إضاءات رمضانية

الجليس الصالح ترتاح إليه النفس وتنتعش معه الروح

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • على المرء أن يجالس من يرى في مجالسته ومؤاخاته النفع له في أمر دينه ودنياه - (أ ف ب)

عمان- الغد- إن أعظم ما يعين المسلم على تحقيق التقوى، والاستقامة على نهج الحق والهدى، مصاحبة الأخيار، ومصافاة الأبرار، والبعد عن قرناء السوء ومخالطة الأشرار.
لأن الإنسان بحكم طبعه البشري يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله، والمرء إنما توزن أخلاقه، وتعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه، كما قال عليه الصلاة والسلام "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"، رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه "ما من شيء أدل على شيء؛ من الصاحب على الصاحب"، وليس غريبا أن يعتني الإسلام بشأن الصحبة والمجالسة أيما عناية، ويوليها بالغ الرعاية، حيث وجه الرسول عليه الصلاة والسلام، كل فرد من أفراد الأمة إلى العناية باختيار الجلساء الصالحين، واصطفاء الرفقاء المتقين، فقال عليه الصلاة والسلام "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي".
كما ضرب عليه السلام للأمة مثل الجليس الصالح والجليس السوء بشيء محسوس وظاهر، كل يدرك أثره وعاقبته، ومقدار نفعه أو ضرره.
فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه أن النبي قال "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجليس السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً".
وفي هذا الحديث صورة حية صادقة للجليس، فالجليس الصالح هو الذي ترتاح إليه النفس ويطمئن به الفؤاد وتنتعش الروح طربا لحديثه وتنعم بمجالسته وتسعد بصحبته، وقد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم ببائع الطيب الذي ينفحك بعطره ويغمرك بنشره فإما أن يهديك وإما أن تجد عنده ريحا طيبة فأنت معه في ربح دائم ونشوة غامرة.
أما جليس السوء فليس هناك أبلغ من تشبيهه بالحداد الذي ينفخ بكيره فأنت معه في خسارة دائمة فإن لم يحرقك بناره، آذاك برائحة دخانه، فصحبته همٌ دائمٌ وحزنٌ لازم.
وللإمام ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث "فيه النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما".
لذا .. فإن من الحزم والرشاد، ورجاحة العقل وحصافة الرأي، ألا يجالس المرء إلا من يرى في مجالسته ومؤاخاته النفع له في أمر دينه ودنياه، وإن خير الأصحاب لصاحبه، وأنفع الجلساء على جليسه من كان ذا برٍّ وتقى، ومكارم أخلاق، ومحاسن آداب، وجميل عوائد، مع صفاء سريرة، ونفس أبية، وهمّة عالية،  فمن وفق لصحبة من كانت هذه صفات وأخلاقه، وتلك شمائله وآدابه، فذلك عنوان سعادته، وأمارة توفيقه.
وإن شر الأصحاب على صاحبه، وأسوأهم أثرًا على جليسه، من ضعفت ديانته وساءت أخلاقه، من لا همّ له إلا في تحقيق مآربه وأهوائه، ونيل شهواته ورغباته، وإن كان على حساب دينه ومروءته، ولربما بلغ الحال في بعض هؤلاء ألا يقيم للدين وزنًا، ولا للمروءة اعتبارًا، ولا يرى للصداقة حقًا، فمؤاخاة هذا وأمثاله ضرب من العناء، وسبيل من سبل الشقاء؛ لما قد يجلبه على صاحبه وجليسه من شر وبلاء بصده عن ذكر الله وطاعته، وتثبيطه عن مكارم الأخلاق ومقتضيات المروءة، وتعويده على بذاءة اللسان والفحش في الكلام، وحمله على ارتكاب أنواع من الفسق والفجور والأخذ به في سبيل اللهو واللعب، وضياع الأوقات فيما يضر ولا ينفع من أنواع الملهيات والمغريات.
فمن شقاء المرء أن يجالس أمثال هؤلاء الذين ليس في صحبتهم سوى الحسرة والندامة؛ لأنهم ربما أفسدوا عليه دينه وأخلاقه، حتى يخسر دنياه وآخرته، وذلك هو الخسران المبين، والغبن الفاحش يوم الدين، كما قال سبحانه:  وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّـالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً   ياوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً   لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ الشَّيْطَـانُ لِلإِنْسَـانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].
فاتقوا الله  عباد الله .. واسلكوا سبيل الراشدين، وانهجوا نهج المهتدين في مؤاخاة الصالحين، ومجالسة المتقين، والحذر من مجالسة الفاسقين والظالمين، فقد قال سبحانه: الاْخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ
وختاما من أعظم نعم الله على العبد المؤمن، أن يوفقه لصحبة الأخيار، ومن عقوبته لعبده، أن يبتليه بصحبة الأشرار، صحبة الأخيار توصل العبد إلى أعلى عليين، وصحبة الأشرار توصله إلى أسفل سافلين، وصحبة الأخيار توجب له العلوم النافعة، والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، وصحبة الأشرار تحرمه ذلك أجمع {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً}

د. حسن تيسير شموط
عضو جمعية رابطة علماء الأردن

التعليق