شريان حياة للتضامن الأوروبي

تم نشره في الثلاثاء 16 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • قارب مليء بالمهاجرين الأفارقة الذين يحاولون وصول أوروبا بطرق غير شرعية - (أرشيفية)

آنا بلاسيو*

مدريد - الآن تتكشف فصول مأساة إنسانية في البحر الأبيض المتوسط، حيث يخاطر مئات الآلاف من اللاجئين بحياتهم، ويفقدونها في الكثير من الحالات، سعياً إلى الفرصة للعثور على الملجأ في أوروبا. والواقع أن الكيفية التي يستجيب بها الاتحاد الأوروبي لهذه الأزمة أمر مهم، ليس فقط لأسباب إنسانية؛ بل وأيضاً لأن استجابته سوف تكون بمثابة المؤشر لمستقبل الاتحاد ذاته. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يزن الأمور على النحو الصحيح.
إن التحديات التي تواجهها أوروبا وفيرة. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، واجهت سلسلة بدت وكأنها بلا نهاية من الاختبارات، بما في ذلك أزمة مالية حلت على منطقة اليورو بالكامل، وغزو روسيا لأوكرانيا، وتجدد المخاوف بشأن عجز اليونان عن سداد ديونها، واحتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولكن لا شيء من هذا أثار من التساؤلات الجوهرية حول معنى الاتحاد الأوروبي قدر ما أثارته المناقشة الدائرة حالياً بشأن الهجرة.
من المؤسف أن الجهود حتى الآن كانت غير متناسبة. فقد تحرك الاتحاد الأوروبي بسرعة في أعقاب غرق أكثر من ألف مهاجر في واقعة مروعة في نسيان (إبريل)، فضاعف ميزانيته المعيبة المخصصة لعمليات المراقبة البحرية إلى ثلاثة أمثالها ووسع منطقة العمليات بحيث تضاهي عملية "مير نوستروم" الإيطالية التي لم تستمر. وقد أثمرت هذه الخطوة بالفعل، فشهدنا عدداً غير مسبوق من عمليات الإنقاذ في أواخر الشهر الماضي.
وكانت مبادرة أخرى -"أجندة الهجرة" التي اقترحتها المفوضية الأوروبية- أقل صراحة ووضوحاً. فهي تقدم خليطاً من التدابير بدرجات متفاوتة من التفاصيل. ويتلخص فرع مهم ومثير للجدال من هذه الأجندة في خطة العمل ضد تهريب المهاجرين، والتي ربما تتضمن استخدام القوة العسكرية لوقف قوارب المهاجرين. وقد شكك المنتقدون في شرعية الخطة، وخطر الأضرار الجانبية، والأمر الأكثر أهمية مدى فعالية التدخل المسلح في وقف عمليات الإتجار بالبشر.
وهناك أيضاً الموضوع المزعج المتمثل في احتمال تسبب مثل هذه المبادرة المبهرجة، من خلال خلق انطباع بأن الاتحاد الأوروبي يتخذ خطوات حقيقية، في تميكن الاتحاد الأوروبي وبلدانه من تجنب الالتزام الطويل الأجل والتدابير غير المحبوبة شعبياً التي تستلزمها الاستجابة الفعّالة لمثل هذه الأزمة. والواقع أن الاتحاد الأوروبي كان حتى الآن يركز إلى حد كبير على تدبير رمزي: نظام نقل وإعادة توطين طالبي اللجوء على مستوى الاتحاد الأوروبي.
للوهلة الأولى، ربما يبدو نظام إعادة التوطين -الذي من شأنه أن ينقل أربعين ألفاً من طالبي اللجوء من إيطاليا واليونان إلى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي، مع تحديد التوزيعات وفقاً لعوامل مثل الناتج المحلي الإجمالي، وعدد السكان، ومعدل البطالة- ربما يبدو أشبه بخطوة حقيقة ملموسة. لكننا إذا ما علمنا أن إيطاليا وحدها تلقت أكثر من 63 ألف طلب للجوء ونحو 170 ألف مهاجر غير شرعي في العام الماضي، فسوف يتبين لنا أن تأثير البرنامج سوف يكون ضئيلاً للغاية.
يهدف اقتراح المفوضية الأوروبية إلى التأكيد على التضامن الأوروبي وتقاسم الأعباء، وكل منهما مبدأ أساسي للاتحاد الأوروبي. ولكن نطاق الخطة المحدود يقوض هذا الانطباع.
والأمر الأسوأ هو أن الاستجابة للخطة -مع اختيار بعض البلدان الأعضاء عدم المشاركة في البرنامج؛ واعتراض بلدان أخرى على كيفية قياس الحصص؛ واتخاذ أخرى موقفاً مناهضاً لفكرة أن الاتحاد الأوروبي لابد أن يقترح نظام حصص في الأساس- تشير في ما يبدو إلى أن كل دولة سوف تقرر بنفسها. وعبر كل هذه المناقشات، كان الخط الفاصل بين طالبي اللجوء والمهاجرين لأسباب اقتصادية غير واضح.
من الواضح أن هذه المشاحنات في مواجهة المعاناة الإنسانية الواسعة النطاق والتي لا يمكن إنكارها تتناقض مع القيم الأساسية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تعهده بالالتزام بالنظام الدولي القائم على القواعد. وهي تعكس أيضاً الاتجاه المزعج الذي يؤثر على مؤسسات الاتحاد الأوروبي: فقد أصبحت مصالح البلدان الفردية طاغية بشكل متزايد على الوحدة والتعاون.
والمشكلة هي أن العديد من الأوروبيين ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره موزعاً للفوائد، أو كياناً مخيفاً، أو معوقاً -وليس شيئاً ملزماً بأي حال من الأحوال. ومع امتداد الأزمة المالية، وإضعاف تبادل الاتهامات بين البلدان الأعضاء لحس الانتماء لمجتمع واحد يشكل أسس الاتحاد الأوروبي، تسبب تحدي اللاجئين في تفاقم الانقسام الخطير. وبدلاً من تعزيز أساساته بالتضامن والتعاطف تَصَدَّع الاتحاد.
الواقع أن المصلحة الأوروبية المتمثلة في إطلاق استجابة فعّالة للأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من القيم. فمع تولد قدر كبير من الضغوط المالية بسبب الشيخوخة السكانية السريعة، يصبح لدى بلدان الاتحاد الأوروبي حافز اقتصادي قوي لقبول المزيد من المهاجرين. ولكن يبدو أن التحديات في الأمد القريب التي قد يفرضها القيام بهذا تحجب الحقيقة.
ولكن تحدي اللاجئين ليس قضية قصيرة الأمد. بل على العكس من ذلك، سوف تتفاقم الأزمة وتزداد عمقاً، مع مواجهة الدول في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا العنف المستمر، والفقر، والانهيار الحكومي. ففي ليبيا وحدها، ينتظر ما يقدر بنحو نصف مليون إلى مليون مهاجر إضافي المرور إلى أوروبا. لقد حان الوقت لإعادة المبادئ إلى موقعها الصحيح قبل السياسة. ويتعين على زعماء الاتحاد الأوروبي أن يتعهدوا بشكل واضح ببذل كل ما يلزم لمعالجة أزمة اللاجئين -حتى إذا كان ذلك يعني الدفع بتدابير، مثل توسيع خيارات الهجرة القانونية، والتي لا تحظى بأي شعبية. ومن الممكن لتسهيل التنفيذ أن يعمل الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء على إطلاق حملة لتثقيف عامة الناس حول الفوائد المترتبة على نظام الهجرة الأكثر مرونة واستجابة.
يجب التأكيد على أن أي استجابة لن تكون كافية من دون التزام متواصل بمعالجة دوافع الهجرة الجماعية -وهذا يعني الإصلاح الشامل لسياسة جوار الاتحاد الأوروبي. وينبغي للسياسة الجديدة أن تركز على المساهمة في خلق الفرص الاقتصادية في البلدان حيث ترتفع معدلات البطالة بين الشباب، حتى يكف الشباب عن الشعور بأن المخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا هي السبيل الوحيد إلى المستقبل.
كل هذا سوف يتطلب التزاماً مستمراً يستند إلى شعور قوي بالغرض المشترك. وإذا لم يقف الأوروبيون صفاً واحداً في معالجة تحدي الهجرة، فإن أعداداً أخرى لا تحصى من البشر سوف يغرقون في البحر الأبيض المتوسط وسوف يستمر الاتحاد الأوروبي في التفكك. الأمر بهذه البساطة.

*وزيرة سابقة لخارجية إسبانيا، ونائبة سابقة لرئيس البنك الدولي، وعضو مجلس الدولة الإسباني، ومحاضرة زائرة في جامعة جورجتاون.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق