د. جاسم الشمري

قواعد عسكرية ودمار وطن!

تم نشره في الثلاثاء 16 حزيران / يونيو 2015. 12:04 صباحاً

القواعد العسكرية واحدة من الأدوات الفعّالة التي تستخدمها الدول العظمى في بسط نفوذها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية في مناطق مختلفة من هذا العالم الشاسع، وبالذات المواقع ذات الأهمية الجيوسياسية.
والولايات المتحدة الأميركية، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نشرت عشرات القواعد العسكرية في أرجاء العالم، منها قواعد ثابتة ومتحركة في ألمانيا واليابان والخليج العربي، وغيرها من البقاع المهمة في قارات العالم الخمس.
قبل احتلال العراق في العام 2003، لم يكن لأميركا أي تواجد عسكري على أرض العراق، وكانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين -على الرغم من قصرها النسبي- قائمة على الاحترام وتبادل المصالح، حتى مرحلة انقطاعها بعد الغزو العراقي للكويت.
بعد احتلال العراق في العام 2003، رتبت الولايات المتحدة عشرات القواعد العسكرية الثابتة في بلاد الرافدين. وهناك بعض خبراء يؤكدون أن أعداد تلك القواعد قد تجاوزت المائة، فيما يؤكد آخرون أنها لا تزيد على خمسين قاعدة. وأظن أن الرقم الأخير أقرب للواقع؛ وذلك لأن تلك القواعد بنيت في معسكرات الجيش السابق، وقواعد القوة الجوية، وهي بمجموعها مقاربة للإحصائية الثانية.
في العام 2008، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية أمنية مع حكومة نوري المالكي عرفت باسم "سوفا"، للحفاظ على مصالحها بعد انسحابها المرتقب حينها. وهي بالوقت ذاته تشكل ركيزة أمنية مهمة لحكومة بغداد للحفاظ على العملية السياسية من المخاطر المحيطة بها.
الاتفاقية تضمنت بنوداً عائمة وغير دقيقة، يحق بموجبها للولايات المتحدة أن تتواجد بسقف زمني غير محدد في الأراضي العراقية.
وسبق أن نشرتُ دراسة حول هذه الاتفاقية ذكرتُ فيها أنه: "ورد في الفقرة الخامسة من المادة الرابعة: "يحتفظ الطرفان بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق، كما هو معروف في القانون العراقي النافذ".
وهذا يعني أن القوات الأميركية المتواجدة حالياً، والقادمة مستقبلاً، تمتلك -بموجب هذه الاتفاقية- "السلطة القانونية" للعبث بأرواح العراقيين بحجة "الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق"!
حينما وُقعت الاتفاقية الأمنية "سوفا"، أُثيرت بشأنها موجة من الانتقادات الشعبية والسياسية من قوى معارضة للحكومة، على اعتبار أنها تمثل احتلالاً مفتوحاً متوقعاً في أي لحظة، وهذا ما بدأنا نلمسه هذه الأيام.
ففي الأسبوع الماضي، كشف رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي، عن استراتيجية بلاده لمحاربة تنظيم "داعش"، مؤكداً أن "خطة "ورد النيل" تتضمن إنشاء قواعد عسكرية جديدة في العراق، وأن الخطة التي أعلنتها واشنطن مؤخراً لتأسيس قاعدة لقواتها في معسكر التقدم قد تستخدم في أماكن أخرى في العراق". والغريب أن البيت الأبيض أعلن في اليوم التالي: "عدم وجود خطط جاهزة حالياً لفتح المزيد من القواعد في العراق"!
تصريحات ديمبسي لم تأت من فراغ، وليست اجتهاداً شخصياً، لأن الرجل هو رئيس أركان الجيش الأميركي، والولايات المتحدة هي دولة مؤسسات لا يمكن فيها لأي مسؤول أن يتحدث من جعبته الخاصة. وهذا يعني أن هناك قراراً أميركياً بالعودة ثانية إلى العراق، خصوصاً أن تصريح ديمبسي جاء قبل يومين من تأكيد الرئيس باراك أوباما أن أميركا سترسل 450 عسكرياً إضافياً للعراق.
التواجد الأميركي على أرض الرافدين لن يحقق مصالح العراقيين، وإنما مصلحة أميركية كبرى للحفاظ على توازن القوى في المنطقة، ولديمومة مصالح الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط. وربما هو إجراء فني لتعويض فقدانها -المتوقع- لبعض قواعدها في المنطقة نتيجة الرفض الشعبي لهذا التواجد مقابل الترحيب الحكومي العراقي بمثل هذه القواعد.
تواجد هذه القواعد سيزيد من تعقيدات المشكلة العراقية، وسيدخل العراقيين في نفق أطول من النفق الحالي، وأكثر عتمة منه. فالقواعد الجديدة لن تساهم في حسم الخلافات بين العراقيين، لأن أصل المشكلة العراقية أنها مشكلة سياسية قبل أن تكون أمنية.
ولا ندري إلى أين تريد الولايات المتحدة جرّ العراق، وهي التي أدخلته في مأزقه الحالي؛ فهل ما خسرته بلاد الرافدين لم يُشبع أطماع الكارهين للعراق وأحقادهم؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ردود الكاتب على التعليقات (د. جاسم الشمري - كاتب المقال)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    شكرا لكل الاحباب في الغد الاردنية، واود ان ارد على تعليقات القراء الكرام:
    أولاً: الفاضلة ابتسام
    شكرا لك على هذه الكلمات المميزة، الامريكان قادمون لا محالة لا نهم يختلقون الاعذار اليومية من اجل تحقيق هذا الهدف الشرير. شكرا لك
    ثانيا: الفاضلة ياسمين الشام شكرا لك والمؤامرة كبيرة على الجميع، فعلا كما قلت
    المسالة سياسية ..واستعمارية. و مصالح حكومات .. وتصارع قوى.. وتجارة في الدين والسلاح..
    شكرا لك مع وافر تقديري.
    ثالثاً: الاخ (سعد الحيدري) شكرا لك
    اشكرك على ثناءك على مقالي وفعلا الترابط الواضح بين القواعد العسكرية أو التواجد الأمريكي في أصله وبين خراب ودمار الوطن.
    شكرا لك
    رابعاً:الفاضلة دانية شكرا لك وفعلا كما قلتي أن أمريكا التي تصف بديمقراطيتها وهي أشبه بعصا البلياردو التي تحرك الكرات بدقة متناهية
    أمريكا بلد تسفك الدماء بأسلحة باردة وفي الوقت نفسه حادة
    وأن العراق فكان ومازال لقمة الصياد الموجودة في السمك عرفت كيف تصل لنقطة ضعفه والدليل هشاشة الحكومة الحالية
    تحياتي لك واحترامي
    رمضان كريم لجميع الاحباب وكل عام وانتم بالف الف خير
  • »روعة المقال (ابتسام الغالية)

    الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2015.
    عند الانتهاء من قراءة المقال أردت أن أعلق على ماجاء بالمقال لم أجد مااعلق عليه بحثت بين السطور علني أجد منفذ أو ثغره ممكن أن أدخل من خلالها أو اجعلها بداية لتعليق الااني لم أجد
    فعلا روعة المقال الذي غطى على جميع جوانب موضوعه لم يترك مجالا للاضافة حتى اني لم ارى بعض الأقلام التي كانت تعلق باستمرار على مقالاتك يادكتور لم تعلق هذه المره اضن لنفس السبب الذي ذكرته آنفا
    من يقراء المقال بتمعن يجد انك صغته بدقة متناهية كصياغة الحلي
    تحليلك بخصوص مافعله وسوف يفعلوا الأمريكان في بلدي لم يستطيع حتى الخبير الاستراتيجي أن يحلل مثله
    مختصر الكلام ياسيدي الكاتب والمحلل كتبت فابدعت نشد على يدك ونتمنى لك الموفقية في كل متكتب مستقبلا
  • »اطماع العالم في بلادنا.. (ياسمين الشام)

    الثلاثاء 16 حزيران / يونيو 2015.
    انا اوافقك الرأي أن القوات الأميركية المتواجدة حالياً، والقادمة مستقبلاً، تمتلك -بموجب هذه الاتفاقية- "السلطة القانونية" للعبث بأرواح العراقيين بحجة "الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق"! .. وسوريا وسائر الوطن العربي.. وهذا للاسف الكل يعرفه.. ولگن المصالح الشخصية للعرب اهم من ارواح الناس..
    ولكن السؤال .. الى متى؟! ..والى اين سينتهي. هذا الوصع !؟
    المسالة سياسية ..واستعمارية. و مصالح حكومات .. وتصارع قوى.. وتجارة في الدين والسلاح..
    ومين يفهم…
    شكراااااااا
  • »وصف دقيق (سعد الحيدري)

    الثلاثاء 16 حزيران / يونيو 2015.
    العنوان المختار لهذا المقال دقيق جدا ويختصر المسألة ويفسر المشهد بمجمله حيث الترابط الواضح بين القواعد العسكرية أو التواجد الأمريكي في أصله وبين خراب ودمار الوطن.
    تحليل موفق للدكتور العزيز
    تحياتي
  • »جراح وطن (دانية)

    الثلاثاء 16 حزيران / يونيو 2015.
    شكرا جزيلا د.جاسم على المقال الواقعي عن حقيقة أمريكا التي تصف بديمقراطيتها وهي أشبه بعصا البلياردو التي تحرك الكرات بدقة متناهية
    أمريكا بلد تسفك الدماء بأسلحة باردة وفي الوقت نفسه حادة
    الكل يصمت أمامها ﻷن دولنا العربية وضعت اصابعها تحت اسنان أمريكا
    اما العراق فكان ومازال لقمة الصياد الموجودة في السمك عرفت كيف تصل لنقطة ضعفه والدليل هشاشة الحكومة الحالية
    الحديث طويل عن معاناة العراق لكن في الختام أملنا بالله العزيز القدير أن تتبدل الأحوال ﻷحسنها ولاننسى حكمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال رمح الله فإطمئنوا فإن رمح الله لاينكسر.تحياتي لجنابك الموقر واعذري إن خالط ما كتبته الواقع فقلةبنا تدمي على عراقنا