"الحوار أفقا للحياة": في سبيل استعادة الضمير الإنساني الكوني الحضاري

تم نشره في الجمعة 26 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً

نارت قاخون

حين بدأ الإنسان سيرة الوجود، أدرك الضرورة الحيويّة لوجوده في مستوى الموجوديّة والديمومة؛ فهو يحتاج الطعام ليحيا ويقوى، ويطلب البيت للسكن والمأوى. فأخذ يلتمس من الموجودات ما يؤمّن الشبع خوفاً من الجوع، وما يضمن الأمن خوفاً من الاعتداء. وكلّما زاد ازدحام المنافسين على مصادر الضرورة الحياتيّة، زاد خوف الإنسان على نفسه. ومع تدافع الإنسان مع أخيه الإنسان، كما بني الحيوان؛ وفي ظلّ تجاذبات الوفرة والندرة، انتقل الإنسان من تأمين الحاجة اليوميّة إلى منطق الوفرة والادخار، فازدادت الحاجة وزاد الخوف معها.
ولأنّ الخوف يستدعي ضده الأمن مطلوباً، سعى الإنسان إلى تأمين احتياجاته. فبدأ بإقامة "الجدران"؛ جدران يحمي فيها ما يدّخر من طعام، وجدران يحمي فيها نفسه من غائلة الحيوان أو الإنسان.
وفي لحظة ما، تأنسن الإنسان بالعقل واللسان، فاهتزت وتخلخلت علاقته المباشرة مع الموجود، لتصبح اللغة ونسقها العقلي نسقاً رمزيّاً يتوسّط وجوده والوجود الكونيّ. ولأنّ الخوف، بما مثّله من دافع للوجود الحياتيّ، انتقل إلى طور الخوف الوجوديّ المحمّل بأنساق اللغة والعقل وحمولاتها الرمزيّة، فقد صار "الخوف" قرين لحظة الأنسنة، وأحد أبرز دوافع التجلّي الوجودي الإنسانيّ منذ أن تأنسن الإنسان. فالخوف غرائزيّاً، كان "الرذيلة" الضروريّة "لفضيلة البقاء والوجود والديمومة". وحين أنشأ الإنسان لعوالم الموجود أنساق الوجود الرمزي، نقل الخوف من الغريزيّة إلى السيكولوجيّة، ثم الوجوديّة الأنطولوجيّة التي لا تنفصل تجوهراتها وتمظهراتها عن دوافع "سيكولوجيا الخوف" وانبعاثاته. فالحضارة الإنسانيّة في مقاماتها الماديّة، بدأت مع "الجدران والأسوار"، وكذلك فإنّ الخبرة الميتافيزيقية والرمزيّة للإنسان نشأت مع "الجدران والأسوار"، داخلها أو خارجها، لكن دوماً بوجودها.
ولأنّ الخبرة الميتافيزيقية والرمزية للإنسان تنشأ دوماً في وجود الجدران والأسوار، كان يجب لهذه الجدران والأسوار أن تتمتع بالقوة والحصانة اللازمتين لتأمين "الأمن الوجوديّ والرمزيّ"، في مقابل الخوف على هذا المنتج الإنسانيّ العزيز بل الأعزّ. ولعلّ الخبرة الإنسانيّة لم تجد أفضل من سمتين تحقّقان له هذه المتانة الجداريّة، وهما: اليقين، والتعميم.
فإذا كان جدار القنّ والحظيرة والبيت والمدينة، يُختبر ويؤمن بما فيه من قوّة وصلابة تمنع "الطارئ الدخيل" من اختراق الحيّز المكاني للذات الفرديّة والجماعيّة، فإنّ "اليقينيّة" هي ذلك الجدار الواقي الحامي الذي يحول دون اختراق حيّز "الجماعة" الرمزيّ الفرديّ والجماعيّ من الطارئين الآخرين. فالنسق الرمزيّ الذي أنتجته "الجماعة"، أو أُنتج لها، لا يحفظ نفسه إلا بيقين أنّه النسق الرمزيّ الأفضل والأصوب، بل هو "الصواب" والصواب فقط. فاليقينيّة آلية جداريّة تعمل باتجاهين؛ ما داخل الجدار، وما خارجه. فما داخل جدر "الجماعة" الرمزيّة هو الصواب يقيناً، وما خارج جدرانها الرمزيّة هو الخطأ يقيناً.
حينها يصبح "التعميم" ضرورة لحماية "اليقينية"؛ فما نفع الجدار اليقينيّ ما لم يكن جميع المقيمين داخل الجدر الرمزية لجماعة ما على "الصواب يقيناً"، وكلّ آخر هو مخطئ يقيناً؟ فيصير "عدواً محتملاً" لا بدّ من حماية "رأس المال الرمزي" من أخطاره ومحاولة اختراقه.
في ظلّ هذه الجدارية اليقينية التعميمية، تظهر الحاجة للأبواب في الجدر والأسوار. فالإنسان، رغم رغبته في الاكتفاء الذاتيّ أو الجماعيّ المحكوم بنسق رمزي جامع مهيمن، يجد نفسه مدفوعاً للتدافع مع أنساق رمزيّة أخرى. فالمدن مهما اكتفت بحاجاتها، لا تصبر على الإقامة داخل أسوار مغلقة وجدران محكمة من دون الحاجة إلى الخروج من داخل هذه الأسوار إلى خارجها، بحثاً عمّا لا يتوفّر لها داخل الأسوار، أو بحثاً عمّا هو أفضل ممّا تجده وتُنتجه داخل أسوارها. كما لا تستطيع منع كلّ وافد إلى مدينتها يحمل بضاعة لا تجدها عندها. فتبادل المنافع والاغتناء والتّطوّر في الاحتياجات، يدفع سكّان المدن المسوّرة إلى خرقها بأبواب.
وإذا كانت الأبواب في الجدران والأسوار ضرورة حياتيّة، فإنّ الأبواب في جدران النسق الرمزي المعرفيّ ضرورة معرفيّة وجوديّة، ومن هذه الأبواب: الحوار.
الحوار بوابة التواصل بين الذات والآخر؛ خرق في الجدران والأسوار يسمح بانسياب البدائل الرمزيّة بالاتجاهين. لكن بوابة الحوار لا تستطيع تحقيق غاياتها الإنسانيّة والحضاريّة، ما لم تكن بشكل من الأشكال شرخاً في جدار اليقينيّة، وحصراً وترشيداً لفتنة التعميم وإغرائه. فالحوار مع بقاء اليقين صلباً لا يتزحزح، والتعميم راسخاً لا يتأرجح، يحوّل الحوار من بوابة تواصليّة إلى بوابة توصيليّة، ومن بوابة تشاركيّة إلى بوابة تغالبيّة، غايتها أن نُدخل "الآخر" إلى نسقنا الرمزيّ عبر القهر الرمزيّ الذي نسميه حواراً، أو إقصاء هذا النسق الرمزيّ الآخر إن لم نستطع تحويله وقهره ليصير جزءاً من نسقنا الرمزيّ.
لذلك، لا يصير الحوار مدخلاً وأفقاً للحياة واستعادة للضمير الإنسانيّ، إلا إذا اشتغل في تدافع فاعل إيجابيّ بين مقصدين: إثبات أنّ نسقنا الرمزيّ هو الأفضل، والبحث عن النسق الرمزي الأفضل. فالمقصد الأول ينشأ في ظلّ فرض يقول: الأغلب أنّنا على صواب؛ والثاني ينشأ في ظل فرض يقول: الآخر يُمكن أن يكون على صواب. ولعلّ ذلك يتمثّل فيما يُروى عن الشافعيّ: قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
وحول هذين المقصدين وبينهما، تظهر تجليّات حواريّة؛ قد تجنح لتطرّف تشكيكيّ أو تطرّف يقينيّ. فقد يأتي من يقول: لا صواب على الحقيقة في شيء دون شيء، وهذا القائل إمّا أن يتطرّف في نفي الصوابيّة، فيقول: لا صواب في شيء، أو أن يتطرّف في إثبات الصوابيّة، فيقول: الصواب في كلّ شيء.
ورغم ما يظهر من رحابة حواريّة في هذين التطرفين، إلا أنّها رحابة تضحي بالصواب نفسه، وإمكانية إدراكه في سبيل التواصل الحواريّ، وعندها يصير "الحوار" مقصداً بذاته لا غاية وراءه إلا الحوار؛ مجرّد الحوار.
ولا يخفى عليّ أنّ لهذا التوسّع الحواري إغراءات، لما يسم أنصاره بالانفتاح و"التسامح" واتساع الأفق. لكن ألا يؤدي هذا التوسّع الحواريّ إلى لزوجة وسيولة تماهي بين ثنائيات وتضاديات، لا سبيل لبقاء السيرورة الإنسانيّة والصيرورة الحضاريّة إلا ببقائها؟ أليس تمييع "الصواب" هو في النهاية تصويب للخطأ؟ أليس في تسييل "العدل" تمكين للظلم من التسرّب والاستقرار والنماء؟
إنّ النسبيّة الجذريّة؛ تشكيكية كانت أم تصويبيّة، تجعل "المعنى" الكامن وراء الوجود الإنسانيّ لانهائياً. واللانهائيّة وجه اللاوجوديّة الآخر. وبين لانهائيّة من جهة ولاوجوديّة من جهة، تظهر الحاجة لأفق الممكنات الذي لا يتطرّف باليقين ووقاحته، أو اليأس السلبيّ وخطورته. فلم يزل هناك للمعنى عيارات تضبط القيمة الممكنة في الدلالات المقترحة، تقرّب بعضها للصواب، وتقرّب أخرى للخطأ.
وفي مقابل هذه "النسبيّة الجذريّة"، يتطرّف آخر يرى اليقين الدائم بصواب قوله، ولا يرى نتيجة ممكنة للحوار إلا أن "يقنع" أو يقهر" غيره ليقول بقوله. فالحوار عنده وسيلة لجلب الأتباع لا لاختبار الأقوال وتمحيصها وتعديلها، بل ردّها إن لزم، ويصبح شعاره "ولن نرضى عن الآخرين حتى يتّبعوا ملّتنا"!
هنا يظهر "الحوار" بوابة خروج لآفاق الحياة؛ حوار جدليّ جادّ إيجابيّ، جدلٍ يتجاوز تطرّفين: التوقّح الدوغماتي اليقيني واليأس السلبيّ الارتيابيّ، وقاحة التجرّؤ اليقينيّ في كلّ شيء، واليأس من معرفة أيّ شي وإدراك منسوب صوابيّته، ويتجاوز "الاحتفاليات الشكليّة" و"حوارات فنادق الخمسة نجوم الاستعراضيّة".
فالحوار باب لا يمنع كلّ راغب خير أو مالكه من دخول جدران مملكتنا الرمزيّة وأسوارها، لكنها لا تسمح للمحتلّ الطامع أن يقتحم مملكتنا الرمزيّة فيعمل فيها معاول الهدم، لا ليهدم ما يستحقّ الهدم، بل ليهدم ما نحتاج من أبنية رمزيّة لتحقيق وجودنا وديمومة البقاء الوجوديّ ماضياً وحاضراً. فإذا كان "المحتل والطارئ" منحازاً لأنساقه، فلا نقابله بحياد سلبيّ، بل بانحياز إيجابيّ لا يُهدر القيم النفعيّة لما في أنساقنا، ولا يتعامى عن القيم النفعيّة في أنساق غيرنا.

التعليق