أبو هشهش بين النهر والغابة.. ينثر أحلامه على الطريق إلى الكتابة

تم نشره في الاثنين 29 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 29 حزيران / يونيو 2015. 01:10 صباحاً
  • إبراهيم أبو هشهش- (من المصدر)

عزيزة علي

عمان- الدكتور إبراهيم أبو هشهش يرسم طريقته في الحب والعزلة، متدفقا بموسيقى تبهج القلب، وتثير الحواس لهدأة تشتعل في جوانحها المفاتن واللذاذات، تلك التي تمنح المبدع في عزلته يقين التفتح مع الصباحات كأغنية مشرقة.
• أي الأمكنة التي تجتاحك رائحتها الآن، وترغب بقضاء عزلة مؤقتة فيها؟
المكان الأول الذي يملأ وجداني وأعتبره "جغرافيا الروح"، هو جبال الخليل الجنوبية التي كانت مرتع طفولتي ومراهقتي وصلتي الأولى والأقوى بالطبيعة والحياة والأدب أيضا، فهناك كنت أختلي بنفسي لقراءة الكتب التي أحصل عليها، أو ألقي لنفسي قصائد الشعر العربي التي أستظهرها. إلا أن هذه الأماكن لم تعد الآن للأسف كما كانت؛ فقد التهمها العمران أو المستوطنات الإسرائيلية والطرق الالتفافية.
ولكن لو قيض لي أن أختار مكانا أقضي فيه عزلة طوعية لاخترت أن يكون بين النهر والغابة، وبما أن ذلك لا يوجد في بلادنا فإن ذهني ينصرف مباشرة إلى مكان يقع إلى الشمال الغربي من مدينة بامبرغ في مقاطعة فرانكن الألمانية. كنت أقود دراجتي الهوائية مدة ساعة ونصف الساعة تقريبا على طول نهر الريغنتز إلى مكان يقع قبيل التقاء الريغنتز بنهر الماين المهيب، حيث ينفسح سرير النهر قليلا في منبسط يتصل بالتلال التي تغطيها غابات من الصنوبر والسرو والتنوب والبلوط والبتولا.
هناك كنت أجلس بالقرب من النهر والغابة من خلفي؛ حيث كنت أقضي ساعات طويلة في القراءة والتأمل، فلا شيء يبعث السكينة في نفسي أكثر من مشهد الغابة التي تجاور نهرا هادئا منسابا، ومن رائحة النهر الأليفة التي تحمل معها رائحة أوراق أشجار جار الماء المتساقطة على سطح الماء. ولم يكن يقطع علي هدوئي سوى مرور سفينة نهرية طويلة بين فترة وأخرى، أو صوت نقار الخشب في الغابة، أو سمكة تقفز من الماء لاقتناص حشرة محوّمة. على حافة الغابة كان يقوم كوخ من خشب الصنوبر مخصص للإجازات والعطل، وفيه أود لو أقضي عزلتي هذه. وأود لو يكون ذلك في فصل الخريف لكي يتسنى لي أن أشهد مهرجان الألوان في الغابة.

• في مثل تلك العزلة، ثمة كتاب تحن إلى قراءته بهدوء، أي الكتب تود مرافقتك هناك؟
أود إعادة قراءة كتب أحببتها حين قرأتها للمرة الأولى قبل زمن طويل. أحب مثلا أن أصطحب معي كتاب "موبي ديك" لميلفل بترجمة أستاذنا إحسان عباس، والمجموعة الكاملة لمؤلفات يحيى حقي، ورواية "رجال وفئران لشتاينبك"، و"الجبل السحري لتوماس مان" بـ(الألمانية) والمجموعة الكاملة لقصص "ماري لؤيسه كاشنتز". ومختارات من أشعار "ريلكه"، وإذا طالت العزلة أكثر، فلا بد أن أصطحب أيضا نسخة من "ألف ليلة وليلة"، وبعض كتب التراث العربي والفلسفة الغربية، ومجموعة من الروايات العالمية المترجمة إلى العربية.
• في العزلة، نحتاج لصفاء تام. يقال إن الموسيقى تأخذنا إليه، فأي موسيقى تهدهد روحك هناك؟
أحب الاستماع عادة إلى بعض أغاني عبد الوهاب وفيروز. ولكني أفضل أن يكون معي مذياع جيد أفتحه على الإذاعة الثقافية من دويتشه فيلله؛ فهي تبث على مدار اليوم أجمل المقطوعات الموسيقية العالمية وخاصة الكلاسيكية منها. يتخلل ذلك عرض يومي للكتب ومقابلات مع كتاب ومفكرين ونشرات إخبارية موجزة للغاية.
• ما هي أجمل الصور التي تحب أن تراها في عزلتك؟
أحب رؤية أعمال رسامين عالميين، وأفضل بشكل خاص الفن الساذج مثل أعمال جون براك، وبيترا موللر، وراضي نيدلشييف، ومن الفن الرومانتيكي أحبكاسبر ديفيد فريدريش الذي رسم الطبيعة الألمانية الخلابة بروح ميلانخولية تقرن الجمال بكآبة شفيفة. وأفضل أن تكون معي كتالوجات لأعمالهم أتأمل فيها بين حين وآخر. وأن أشاهد بين حين وآخر فيلما عن الحياة اليومية في المدن الأميركية خاصة إذا كانت ميشيل بفايفر تلعب بطولته النسائية، أو أي فيلم لروس كرو أو روبرت دي نيرو.
• ستكون وحيدا، لو جنت العزلة ورفضت بقاءك مع نفسك وكتابك وموسيقاك، فأي الأشخاص تختار أن يكون قريبا منك؟
إذا كان سيرافقني في هذه العزلة أشخاص أحبهم فلن تكون هذه عزلة حقيقية؛ لأننا سنقضي الوقت في الثرثرة والحوار، ولن يتسنى لي الوقت الكافي للتأمل والقراءة. ولكن في الوقت نفسه أحب لو يكون هؤلاء الأشخاص على قرب معتدل من مكان عزلتي ليتسنى لنا الالتقاء بين حين وآخر.

إبراهيم أبو هشهش أستاذ الأدب الحديث المشارك في جامعة بير زيت ورئيس دائرة اللغة العربية فيها، ناقد ومترجم، صدر له عدد من الدراسات النقدية والكتب المترجمة عن الألمانية.

aziza.ali@alghad.jo

التعليق