فهد الخيطان

هذا ما يريده الإرهابيون

تم نشره في الاثنين 6 تموز / يوليو 2015. 12:08 صباحاً

يبدو غريبا بالفعل أن يعارض زعيم عربي فرض حالة الطوارئ في البلاد. فقد درجت العادة أن يستغل الحكام الظروف الاستثنائية لفرض سلطتهم المطلقة على البلاد. الرئيس التونسي باجي قائد السبسي، على ما تفيد تقارير صحفية، عارض إعلان حالة الطوارئ في البداية، ولم يقبل بفرضها لمدة شهر إلا بعد إلحاح القيادات الأمنية والعسكرية بضرورة الخطوة لمرحلة مؤقتة.
معارضة السبسي مردها خوفه من أن تبدو تونس وقد التحقت بركب دول الفوضى العربية، التي تحاصر النموذج التونسي؛ الوحيد الذي شذ عن القاعدة.
لقد نجحت تونس في تحييد دور القوى الإقليمية والعربية التي حاولت جاهدة جر تونس إلى مستنقع الفوضى. وصمدت التجربة الديمقراطية في مواجهة تداعيات الخراب عند الجار الليبي. لكن الجماعات الإرهابية لم تترك تونس وشأنها. وعندما فشلت في إجهاض عملية التحول الديمقراطي، قررت معاقبة التونسيين على تمسكهم بالخيار الديمقراطي، ومحاربتهم بأمنهم ولقمة عيشهم، فاتجهت لضرب السياحة التي تعد مصدرا رئيسا من مصادر الدخل، وتأليب الرأي العام على حكومته، وتفجير تجربة التعايش الديمقراطي بين التيارات الإسلامية والعلمانية.
نجاح التجربة التونسية كان مقتل الجماعات الإرهابية التي أربكها "الربيع العربي"، ووضع خطابها ونهجها العنيف في مأزق تاريخي. لقد تمكنت تلك الجماعات من إفساد تجارب دول "الربيع العربي"، وجرها للحروب الأهلية والصراع الديني والطائفي، بوصفه البيئة المثالية لهذه الجماعات. لكنها اصطدمت بالنموذج التونسي، وباتت تخشى من نجاحه، ولذلك عملت بكل قوتها على إفشاله.
في سورية والعراق واليمن وليبيا، ومؤخرا مصر، تتحصن الجماعات الإرهابية خلف سردية قائمة في السياق العام لحالة هذه الدول، لتبرير حضورها ودورها. لكن في حالة تونس، لا يجد المرء في الواقع التونسي أي أساس لوجود النموذج الداعشي، سوى الرغبة في وأد الديمقراطية كأسلوب حياة للشعوب العربية.
بهذا المعنى، "داعش" وسواه من الجماعات المتطرفة، ليست مجرد تعبير أو ردة فعل على الاضطهاد الطائفي وأنظمة الاستبداد السياسي، بل أكثر من ذلك؛ إنها العدو الأيديولوجي والثقافي للمجتمعات الطامحة إلى الحرية والديمقراطية، والوجه الآخر للاستبداد القائم، أو الذي كان في أكثر من بلد عربي. فكل ما تريده هذه الجماعات هو استبدال الدكتاتوريات القائمة بأخرى دينية، تمارس اضطهادا أشنع، ولكن باسم التعاليم الدينية وحسب تفسيراتها. إنها النقيض الموضوعي لحق الناس في الحياة والاختيار، والتمتع بمكاسب الحضارات العالمية.
إن تونس اليوم أهم بالنسبة لتنظيم "داعش"، بطبعاته المختلفة، من سورية والعراق وليبيا. ففي هذه الدول أنجز "داعش" المهمة، بمساعدة كبيرة من الأنظمة والقوى الشريرة في المنطقة. لكن التونسيين كانوا أكثر عنداً من أقرانهم العرب؛ قاوموا النموذج الظلامي، ومنحوا الشعوب العربية الأمل بالحياة من جديد، وتوحدوا في مواجهة الجماعات التكفيرية، رغم التضحيات الجسام.
صمود التونسيين هذا أثار حنق الإرهابيين، فاندفعوا بخسة ونذالة لضرب كل ما تطاله أيديهم من أهداف سهلة؛ سياح أجانب، وأفراد الأمن، وسواهم من عامة الشعب.
كان الرئيس التونسي محقا في تحفظه على خيار الطوارئ، لأن ذلك يمثل إشارة للإرهابيين بأن تونس في طريقها للعودة إلى الوراء، وهذا ما يريده الإرهابيون. ليكن شهرا وينقضي، وتعود بعده تونس المستقبل.

التعليق