أحكام الردّة: هل أضيفت إلى الدين؟

تم نشره في الجمعة 19 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً

إبراهيم غرايبة

مقابل مائتي آية في القرآن الكريم تؤكد على حرية الإنسان في الاعتقاد والدين؛ وحقيقة أن الرسول لم يقتل مرتدّا لأنه ترك الإسلام، برغم كثرة هؤلاء في سيرة الرسول، كما أنه لم يحاسب منافقا وهو يعلم المنافقين بأسمائهم، فلا يعقل أن تنهى الرسول الآية القرآنية عن الصلاة عليهم إلا أن يكون يعرفهم، وذلك بعدما صلى على عبدالله بن أبيّ وهو يعلم نفاقه، برغم ذلك يحتج منفذو ومؤيدو عمليات الصلب والتسلط والتعذيب باسم الدين والخروج عليه، بحديث رواه البخاري ".. ومن بدل دينه فاقتلوه".
أحكام القتل بسبب تغيير الدين مؤكدة وصريحة في التوراة. ومنها القصة المذكورة في سفر الخروج، ويؤيدها القرآن، عن قتل الذين عبدوا العجل. وفي سفر التثنية مطالبة بقتل من يدعو إلى دين آخر رجما بالحجارة. والأمثلة عن قتل المرتد ورجمه في التوراة كثيرة.
وطبقت أحكام الردة (الهرطقة) في تاريخ المسيحية على نطاق واسع. ويعرّف القانون الكنسي المهرطق بأنه من ينكر بعد تلقي العماد، إحدى الحقائق التي يجب اعتبار أنها تتعلق بالإيمان الإلهي، ما يعني بالضرورة التمييز بين الكافر والمرتد (المهرطق). ويعاقب المهرطق اليوم بالحرمان الكنسي، ويحظر دفنه في مقابر المسيحيين.
لكن قبل ذلك، كانت الكنيسة تدير سلطة دينية وتنفيذية هائلة، طالت بالحرق والصلب والقتل أعدادا كبيرة ممن اعتبروا مرتدين. وتمثل محاكم التفتيش والحروب والصراعات الدينية، نموذجا مروعا في معاقبة المخالفين، أو إلباس المخالفين السياسيين تهما بالردة الدينية.
ويبدو أن أنظمة معاقبة المرتدين أو المخالفين دينيا أو سياسيا، ورثها الحكام المسلمون من الإمبراطورية البيزنطية. وتكاد تكون النماذج الإسلامية التاريخية في مقاتلة ومحاسبة المخالفين على أساس تهم دينية، مطابقة للتاريخ البيزنطي والنصوص التوراتية، ولا سند إسلاميا لها سوى الحديث المشار إليه!
ومن أشهر التطبيقات المروعة للردّة، قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي. فقد قتله الخليفة العباسي الواثق، بنفسه لأنه لا يقول بخلق القرآن، وعلق رأسه في بغداد، وكتب بجانبها: هذه رأس أحمد بن نصر، دعاه الإمام الواثق أمير المؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجل الله به إلى النار.
ثم، وفي عهد المتوكل، أدار الحنابلة الذين أنشأوا في ذلك الحين تسمية "أهل السنة والجماعة"، عمليات انتقامية واسعة من المعتزلة. وقبل ذلك، قتل خالد بن عبدالله القسري، والي هشام بن عبدالملك على الكوفة، المعتزلي الجعد بن درهم ذبحا في المسجد، في أول أيام عيد الأضحى، معتقدا أنه يقدم قربانا إلى الله (أضحية). وقتل صلاح الدين الأيوبي الفيلسوف المتصوف شهاب الدين عمر السهروردي (586 هـ). وقتل من المتصوفة أيضا الحلاج، أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج (922م). أما العلماء والفلاسفة الذين لحقهم السجن والتعذيب وتحريق كتبهم، فهم كثير، مثل ابن رشد وأبو حيان التوحيدي والكندي.
لقد اتخذت الردّة، على مدى التاريخ الإسلامي والديني بعامة، ذريعة أساسية للصراع والحروب والقتل والاضطهاد؛ فلجأ إليها الحكام والسلاطين على الدوام لقتل واضطهاد وتهديد وإسكات المعارضين، ولجأت إليها المعارضات السياسية لأجل الثورة والتمرد.
وتستند اليوم الجماعات الدينية المتشددة في خروجها على الدول والمجتمعات والقوانين، إلى التراث المستمد من قصص وأحكام القتل والإعدام والسجن بحق المخالفين. وهي بذلك تحاججنا بالتراث الذي نؤمن به وندعو إليه، فندفع من ثم ثمن التسلط والتحريف الذي مارسناه (الدول والمجتمعات)، فيطبق علينا الخوارج ما طبقناه على الناس.
لم يعد مقبولا اليوم الاستمرار في التبرير والتهرب من ضرورة رفض محاسبة أحد على معتقده أو رأيه الديني. وقد حان الوقت لإعلان بطلان محاسبة أو معاقبة أو حرمان أحد بسبب رأيه أو موقفه الديني. وما في قانون الأحوال الشخصية الأردني من تطبيقات وأحكام تتعلق بالزواج والميراث والشهادة والحضانة على أساس ديني، ليس سوى تسلط وتمييز ينسب زورا إلى الدين. ولا يمكن التصديق أن الرسول الذي لم يقتل أحدا بسب تغيير دينه، يطلب من الناس أن يقتلوه، ولا يعقل أبدا أن يظل هذا الحديث المنسوب للرسول أقوى من عشرات الآيات ومن المنطق. بل إنه يمكن القول إنه فقه وتطبيق ينطوي على شرك بالله، فهو تألّه وادعاء بشري بحق إلهي لا يختلف في شيء عن الزعم بألوهية أحد من البشر أو الدعوة إلى عبادة وتقديس لبشر لم يأذن به الله. فالإيمان والمحاسبة عليه أمر متعلق بضمير الإنسان الذي لا سلطة لأحد عليه، ولا يعقل أن يحاسب عليه أحد غير الله!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فكر ثاقب (مصطفى صبري)

    السبت 20 حزيران / يونيو 2015.
    أحسنت يا أستاذنا الكبير بهذا التحليل والرؤية والبصيرة الحادة التي وصلت إلى أعماق الجوهروالحقيقة الدينية بهذا الخصوص.