ما الذي يبقي حماس في الحكم؟

تم نشره في السبت 4 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

هآرتس

عميرة هاس

3/7/2015

بعد سنة من وعد حماس لمرة أخرى، الجمهور بأن تنتهي الحرب بالنصر، وبأنه بذات الطريقة ستحرر القدس، فإن الغالبية الساحقة من سكان غزة باتت تعترف منذ الآن بصوت عال، بأن هذه كانت هزيمة مريرة. بعد أكثر من سنة من موافقة حماس على حكومة المصالحة الوطنية، على أمل أن بهذه الطريقة ستنجو من الاعباء المدنية والمالية للسيطرة، ولكن ليس من السيطرة نفسها، تضطر لأن تفرض على الجمهور التعِب والعاطل عن العمل ضرائب شراء لا توجد مثلها في الضفة الغربية، كي تمول النشاط الجاري لمكاتبها وموظفيها.
وتطالب حماس الان أيضا من الشركات التي تدفع ضرائبها في رام الله، أن تدفع لها ايضا. وبعد أقل من سنة من بث مؤتمر المانحين الاكبر في القاهرة الامل في الجمهور، في إصلاح الأضرار المادية، وبالتالي انتعاش سوق العمل ايضا، فان الأضرار ومعوقي الحرب والجرحى الكثيرين هم مشهد عادي، معدل البطالة هو الاعلى في العالم، 43 %، البطالة بين الشباب تبلغ معدل 60 %، ونحو نصف سكان الجيب المحاصر يقولون انهم يريدون الهجرة. أما معدل من يعانون من الصدمة، او للدقة، الصدمة المستمرة، فيصعب احصاؤه كميا. ومع ذلك، تواصل حركة حماس الحكم.
ليس فقط غياب آلية تغيير الحكم، أي الانتخابات، يسمح لهذه الحركة الاسلامية بمواصلة الامساك بالخيوط، ولا حتى حقيقة أنه يمكن دوما القول إن الاحتلال مسؤول عن كل شيء. ما يبقي حماس في الحكم عمليا في القطاع يشبه ما يبقي فتح في الحكم في الضفة، أكثر مما كانت الحركتان الخصمتان مستعدتين للاعتراف به، ورغم الفوارق. فرغم محاولاتهما التشهير كل بصورة الأخرى في نظر الجمهور، فكلتاهما متجذرتان في المجتمع الفلسطيني وفي قياداته.
 حماس هي حزب حديث، مع استمرارية ومؤسسات تؤدي دورها حتى عندما تهاجمها إسرائيل، ومع آليات معقولة من التشاور واتخاذ القرارات الداخلية بشكل مشترك. النزعة الدينية تواصل بعث الثقة الجماهيرية الأساسية فيها. فتح هي حركة مصابة بمرض وظيفي، زعامي وقيمي، تتبع حكم الفرد المطلق اكثر من أي وقت مضى، ولكن قدرتها على المرونة الفكرية مناسبة للجمهور، بكونها "سوبر ماركت" آراء وانماط حياة.
اضافة إلى ذلك فإن الناس متعلقون بوجود السلطة بصفتها رب العمل الأكبر. حركتا الحكم تحتاجان لوسائل القمع والتخويف من اجل اسكات النهوض والانتقاد ومن أجل اسكات مؤيدي الخصم: ويتم هذا أحيانا بأساليب أكثر رقة، واحيانا أقل رقة. والاغلاق الإسرائيلي يجعل وسائل التخويف والاسكان لدى حماس اكثر نجاعة: ليس هناك مكانا للهروب اليه.
ويقول عضو في حركة الجهاد الإسلامي في الخليل لـ"هآرتس، "ان قيام السلطة الفلسطينية كان مصيبة. وحل السلطة الفلسطينية سيكون مصيبة أكبر". وقصد الخوف من فقدان الامن الشخصي والنزاعات العشائرية والشخصية، التي من شأنها أن تتدهور إلى صدامات بين عصابات مسلحة، بغياب الشرطة الفلسطينية. واضح أن مؤيدي فتح سيقدمون تبريرا مشابها لابقاء السلطة الفلسطينية، التي كان يفترض أن تحل في 1999، مع نهاية الاتفاق الانتقالي. بينما عضو القيادة السياسية في حماس قال لـ"هآرتس" إننا في غزة "لا نترك الحكم لأننا نشعر بأننا مسؤولون عن سلامة الجمهور، نحن نخاف من الفوضى التي ستنشأ في القطاع". ورغم حل حكومة المصالحة قبل أيام، إلا أنهم ما زالوا يتحدثون عن اقامة حكومة مصالحة جديدة، أي حكومة تربط نظريا بين غزة والضفة. واذا لم تقم حتى ولو ظاهريا، فإن الخيوط الرقيقة القليلة التي لا تزال تربط بين المجتمعين ستنقطع هي ايضا. وهكذا فإن ثلاثة أجهزة حكم ضعيفة- السلطة الفلسطينية، حماس وحكومة المصالحة- تحت الحكم الاعلى الإسرائيلي، تخلق عمليا مبنى ثلاثي كل ضلع فيه يعزز الاخر.
نحو 40% من الميزانية الجارية للسلطة الفلسطينية في رام الله، التي تعاني ايضا من عجز عضال بمعدل 40 %، تحول لدفعات مختلفة في غزة: رواتب هي بدل بطالة عمليا لعشرات الاف موظفي القطاع العام، الذين بأمر من محمود عباس، لا يعملون منذ 2007؛ مجموعات الرفاه الاجتماعي المختلفة؛ الكهرباء والسولار اللذين يشتريان من إسرائيل؛ وتحويلات المرضى للعلاج في إسرائيل وفي الضفة. وحتى عندما كان حكم حماس في ذروة قوته ويتمتع بمداخيل جارية من اقتصاد الانفاق، لم توقف السلطة الفلسطينية تحويل الرواتب والمخصصات وتمويل العلاجات الطبية.
صحيح أن معظم الاموال مخصصة للموالين للسلطة، ولكن في مجتمع ذي تقاليد التكافل العائلي وحين يكون في كل عائلة يعيش مؤيدو المنظمات المتخاصمة، فإن المنفعة تتوزع. وعليه، وبشكل عبثي، فإن مال السلطة يساعد في إعالة حكم حماس. اليوم، حين تنقص صناديق المنظمة بغياب المداخيل وبسبب قرارها تخصيص الاموال التي تصل اليها من الخارج للتسلح، تتخلد حقيقة غريبة أخرى: موظفو القطاع العام الذين يعملون وعينوا في عهد حكم حماس لا يتلقون الرواتب. وبالمقابل، فإن موظفي القطاع العام للسلطة الفلسطينية ممن لا يعملون بأمر من عباس منذ 2007 يتلقون الرواتب بالفعل. الدول المانحة للسلطة الفلسطينية غير راضية، ولكنها تواصل المنح، وإن كان أقل مما تعد: هي أيضا تخاف الفوضى اذا لم تجر ادارة الازمة الانسانية العضال دوما في مستوى اعلى بقليل من خط الانفجار.
الفارق بين المنطقتين هو في شدة ودراماتيكية السير الدائم على الحبل الرقيق بين المصيبة والحياة العادية. في غزة مثلما في الضفة، ابقاء القائم، الامر الذي اختصت به حركتا الحكم الخصمتان يتراوح بين الاحساس بالمسؤولية  والتظاهر الساخر باللامبالية. وللدول المانحة دور مركزي في ابقاء القائم، وهي أيضا تعمل في البندول الذي بين المسؤولية والسخرية. بدون وجود وكالة الغوث، وغيرها من مؤسسات الامم المتحدة، والصليب الاحمر في قطاع غزة – فإن السكان المدنيين في زمن الحروب وبينها كانوا سيتركون لمصيرهم تماما ليعانون أكثر. بدون المساعدة الانسانية من تلك المؤسسات لسكان المنطقة (ج) في الضفة الغربية، بدون دعم التبرعات للميزانية الجارية وميزانية التنمية للسلطة الفلسطينية، فان الانهاك الاقتصادي الذي يخلقه نظام الممنوعات والقيود الإسرائيلية، كان سيكون قابلا للتفجير أكثر. ولكن ابقاء القائم، والذي يعرض كعمل انساني وتعزيز لمؤسسات الدولة الفلسطينية على الطريق، يعفي الدول المانحة ايضا من المواجهة المباشرة مع إسرائيل ومن اتخاذ عقوبات ضدها. فالوضع القائم مناسب للسياسة الإسرائيلية.
لقد دفعت حركتا الحكم الخصمتان نحو الانخراط في الواقع الجغرافي- السياسي، الذي تصممه إسرائيل باستمرار منذ 1991: وهذا واقع الجيوب الفلسطينية، الذي هو باختصار، احباط مقصود لحل الدولتين. الخلافات الفلسطينية الداخلية هي خلافات طبيعية. ولكن الانقسام السياسي وخلق حكم ذاتي معوق مزدوج هو نتيجة منطقية ولكن هدّامة للقطيعة التي فرضتها إسرائيل.
المصالحة لم تنجح لان محمود عباس يواصل الامل، مثلما امل في 2007 في أن تتبدد حماس كحركة شعبية وتختفي بسبب الضغط: الإسرائيلي، العالمي، المصري. وهو لا يعترف بجذورها الاجتماعية العميقة. وتتحفظ حماس من المصالحة التي تستحق اسمها لان معناها هو ان تتقاسم مع فتح الحكم في جيب غزة على أن تسيطر في جيب الضفة الغربية فتح وحدها، لان إسرائيل لن تسمح لحماس بالعمل كجسم سياسي علني والمشاركة في الحكم.
ويطور الجيبان منطقا خاصا بكل منهما، وقياداتهما وسكانهما يعتادون على وضع راهن معين تخيفهم التغييرات الدراماتيكية فيه. وعليه فاسقاط الحكومتين الخصمتين ليس خيارا. الحكم الذاتي الذي تعززه حماس وفتح، برعاية الاحتلال والسيطرة الإسرائيليين، يتغذى بوعود التحرر والاستقلال للمدى البعيد، المرهونين في صالح المدى القصير وفي صالح المصالح الفورية لكل طبقة مسيطرة ومقربيها. الكفاح المسلح، الكفاح الشعبي، المفاوضات، الدبلوماسية، تنمية الثقافة والتعليم ككفاح وما شابه: كل حكم يتباهى بوسائل التحرير الخاصة به، معا او كل على حده، في الحاضر وفي الماضي، وفي هذه الاثناء يعزز وجوده القطري الآني.

التعليق