"وهران للفيلم العربي" يختتم فعالياته

"جوق العينين" و"أنا مع العروس" يحصدان "الوهر الذهبي"

تم نشره في الأحد 14 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً
  • المطرب اللبناني مروان خوري خلال الحفل الذي احياه في مهرجان وهران - (الغد)

إسراء الردايدة

وهران- مع إسدال الستار على الطبعة الثامنة من مهرجان "وهران للفيلم العربي" بفوز الفيلم المغربي "جوق العينين" لمخرجه محمد مفتكر، كانت النتائج مفاجئة بعض الشيء للجمهور والمشاركين على حد سواء.
فيلم "مفتكر" يدور في حقبة زمنية قديمة تعود إلى السنوات الأولى من حكم الملك الحسن الثاني بعيون طفل صغير يكتشف الحب والعلم من خلال أحاسيس الموسيقى والمحيط.
الفيلم يحمل شاعرية ورمزية كبيرة من خلال استمرارية عمل مخيلة الطفل في حي محمدي في الدار البيضاء، حيث كانت المقاومة الفنية والثقافية متواجدة.
ويسرد الفيلم سيرة درامية مفتوحة من خلال أوركسترا تدعي العمى أحيانا لإحياء حفلات في الصالونات النسائية، فهو أشبه بدعوة للطفولة والمراهقة.
والفيلم أشبه بقصة ورواية سيرة ذاتية، تنعكس في تطوير خطة تصوير المشاهد وتحفيز الإثارة النفسية وتحديدا في الخلط بين الحلم والواقع وصولا لمشاهد الكوميديا الاجتماعية.
والفيلم في زمانه ومكانه محدود للغاية، وكل مشهد في حياة الطفل "ميمو" خاصة في كتابة الحروف والحساب، وكأنه يشكل ذاته وقراراته، فيما المشهدية العامة تحمل شاعرية بفواصلها.
والأهم أن الفيلم مقسم لمرحلتين هما؛ مرحلة تفتح عينيه وكشف الستار عن حيلة اوركسترا المكفوفين وانهيار عالمها، وعبوره لمرحلة أخرى حيث يرى عالمه ينهار بمرض والده ومن ثم تمزق الفرقة الموسيقية بوفاة والده التي ينتج عنها شعوره بالوحدة.
"جوق العينين" يحمل نوعا من الحنين للماضي التي تكشف ربما أسرار تلك الحقبة الزمنية، من خلال مخيلة طفل تكشف الحب والسياسة والموسيقى التي تختفي وراء نظارات الموسيقيين لإخفاء الحقيقة.
الفيلم يحمل تناقضات بكل شيء؛ بصورته ومشاهده التي تحمل فواصل وقتية لكل منها دلالة لكشف مرحلة أخرى في حياة الطفل ميمو، إلى جانب سيناريو متين وعميق، فيه استحق الفيلم الجائزة الكبرى.
فيما نال الفيلم الجزائري التجريبي "راني ميت" للمخرج ياسين محمد بن الحاج جائزة لجنة التحكيم الخاصة التي ترأسها هذا العام الناقد السينمائي ابراهيم العريس.
ويروي الفيلم قصة أب سارق لا يملك مالا ويطلب منه ولده شراء قناع غوريللا له، فيسرق سيارة يكتشف سريعا أنها لقاتل معروف لن يرحمه.
وكان للفيلم المصري "بتوقيت القاهرة" للمخرج امير رمسيس جائزتان هما؛ جائزة "الوهر الذهبي" لأفضل سيناريو، وجائزة أفضل ممثل عن دور نور الشريف.
و"بتوقيت القاهرة" يضحك المشاهد ويبكيه، ويبتسم غالبا رغم صعوبة وحساسية بعض المواقف. التي تتقاطع عبر حكايا مختلفة، لكل واحد منها هوية خاصة بها، وتحمل روحا وجزءا من المحيط، رغم بعض التشويش والحشو الذي وقع في الفيلم.
وتتواصل أحداث الفيلم من خلال ظهور رجل مسن يعاني من مرض فقدان الذاكرة أو ألزهايمر بدور "يحيى شكري مراد"، ولعب دوره الممثل نور الشريف، يعيش مع ابنه المتشدد الذي يرى في والده رجلا مجنونا وعارا، لأنه يفقد ذاكرته ويعيده الآخرون للمنزل، بينما هو يعيش حبيس ذكريات قليلة ومعلومات تغافله فتتركه تائها في محيط كطفل لا حول له ولا قوة؛ حيث يبحث عن حب في صورة قديمة لممثلة ونجمة شهيرة معتزلة.
وفي الجهة الأخرى، تأتي قصة الممثلة المعتزلة "ليلي" التي لعبت دورها ميرفت أمين، التي تبحث عن خلاص لبدء حياة جديدة والزواج، لكن أولا يتوجب عليها الخلاص؛ أي الطلاق وفقا للفتوى العبثية التي تجعل من أي ممثلين كانوا متزوجين في فيلم زوجين على أرض الواقع بفعل شهادة الجمهور، لتصبح سجينة أفكار متشددة غير واقعية باحثة عن طلاق من "سامح" الزوج الافتراضي حتى تتزوج من رجل آخر.
ليلى ويحيى شكري مراد "ميرفت أمين ونور الشريف"، تتقاطع طريقهما في بحث كل منهما عن حب حياة وذكريات جديدة جميلة تذكرهما بالزمن الذي كان جميلا، يعانيان من تشدد بيئة حولهما لا تقدران مكانتهما، فليلى تواجه زوجا وابنة، يحكمان عليها بعملها الذي طالما كانت مبدعة فيه، ويرونه مبتذلا مقابل أب يرى في والده عارا وكل أفعاله تجرمه رغم تشدده الديني الذي يدعو في الأصل إلى البر بالوالدين.
أداء نور الشريف لشخصية يحيى شكري مراد، يظهر تأثر رمسيس بالمخرج يوسف شاهين، فهو الاسم الذي استخدمه شاهين في أفلام تناولت سيرته الذاتية، وهنا تظهر التحية المخصصة للزمن الجميل والفن، وصولا للمشاهد التي تجمع بين سامح وليلي "ميرفت أمين وسمير صبري" في شقته، فتعيد الذكريات مشاهد الأفلام التي جمعتهما بمرافقة أغنيات شكلت خلفية موسيقية للعمل بصوت شادية التي تعكس تفاصيل العلاقة بين الشخصيات في الفيلم.
وعبر عودة الأسماء المشاركة بالفيلم من خلال تعاون بين جيلين مختلفين يجمع بين نور الشريف وسمير صبري وميرفت أمين وأيتن عامر وشريف رمزي ودرة وكندة علوش، فإن ذلك يؤكد النهايات المفتوحة لكل شخصية في مصيرها في زمن يوم واحد، تقع فيه الأحداث في مدينتين هما الاسكندرية والقاهرة، يكشف العطاء والإبداع وأن سحر السينما لا يخبو عن مرحلة عمرية أو ليس حكرا على أسماء معينة.
أما الممثلة السورية الجزائرية صباح الجزائري، فنالت جائزة أفضل ممثلة عن دورها في شريط "الأم" للمخرج باسل الخطيب. شريط الخطيب يتناول معاناة ستة اخوة في حضور جنازة والدتهم في إطار الحرب الدائرة في سورية.
فيما الفيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما ومن بطولة سلاف فوارجي وصباح الجزائري وديما قندلفت ونورا رحال ولينا حوارنة وسوزان سكاف.
الدلالات الرمزية لهذا الفيلم تحمل أبعادا مختلفة تعكس واقع ما يجول في سورية اليوم من أحداث سياسية صعبة، ربطها المخرج بسبب غياب الأبناء عن حضور مراسم دفن الأم التي تعيش في منطقة واقعة تحت سلطة النظام. ويصور في أحداثه ابنا محبوسا وآخر معارضا هاربا وثالثا يدرس في الخارج ورابعا لا يعلم بوفاة الأم، فيما الأخت مقاطعة لمواقفها السياسية وأخرى قتلت جراء القصف ورابعة لا يعلم أثرها أين اختفى.
"الأم" يصور حال الأمهات السوريات في كل أرجاء سورية، وحال كل من يعيش تحت الحرب في منطقة نزاع بين الهرب من الواقع والانعتاق من إرث الماضي للعيش بسلام بإنسانية، وحتى الهرب من الضغوطات التي كانت حال غالبية النازحين السوريين الذين هربوا من الرعب والخوف، وقرروا البدء بحياة في مكان آخر، ولكن الحنين للوطن أعادهم رغم كل ما يجري فيه، لأن الغربة أصعب من مخاطر القصف وغيرها.
وفي الأفلام القصيرة، كانت الجائزة الكبرى لفيلم المخرجة التونسية هند بوجمعة عن فيلمها "وتزوج روميو جوليت" نظرا لتكامل عناصره الفنية، وتوظيفة للإيقاع السينمائي في إبراز واقع وإيقاع حياة. ولتعبيره عن عناصر هذا العالم بصياغات سينمائية متماسكة وبمستوى تمثيلي متميز.
ويتناول الفيلم غياب الرومانسية بعلاقة زوجين بعد مضي فترة طويلة على زواجهما، فيما المرأة هي عماد المنزل والحياة، ليلتقط حياة الملل والرتابة بعد مضي نصف قرن على زواجهما.
وأظهرت المخرجة أن الحب والمشاعر الرومانسية تفقد أوجها في خضم الحياة الرتيبة في 18 دقيقة، كانت كافية من خلال الصورة وكلمات الحوار المحدودة أن تعبر ببلاغة عن هذا الواقع المرير وسخرية سوداء.
فيما منحت لجنة التحكيم للأفلام القصيرة كلا من فيلم المخرج المغربي عبد الإله الجوهري "ماء ودم" إشادة خاصة وشهادة تقدير، وفيلم المخرج الجزائري أنيس جعاد "الممر" جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
أما مسابقة الأفلام الوثائقية فمنحت لفيلم "أنا مع العروسة" الذي أخرجه كل من غابرييل ديل غراندي وخالد سليمان الناصري وانطونيو اوجوجليارو، وهو يوثق لوقائع اللجوء السوري إلى أوروبا وسبق ونال العديد من الجوائز.
شريط الناصري يلتقط معاناة المهاجرين غير الشرعيين وفي الوقت نفسه القوانين الدولية لمن يساعدهم، لكنه أبقى على الجانب الإنساني بحس عال مع أسئلة كثيرة تطرح نفسها عن مدى القدرة على تحمل مثل هذه الأوضاع والدافع لها وكيف يواجهون قرارات الرفض وحتى القدرة على الاندماج.
"أنا مع العروسة" يحمل توصيفا دقيقا للخيارات المطروحة لشخصياته المشاركة التي لم يكتب لها أي سيناريو بل ارتجال في رحلة حضر لها بشكل جيد وكل مشاهدها مفصلية؛ حيث منحت شخصياته كامل الحرية للتحرك والتفاعل مع الكاميرا بصدق.
ويحتل مهرجان وهران للفيلم العربي مكانة خاصة كونه الوحيد في المنطقة الذي يمنح الفيلم العربي مساحة ليتنافس في مسابقاته الثلاث، وجاءت الدورة الأخيرة لتكون تحت شعار "الواقع في دور البطولة".
أما الضيوف الذين حضروا فكانوا مفاجأة للمشاركين في حفل الختام منهم المغني اللبناني مروان خوري الذي أحيا حفلا ضخما في الهواء الطلق، وحضور الشاب خالد في حفل الافتتاح، فضلا عن النجوم الممثلين من العالم العربي منهم يحيى الفخراني ومحمود حميدة وليلى علوي وسلاف فواخرجي ووفاء عامر ووليد توفيق وصباح الجزائري والمخرج المخضرم محمد لاخضر حمينة الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان "كان" قبل أربعين عاما عن فيلمه "وقائع سنين الجمر".

التعليق