د. جاسم الشمري

من يعتقل حمائم العراق؟!

تم نشره في الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015. 12:04 صباحاً

قبل أكثر من أسبوعين، نشرت صحيفة "تايمز أوف إنديا" الهندية، خبراً طريفاً مفاده أن السلطات الهندية اعتقلت "حمامة" طائرة، قيل إنهم "يشكّون بأنها مرسلة للتجسس لصالح باكستان، وحاملة رسالة في قدميها، وسلكاً يشبه جهاز تجسس صغيرا".
وقالت السلطات الهندية إن "الحمامة رُصدت على مقربة من الحدود الباكستانية، وتحمل علامات تشير إلى عنوان ورقم هاتف، وأن الرسالة مكتوبة بلغة الأوردو، اللغة الرسمية لباكستان، ورقم الهاتف يعود لرقم باكستاني".
وما تزال الحمامة محتجزة في الهند، وتم تسجيل دخولها السجن تحت بند "جاسوس مشتبه به".
هذه الحكاية فيها الكثير من الرسائل المهمة. منها، القدرة على التنبه للتراسل الدقيق بين الدول. وبغض النظر عن محتوى تلك الرسالة، إلا أن المهم هنا هو القدرة الاستخباراتية في كشف تحركات الطرف المقابل، والإمكانات العالية في حفظ الأمن، سواء من قبل الأجهزة الأمنية، أم من قبل المواطنين الذين هم العين الساهرة لحفظ الأمن في المجتمعات كافة.
هذه الحكاية أجبرتني على مراجعة واقع المنظومة الأمنية العراقية، حيث لا يخلو شبر من هذه البلاد من ضحية لجاسوس محلي أو أجنبي، والدليل استمرار الاعتقالات الكيدية بسبب المخبر السري "الجاسوس المحلي"، والتفجيرات والاغتيالات من قبل الجاسوس الأجنبي والمحلي.
حينما راجعت الموقع الإلكتروني لـ"دائرة المخابرات العراقية"، وجدت أن واجبات هذا الجهاز بحسب المادة (9) من الدستور، هي: "جمع المعلومات، وتقييم التهديدات الموجهة للأمن الوطني، وتقديم المشورة للحكومة العراقية، ويعمل وفقاً للقانون وبموجب مبادئ حقوق الإنسان المعترف بها".
قبل الاحتلال، كانت هناك رهبة حقيقية من الاقتراب من قضية التجسس، وذلك بسبب الانتماء الحقيقي للوطن، والخوف من العقوبات الصارمة لمرتكبيها، باعتبارها خيانة عظمى. واليوم، لا توجد إحصاءات حكومية أو أجنبية دقيقة عن الجواسيس في العراق.
وفي نهاية شباط (فبراير) الماضي، صرح وزير كبير في حكومة حيدر العبادي، رفض الكشف عن هويته، لإحدى الصحف العربية، حول "رصد الحكومة لنشاط استخباري واسع في مختلف المدن العراقية، لمصلحة 16 دولة أجنبية، ليس بينها أية دولة عربية، وأن العشرات من العراقيين يعملون مع تلك الدول في جمع المعلومات، التي زودتهم بأجهزة اتصال فضائية (ثريا)، لتوفير معلومات يومية حول ما يحصل في مناطقهم، حتى بات العراق مكشوفاً أمامهم، فقد تصل المعلومات الاستخبارية لتلك الدول قبل أن تصل إلى حكومة بغداد، فيما نحن عاجزون عن وضع حد لهذا الموضوع، وحتى إذا قررنا معالجته، فلن نستطيع الآن".
وفي ضوء هذه الخروقات الأمنية العلنية والمعترف بها حكومياً، يحق لنا أن نتساءل: أين هو دور الأجهزة الأمنية والاستخبارية أمام هؤلاء العابثين بأمن ومستقبل الوطن والمواطن؟!
أظن أن الدوائر الأمنية المعتبرة هي التي تتمتع بمزايا دقيقة، منها:
- الشجاعة في قول كلمة الحق، والجرأة في تنفيذ الواجبات المنوطة بها.
- أن تكون هذه الأجهزة عاملة -بكل إمكاناتها- على بسط العدل والخير بين المواطنين، عبر الدقة المتناهية في تقييم الأحداث، والابتعاد عن مواطن الظنون والتبليغات الكيدية.
- السهر على أمن المواطنين بمطاردة الأشرار والإرهابيين.
- الحيادية في العمل، وعدم الكيل بمكيالين بين المواطنين، والابتعاد عن المؤثرات الذاتية والشخصية والحزبية القاتلة لحب الوطن لدى المواطن، وبالمحصلة خلق جيل غير محب للبلد.
- القدرة الفنية والأخلاقية على الحفاظ على كرامة المواطن؛ لأن المواطن الذي يشعر أن كرامته مهانة في بلده لا يمكن أن يكون عامل بناء في المجتمع.
الواقع الحالي للمنظومة الأمنية العراقية يؤكد أنها مقصرة -إن لم تكن عاجزة- في إيقاف تفشي هذا الدمار، ومساهمة في عدم إنصاف المواطن وحمايته. وأعتقد أن من مسؤوليتها -إن كانت تنتمي لبلدها- أن تكثف جهودها لإيقاف أنواع الإرهاب الرسمي كافة، والقضاء على التخريب السياسي والأمني والقضائي والاقتصادي والثقافي والإداري، وجميع هذه الآفات منتشرة في بلادنا اليوم.
وتبقى كذبة "محاربة الإرهاب" هي المدخل لمزيد من الظلم والتناحر والتباغض بين العراقيين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ردود كاتب المقال (د. جاسم الشمري / كاتب المقال)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    رمضان كريم وكل عام وانتم بالف الف خير
    ادناه ردودي على تعليقات الاخوة القراء:
    أولاً: الفاضلة ابتسام، شكراً لك، واتمنى لك التوفيق.
    فعلاً الوضع الأمني في العراق لا نحسد عليه مع كثرة الجهات الامنية الاانها مجردة من المسؤولية، بل مشاركة في بعض الاحيان في المؤامرة.
    وأنا اتفق معك على ان المواطن العراقي صار يتمنى أن يعدي يومه على خير
    حفظ الله بلاد الرافدين وأهله من شر جواسيس هذا الزمان
    تحياتي لك واحترامي.
    ثانياً: الفاضلة دانية:
    شكرا جزيلا لك
    صحيح ان ما يجري في العراق هو بسبب تمتع العراق بالكثير من الثروات وأهمها الثروة والطاقة البشرية.وكذلك هنالك مشاريع استراتيجية يراد تنفيذها في المنطقة
    تحياتي لك واحترامي.
    ثالثاً:
    الاخ حمدي الدليمي شكرا لك
    رحم الله بلادنا العربية وحماها من شر الجواسيس.
    تحياتي لك واحترامي.

    رابعاً: الفاضلة باسمة النمر
    اتفق معك على انه لا حياة لمن تنادي وأن العراق وفلسطين وسوريا انشغلت الحكومات بمصالحها الشخصية والحزبية.
    شكرا لك تحياتي واحترامي.
    خامساً: العراقي الاصيل
    شكرا لك.
    واتفق معك بخصوص جرائم المخبر السري في العراق وهي احيانا تكون لدوافع شخصية وغالبيتها كيدية، باطلة.
    تحياتي لك واحترامي.
    سادساً: الاخ الحبيب (نوفل الماشطي الحسيني)
    تحية طيبة لك.
    صحيح ان المواطن في العراق ليست له اي حقوق فقط نقرأها بالدستور ولكن لاتطبق على ارض الواقع ابدا فالقبض على الابرياء كيفي واعتباطي ومعاقبتهم تتم حسب الاهواء والامزجة والتهم دائما جاهزة وهذا غيض من فيض .
    تحياتي لك واحترامي
    ختاماً اتمنى لقراء الغد السلامة والامن والامان
  • »أحسنت (مكي النزال)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    مقال مختلف بنكهة الرمز
    أحييك دكتور
  • »المخبر العلني (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    من خلال قراءتي للمقال استوقفني موضوع الحمامه التي تم اعتقالها وهذا يبين لنا إلى أي مدى ساءه الوضع الأمني في بعض مناطق العالم
    حيث أدى هذا الوضع إلى تغير طبيعة الحماءم التي طالما أطلق عليها انها حماءم السلام
    هذا مايعكس لنا الوضع المتردي لهذه البلدان مما أدى إلى جعل البرىء مجرما في نظر غرابيل الشؤم
    أما بخصوص الوضع الأمني في العراق فلا يحسد عليه مع كثرة الجهات الامنيه الاانها مجرده من المسؤليه وحماية الآخرين
    نرى هذه الجهات الامنيه دائما تصطاد بالماء العكر إيقاع الآخرين في شباكها هو كل همها الإساءة إلى المواطن هو عملها
    لكثرة وضع مخبرين سريين بدأ المواطن يتجنب الحديث بصوت عالي كي لايتم اعتقاله أو كي لايتعرض إلى اتهامه بالمحرض أو يعمل ضد الدوله
    أن التجسس في بلادي أصبح عمل علني بعد ماكان التجسس عمل سري
    ولأنه أصبح علني لذا نراه غير مجدي ولا يؤدي الغرض الذي وضع من أجله وهو الحفاظ على أمن الدوله وحماية المواطن وتوفير وضع أمني يشعر بوجوده ابن البلد
    ختام الحديث تعددت وسائل حفظ الأمن لكنها خلت من توفير الأمان
    ياسيدي دولة بدون أمن يعني دوله بدون أمان وفي حالة فقدان الأمان يتم فقدان العيش الرغيد لأي مواطن في هذا البلد
    أصبح المواطن في العراق يتمنى أن يعدي يومه على خير
    حفظ الله بلاد الرافدين وأهله من شر جواسيس هذا الزمان
    وحفظكم ياسيدي الكاتب أن موضوع مقالك لاتحده سطور فهو موضوع مفتوح ومتشعب ومتعدد الإتجاهات وكل سطر فيه يجرنا إلى سطرا آخر
    أن المنظومة الامنيه هي عماد أي بلد بفقدانها يفقد البلد ديمومة البلد
    نثمن جهودك في اختصاره بهذه الأسطر التي أعطت للموضوع حقه
  • »التواصل المعنوي (دانية)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    ممالايخفى على الجميع ما يحيط بالعراق من أسهم تتقاذفه في كل جوانبه على الرغم من الوضع السيء وتهديم البنية التحتية لحضارة عمرها تجاوز عشرات السنين ومحاولة استغلاله فهذا يدل على تمتع العراق بالكثير من الثروات وأهمها الثروة والطاقة البشرية.الإنسان العراقي معروف بحبه للعلم حتى وإن كان أميا وحبه للعمل حتى لو كان لايحمل شهادة جامعية
    سياسة التجويع مازالت موجودة بالعراق على الرغم من تغير اﻷنظمة السياسية
    يحتاج الشعب من حكومته التواصل المعنوي والاحساس بيهم لو حدث ذلك سيكون العراق في مقدمة الدول السريعة التطورلكننا ابتلينا بحكومة تزهق اﻷرواح بأسلحة كاتمة
    شكراً جزيلا د.جاسم
  • »الجواسيس وضياع الامة (حمدي الدليمي)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    صح لسانك مقال حلو، اصلا ما الذي ضيعنا وضيع قضايانا الا الجواسيس الله يرحم فلسطين ولبنان وليبيا ومصر واليمن والعراق، الجواسيس في كل مكان
  • »من يصطاد الغربان السود في الأوطان (باسمة نمر)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    مقال رائع ..ولكن هل هناك من يسمعك..فلا حياة لمن تنادي..
    في العراق..في فلسطين ..في سوريا..وفي كل بلدٍ اسلامي إعتدى عليه الغرب ..انشغلت الحكومات بالكراسي وأصبحوا عبيد للعدو..
    لو أن هناك عينٌ ساهرة ، وفكر واعي..وتخصيص جماعات متخفية تحت ستار أشخاص مدنيين لمراقبة الغربان السود وخفافيش الليل..لسلمت
    الأوطان من غدر االأعداء ..لكن كيف ..وعندنا حاميها حراميها ..الجهل عند المواطن في التضحية لأجل الوطن معدوم وقد تجرد منه وأصبح القرش ..أو الدولار ..او ماشابه اغلى من الوطن../ تحياتي
  • »المخبر السري (عراقي اصيل)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    اولا بارك الله بك يادكتور دائما تتحفنا بمقالاتك الرائعة التي تحكي مايدور في بلدي .. ثانيا شدني ماقلته من عبارة كذبة محاربة الارهاب .. وما يعمله المخبر السري في ابن بلده والله هناك فقط عداوات بين فلان وفلان ويقوم بالتبليغ عنه ويلفق له انواع التهم .. هذا مايدور في بلدي .. بوركت يمناك سيدي .. مع التحية
  • »تعليق (نوفل الماشطي الحسيني)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015.
    مقال جيد وراقي ومختصر لواقع العراق الامني وهذا الكلام كان من الممكن المحاججة به من اناس يحترمون المواطن ولكن كما يعرف كاتب المقال الهمام وبقية مواطني العراق ان المواطن في العراق ليست له اي حقوق فقط نقرأها بالدستور ولكن لاتطبق على ارض الواقع ابدا فالقبض على الابرياء كيفي واعتباطي ومعاقبتهم تتم حسب الاهواء والامزجة والتهم دائما جاهزة وهذا غيض من فيض ...ولا اطيل وشكرا لكاتب المقال على مقاله الرائع ......