طائرة الاستطلاع "بي8-إيه"، التابعة للبحرية الأميركية، بالقرب من حيد الصليب الناري البحري في جزر سبراتلي في بحر الصين الجنوبي مؤخراً، حذرتها البحرية الصينية ثماني مرات، وأمرتها بمغادرة المنطقة. وقال وزير الخارجية الصيني وانج يي "إن عزيمة الصين في حماية سيادة وسلامة أراضيها ثابتة كالصخر". ورد وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر قائلا: "لا ينبغي لأحد أن يختلط عليه الأمر في هذا الشأن: فالولايات المتحدة سوف تطير وتبحر وتعمل حيثما يسمح لنا القانون الدولي، كما نفعل في مختلف أنحاء العالم". فهل يعني هذا أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين في بحر الصين الجنوبي بات وشيكا؟
في العام 1995، عندما كنت أعمل في وزارة الدفاع الأميركية، شرعت الصين في بناء هياكل على حيد ميستشيف، الذي تطالب به الفلبين، ويقع على مسافة أقرب كثيراً إلى شواطئها من شواطئ الصين. وقد أصدرت الولايات المتحدة بياناً بأنها لم تتخذ أي موقف من المطالبات المتنافسة من قِبَل خمس دول لنحو 750 صخرة وجزيرة صغيرة وشعبة مرجانية، والتي تتألف منها جزر سبراتلي وتغطي مساحة شاسعة -425 كيلومتراً مربعاً- من بحر الصين الجنوبي. وقد حثثنا الأطراف المشاركة على تسوية المنازعات سلمياً.
لكن الولايات المتحدة اتخذت موقفاً قوياً بأن بحر الصين الجنوبي، الذي يشمل ممرات بحرية مهمة لشحن النفط من الشرق الأوسط وسفن الحاويات من أوروبا، والذي تحلق فوقه طائرات عسكرية وتجارية بشكل روتيني، يخضع لقانون الأمم المتحدة لمعاهدة البحار.
ولدعم مزاعمها الإقليمية، تعتمد الصين على خريطة موروثة من الفترة القومية -ما يسمى "خط النقاط التسع"، والذي يمتد ما يقرب من ألف ميل جنوب البر الرئيسي للصين ويقترب في بعض الأحيان من سواحل دول مثل فيتنام وماليزيا وبروناي والفلبين، لمسافة قد لا تزيد على أربعين إلى خمسين ميلاً. وكل هذه الدول تطالب بالمناطق الاقتصادية الخاصة التي تبلغ مائتي ميل والممنوحة لها بموجب قانون معاهدة البحار.
عندما اندلع النزاع حول حيد ميتشيف، فشل المسؤولون الصينيون في توضيح معنى خط النقاط التسع، ولكنهم زعموا بعد الضغط عليهم أن النقاط تحدد مناطق حيث للصين مطالبات سيادية. وفي الوقت نفسه، زعموا أن بحر الصين الجنوبي ليس بحيرة صينية، وأنه محكوم بمعاهدة الأمم المتحدة. وعلى هذا الأساس، تجنبت الولايات المتحدة والصين النزاع حول القضية لما يقرب من العشرين عاماً.
ولكن الصين لم تتجنب النزاعات مع جاراتها البحريات. ورغم تعهدها بالالتزام بمدونة السلوك التي تفاوضت عليها رابطة دول جنوب شرق آسيا في العام 2002، فقد استخدمت قوتها العسكرية المتفوقة في النزاعات مع الفلبين وفيتنام. وفي العام 2012، طاردت سفن الدورية الصينية مراكب صيد فلبينية لإبعادها عن جزر سكاربورو قبالة ساحل الفلبين، ورفعت الحكومة الفلبينية النزاع إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، التي تدعي الصين أنها غير ذات اختصاص. وفي العام 2014، بعد أن أقامت الصين منصة نفطية في مياه تطالب بها فيتنام، اشتبكت سفن من الدولتين في معارك بخراطيم المياه والمصادمات في البحر؛ وفي أعقاب ذلك اندلعت أعمال شغب مناهضة للصين في فيتنام.
وقد سعت الدول الصغيرة في المنطقة إلى طلب الدعم الأميركي. ولكن الولايات المتحدة ظلت حريصة على عدم الانجرار إلى المطالبات المتنافسة على السيادة، وبعضها واضح المعالم، في حين تتمتع الصين بشأن البعض الآخر بموقف قانوني أكثر قوة. وعلاوة على ذلك، كانت الولايات المتحدة مضطرة إلى التركيز على قضايا أكبر في العلاقة مع الصين.
ثم بدأ هذا يتغير عندما أطلقت الصين سياسة نشطة لرفع الرمال من قاع البحر لملء الفراغات حول الشعاب المرجانية وبناء جزر في خمسة مواقع على الأقل. وفي وقت سابق من هذا العام، أطلق المحللون صوراً لما يتوقع أن يكون مدرجاً لإقلاع وهبوط الطائرات بطول ثلاثة كيلومترات على جزر حيد الصليب الناري.
تزعم الولايات المتحدة أن معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار تمنح السفن والطائرات الأجنبية حق الوصول الحر إلى ما هو أبعد من الحدود الإقليمية التي تمتد 12 ميلاً بحرياً، في حين تزعم الصين أن الطائرات العسكرية غير مسموح لها بتجاوز المنطقة الاقتصادية التي تمتد 200 ميل من سواحلها من دون الحصول على إذنها. وإذا طالبت الصين بمنطقة كهذه لكل موقع تحتله، فقد تسيطر على أغلب بحر الصين الجنوبي. وعلى حد تعبير أحد المسؤولين الأميركيين، يبدو أن الصين تحاول "خلق الحقائق على الأرض" -وهو ما يسميه الأميرال هاري هاريس، قائد القوات الأميركية في المحيط الهادئ، "سور الرمال العظيم" الجديد.
أعلنت الصين أن سحب الرمال من قاع البحر هو في حدود حقوقها السيادية، وهذا صحيح، وأنها لم تفعل بذلك ما لم تفعله جاراتها، التي كانت حكوماتها أيضاً تعكف على بناء هياكل لتعزيز مطالباتها. ولكن الشكوك الأميركية تصاعدت بعد أن أعلنت الحكومة الصينية من جانب واحد في العام 2013، وفي نزاع منفصل بين الصين واليابان حول جزر سنكاكو/دياويو في بحر الصين الشرقي، عن إقامة منطقة تعريف دفاعية جوية من دون سابق إنذار. وكان رد الولايات المتحدة إرسال طائرتين قاذفتين للقنابل من طراز بي-52 عبر المنطقة غير المعترف بها. وكان هذا بمثابة سابقة لرحلة الاستطلاع البحري الأخيرة (والتي كانت تحمل على متنها فريقاً من مراسلي السي إن إن).
كان رد الولايات المتحدة مصمماً لمنع الصين من خلق أمر واقع قد يغلق أجزاءً كبيرة من بحر الصين الجنوبي. ورغم هذا، فإن السياسة الأصلية التي تقوم على عدم التورط في النزاع على السيادة تظل منطقية. والمفارقة هنا هي أن فشل مجلس الشيوخ الأميركي في التصديق على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقاضي الصين أمام المحكمة الدولية لقانون البحار بسبب الجهود التي تبذلها لتحويل الشعاب المرجانية إلى جزر والمطالبة بمناطق خالصة من الممكن أن تتداخل مع حق المرور الحر -الذي يشكل مصلحة كبرى للولايات المتحدة.
ولكن، لأن الصين صادقت على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، والولايات المتحدة تحترم المعاهدة باعتبارها قانوناً دولياً عرفياً، فإن الأساس قائم للدخول في مفاوضات مباشرة جادة لتوضيح خط النقاط التسع الغامض والحفاظ على حرية البحار. وبالاستعانة بالدبلوماسية اللائقة، يصبح في الإمكان تجنب الصراع بين الولايات المتحدة والصين في بحر الصين الجنوبي.

*أستاذ في جامعة هارفارد، وأحدث مؤلفاته كتاب "هل انتهى القرن الأميركي؟".
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق