د. جاسم الشمري

الدولة الرملية!

تم نشره في الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015. 12:03 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015. 02:28 مـساءً

اللعب بالرمال على شواطئ البحار، من أجمل الألعاب التي يمارسها الكبار قبل الصغار، لبناء هياكل متنوعة؛ للمتعة البريئة، ولإشباع آمال الإنسان وأحلامه التي ترافقه مرافقة الروح للجسد، حتى أنه في بعض الدول رأينا عشرات الفنانين والهواة يمارسون بناء النماذج والأشكال المميزة من رمال الشواطئ.
والبناء المشيد على الرمال نجده ينهدم ويتلاشى مع أول طلائع الموج الهادئة قبل الغاضبة؛ لأنه لم يبن على أرضية متينة، وبمواد صلبة قادرة على تحمل الضغوطات والتقلبات المتنوعة.
والدول هي الأخرى كالبنيان؛ ربما تكون رملية أو صخرية. أما الدولة الصخرية، فهي التي شُيّدت على قواعد الإنصاف والعدل والمواطنة. وفي المقابل، هناك الدولة الرملية، التي لا يمتلك ساستها الحنكة في إدارتها، ولا القدرة والخبرة في سياسة الناس، وبالتالي هم يبنون مؤسسات هشة، ستنهار في أول اختبار لقوتها وإمكاناتها.
"الدولة العراقية" بعد العام 2003، هي دولة رملية. وهذه بعض الأدلة:
- غالبية ساستها فشلوا في نشر الأمن والسلام في البلاد. وهم يبادرون إلى تعميق مواطن الفرقة والخلاف بين المواطنين، عبر سياسات طائفية هدامة.
- فشلهم في بناء المنظومة الأمنية، على الرغم من القدرات الهائلة التي أُنفقت على الجيش وبقية الكيانات الأمنية. وأكبر دليل على "القوة الرملية"، هو انهيارها في أكبر محافظتين عراقيين، وفقدانها السيطرة على نصف البلاد تقريباً.
- استعانة الحكومة بالمراجع الدينية والفتاوى لحشد المواطنين وتجييشهم، لاستمرار العملية السياسية. فهذه الحشود الشعبية -البديلة عن الجيش- أوضح دليل على خراب المؤسسة العسكرية التي بُنيت على الرمال، والمتآكلة نتيجة الفساد المالي والإداري. وفي نهاية نيسان (أبريل) الماضي، كشفت اللجنة المالية في البرلمان الحكومي عن خسارة البلاد نحو 360 مليار دولار بسبب عمليات الفساد، خلال الفترة بين العامين 2006 و2014.
- اعتماد الحكومة على سياسة "الاعتقالات الجماعية العشوائية"، والمستمرة في عموم البلاد، لأنهم يعتقدون أن هذه الاعتقالات -ربما- تقودهم في حالات معينة لبعض المطلوبين. لكن هذه سياسة سقيمة لا يمكن أن تُبنى عليها الدول؛ لأن الدولة القوية تَبني منظومتها الأمنية على أُسس مخابراتية دقيقة، يتم بموجبها اعتقال المطلوبين وفقاً لمعلومات دقيقة. فيما سياسة الاعتقالات العشوائية أنتجت عشرات الآلاف من المعتقلين الأبرياء، غالبيتهم يتم اعتقالهم من دون مذكرة قضائية، ومن دون تهم محددة. ومن ثم، جعلت هذه السياسة سجون البلد في حالة انتعاش، وهذه علامة سلبية وليست إيجابية.
وفي الأسبوع الماضي، قررت محكمة عراقية الإفراج عن 855 سجيناً جرى اتهامهم من مخبرين سريين وجهات أخرى بالإرهاب، لكن بعد سنوات من الاعتقال لم تثبت إدانتهم. فكم مثل هؤلاء الآن قابعون ظلماً وجوراً خلف القضبان في السجون السرية والعلنية؟!
- استمرار حالة الفلتان الأمني في أرجاء البلاد، وازدياد البطش الحكومي لأبناء الأنبار تحديداً، بحجة مقاتلة تنظيم "داعش". وغالبية ضحايا البراميل المتفجرة والقصف الجوي والمدفعي بالأنبار هم من الأطفال والنساء. ولا أحد يحرك ساكناً أمام هذه المجازر الرسمية!
وقبل أيام، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي"، عن استشهاد وإصابة "أكثر من ثلاثة آلاف و153 مواطناً كحصيلة لأعمال العنف في شهر حزيران الماضي. وأنه وفقاً لدائرة صحة الأنبار، فإن (عدد) الضحايا من المدنيين بالمحافظة بلغ 299 مدنياً، منهم 136 شهيداً، و163 جريحاً"!
- عجز الحكومة عن استيعاب النزوح الجماعي لأبناء الأنبار، وتعاملها العنصري مع النازحين منهم إلى بغداد، ليسجلوا بذلك سابقة خطيرة سيكتبها التاريخ بمداد الذل والخنوع!
هذه الأدلة المقتضبة -وغيرها- تؤكد أن "الدولة العراقية" اليوم قاب قوسين أو أدنى من الانهيار؛ لأن غالبية زعمائها لم يؤسسوها على الحب والإنصاف والعدالة والانتماء الحقيقي للوطن. وهذه القيم تُعد من القواعد المتينة التي تبنى عليها الدولة الصخرية القوية. أما الكراهية والظلم والتعسف، فهي أسس رملية، ستؤدي بالبلاد إلى الانهيار، إن عاجلاً أم آجلاً.
نتمنى أن يُبنى صرح العراق من لبنات الحب والألفة والوحدة بين جميع طوائفه. ونحلم أن نرى العراق بأحسن الأحوال. لكن متى سيتحقق هذا الحلم؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انهيار (باسمة نمر)

    الخميس 9 تموز / يوليو 2015.
    لم يعد هناك أساسات..لارملية ولاسخرية..
    جميعها انهارت بعد زرع متفجرات الفتن في البلاد..
    وفتح طرق واسعة وترصيفها بالإسفلت لدخول العدو بيسر وسهولة
    لم يعد هناك سيطرة أمنية بعد فتح المجال للغرباء لدخول البلاد ..
    ولانتهم الشعوب والافراد
  • »دولة متينة يقظة (دانية)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2015.
    شكراً جزيلا لمقالك د.جاسم
    العراق من الدول التي تعب فيها المواطن مع السلطة فلم تأت سلطة تحترمه وتقدره وتساعده على النهوض بها كل السلطات والحكومات السابقة وبالتأكيد معها الحالية تهمش دورالمواطن ولا تعطيه اﻷمان والامن وهذا الحق لايحتاج لمعجزة بل فقط توفير الاحتياجات اﻷساسية والعيش الكريم للمواطن وسترى منه اﻷفضل دائماً سياسة الحكومة الحالية بها رجال كثيروالكلام قليل والفعل ﻷنهم لم تأتوا لينصفوا ويبنوا بل لينهبوا وينتقموا والمواطن حائر في أمره بين مطرقة الحكومة وسندان ضعفه وجوعه كل ما تمنيته في ختام مقالك نتمناه وندعو الله أن يفرجها على العراق وهذا ما بأيدينا
    شكراً جزيلا وأعتذر عن اﻹطالة
  • »ردود كاتب المقال (د. جاسم الشمري - كاتب المقال)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015.
    أولاً: الأخ نوفل الماشطي الحسيني)
    شكرا لك
    وانا احترم وجهة نظرك والحل للمشكلة العراقية مركب تماما كما هي المشكلة مركبة.
    واتفق معك على ان غالبية السياسيين الذين هم بالسلطة هم لايحملون اي افكار بناءة وينفذون اجندات لدول اخرى ولايهتمون الا بامتيازاتهم ومكاسبهم الشخصية لهم ولعوائلهم .
    تحياتي لك
    ثانياً: ابتسام الغالية.
    تحياتي لك واحترامي
    اتفق معك على أن " أن هشاشة الحكومات التي تعاقبة على مسك زمام الأمور في البلاد بعد 2003 هي التي أدت إلى الإنهيار في كل شيء لأنها حكمت وتحكم الآن وفق مصالحها وليس وفق مصلحة البلد".
    شكرا لك.

    شكرا لك مع فائق التقدير. ثالثاً: الاخ سعدون الجبوري
    رابعاً: الفاضلة كريمة
    شكرا لك.
    شكرا على طروحاتك الطيبة.
    تحياتي واحترامي.

    اخيرا شكرا لكل الاحباب قراء جريدة الغد.
  • »تعليق (نوفل الماشطي الحسيني)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015.
    ابارك للاخ جاسم الشمري المدخل والفكرة الجيدة لمقاله المختصر والممقتضب لحال العراق حاليا واعتقد ان كل السياسيين الذين هم بالسلطة هم لايحملون اي افكار بناءة وينفذون اجندات لدول اخرى ولايهتمون الا بامتيازاتهم ومكاسبهم الشخصية لهم ولعوائلهم ..ولايوجد حل في تعمير العراق وانتشاله من الضياع الا من خلال ثورة عارمة من الشمال الى الجنوب او بالعكس لتستبدل هؤلاء جميعهم وتستبدل كل الاحزاب الموجودة حاليا ..فبغير ذلك لانجد لبلدنا اي تقدم بل سيستمر سيرانه الى الخلف وبسرعة اكثر من ذي قبل .
  • »رملية الأخلاق (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015.
    نعم في العراق ومنذو 2003 وإلى الآن كل مايوجد فيه انهار وسبب الإنهيار الرئيسي بالإضافة إلى ماجاء بالمقال الموسوم هو انهيار الأخلاق التي تعتبر العمود الفقري لبناء دولة مواطنة أساسها حب الوطن والحرص على مقدراته من خلال الشعور بالمسؤولية في الحفاظ على كل المقومات التي يجب أن تتوفر عند نشأت الدول
    أن إنهيار الأخلاق ساعده وبشكل ملفت لاانتباه القاصي والداني إلى استشراء الفساد في جميع مفاصل المؤسسات الحكومية وخاصة في المؤسسه العسكرية والمنظومة الأمنية التي يعتبر صلاحها عامل مهم في استتباب الأمن والدفاع عن سيادة البلد وحفظ هيبتها بين الدول
    أن هشاشة الحكومات التي تعاقبة على مسك زمام الأمور في البلاد بعد 2003 هي التي أدت إلى الإنهيار في كل شيء لأنها حكمت وتحكم الآن وفق مصالحها وليس وفق مصلحة البلد
    الحل الوحيد لإقامة بلد تسوده المحبة والألفة والوحدة بين طوائفه المختلفة هو أن يبنى أساس الدولة عليها والاتعم الفوضى كما يجري حاليا
    ياسيدي الكاتب أن وجه الشبه بين اللعب في رمال الشواطئ من قبل ماذكرتهم في بداية المقال وبين الدوله الرملية هو في الحالتين يجعلنا نعيش داخل حلم رسم في مخيلة كل واحد فينا ويتمنى أن يعيشه على أرض الواقع
    نأمل أن يتحقق الحلم يوما ويعيش العراق في أحسن حالاته ولو بعد حين بوجود الخييرين امثالكم
  • »نتمنى الامن للعراق (سعدون الجبوري)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015.
    استاذي الفاضل قرات مقالكم الهادف، وأسأل الله ان يأخذ بيدكم الى الاحسن والافضل وان يمن على وطننا بالامن والاستقرار
  • »مشاركة الرمال (كريمة / الجزائر)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015.
    لا يخلو اي بنينان ..من مشاركه الرمل للاسمنت ..لكن ان زاد احدهما عن الاخر اختل الوضع ..
    العراق ككل البلاد العربيه ..محتكرو الاسمنت فيها ..كثر ..ولهدا يسارعون للبنا شكليا ..دون دعائم ..برايهم المهم الصوره والمعمار ..متناسين انهاقد تنهعر بين الفينه والاخري ..وتشكل بدلك خطرا علي الباني والساكن

    الكاتب يتحدث عن مصداقيه البنا ..متناسيا وجود المهندس الكفؤ ..واليد العامله الصادقه والمقاول الدي لا يغش..
    لنا ان نجمع بين ثلاثتهم ..لنتوقع معمار متين ومميز ..ولن يكون الا بمصالحه شعبيه وطنيه بعيده عن اي تحالفات او نوازع دينيه وطايفيه

    اللهم انشدك السلم والسلام للعراق وكل بلداننا العربيه .. انها فعلا الى زوال
  • »مجرد مثال (هاني سعيد)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2015.
    ان ما تفضل به الاستاذ جاسم في مقاله هو مثال من مجموعة امثلة شاهدة على الدول المشيد بنيانها من الرمل هشة لا وجود لها بين ما ذكر الكاتب ممن لهم اساسات صلبة قائمة على دعائم الاسس الحضارية وتتغنى بالامجاد والانجازات زورا وبهتانا وكأن الشمس تتغطى بغربال !!!