مرحباً بكم في البصرة ستان

تم نشره في الخميس 9 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • قوات الأمن المحلية في مدينة البصرة العراقية الجنوبية - (أرشيفية)

بيتر شوارتزستين - (فورين بوليسي) 1/7/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

البصرة، العراق- ليست هذه المدينة الساحلية العراقية الجنوبية مكاناً يسهل العيش فيه. وبعد أن كانت ذات مرة موقفاً أنيقاً في منطقة الخليج العربي، أصبحت قنواتها الشهيرة الآن مختنقة بالقمامة ومياه الصرف الصحي، تحت شمس الصيف التي لا ترحم.
قصورها الجميلة من القرن التاسع عشر أخلت مكانها للمباني السكنية الخفيضة، التي تميل الكثير منها بطريقة مهدِّدة فوق الطرق المليئة بالحفر. وحتى شط العرب، الممر المائي الضحل الموحل الذي بُنيت عليه حظوظ المدينة وثرواتها ذات مرة، تغير الآن حتى عز على التمييز. السفن الغارقة أو المثقوبة التي أصيبت على مدار الحروب الأخيرة تعيق المضيق الذي تخلص معظم صيادي القوارب المحليين فيه تقريباً من شباكهم، وفضلوا العمل في تهريب النفط ومختلف السلع غير المشروعة من إيران المجاورة.
يثير سقوط ثاني المدن العراقية أهمية من عليائها دهشة مستمرة، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تلعبه هذه المدينة في اقتصاد البلد. وكما هو معروف، تستمد الحكومة المركزية نحو 97 % من عوائدها من النفط، ويتم استخراج ما يقرب من 90 % من هذا النفط من الحقول الضخمة التي تطوق ضواحي البصرة الخارجية القذرة. وبينما ازدهرت الصادرات النفيطية -والتي بلغت مؤخراً ارتفاعاً جديداً بلغ 3.145 مليون برميل يومياً- فإن السكان المتضررين هنا يشعرون بأن مدينتهم كان ينبغي أن تجني ثمار الثروات الطبيعية التي تنتمي للمنطقة.
يقول علي عباسي، الذي يملك محلاً لأجهزة الكمبيوتر على بعد خطوات من الكورنيش الذي يمتد على طول ضفة النهر: "إن اقتصاد العراق هو نفط البصرة. هل من المعقول أن يأخذوه كله، وأن لا يعطونا أي كهرباء؟ إنهم يستخدمون ميناءنا، فلماذا لا يعطوننا طرقاً معبدة؟".
على مدى عقود، أبقى كادر صدام حسين من البعثيين غطاء محكماً على أي معارضة في الجنوب الذي تقطنه أغلبية شيعية. وكانوا يستنزفون موارد المنطقة، بينما يقمعون الانتفاضات المتكررة بوحشية. لكنهم بعد أن تحرروا الآن من قيود الدكتاتورية وضاقوا ذرعاً بعجز الحكومة الأخير عن الوفاء باحتياجاتهم، أصبح بعض البصريين يتطلعون إلى النأي بأنفسهم عن بغداد.
يقول رمضان البدران، رجل الأعمال الكاليفورني-العراقي، وواحد من ثلاثة محليين يشكلون رأس الحربة في حملة تُشن في المدينة من أجل الفيدرالية: "إن أفضل طريقة سهلة للتخلص من هذا الصراع الذي لا ينتهي هي نظام المناطق. لقد أظهرت بغداد أنها لا تستطيع التعامل مع السلطة، ولذلك، أعيدوها للشعب".
ليست البصرة سوى واحد فقط من الكيانات الكثيرة في العراق، والتي تبدو تواقة إلى إعادة صياغة علاقتها مع بغداد. ويتطلع الأكراد وبعض القادة السنة في شمال البلاد إلى كسب قدر أكبر من الحكم الذاتي، بينما يبدو أن الكثير من الميليشيات الشيعية لن تتخلى بإرادتها على الأرجح عن استقلالها المكتشف حديثاً. كما أن الولايات المتحدة أيضاً تحدثت عن دعم عراق أقل مركزية؛ حيث درس الكونغرس مشروع قانون من شأنه أن يسمح لواشنطن بتسليح المقاتلين السنة والأكراد من دون توجيه الأسلحة عبر بغداد، بينما أعرب وزير الدفاع آشتون كارتر عن مستقبل حيث "يتبين أن وجود عراق واحد متعدد الطوائف لن يكون ممكناً".
كما عملت زيادة تواجد تنظيم "الدولة الإسلامية" عبر شمال وغرب العراق أيضاً على حفز بدران وحلفائه، الذين يصرون على أن العراق كدولة موحدة تدار من بغداد قد انتهى. ويقول بدران: "العراق طريق مسدود. ولذلك، إما أن نستمر في الانحدار، أو أن ندفع قدماً بنموذج فيدرالي".
*   *   *
يعرض أولئك الذين يدعمون حملة البصرة من أجل الفيدرالية طيفاً من الآراء حول الكيفية التي يتخيلون أن "المناطقية" ستحسن بها محافظتهم.
وفي هذا الصدد، يشير الكثيرون إلى المنطقة الكردية شبه المستقلة كمثال على ما يرغبون رؤيته في البصرة. ويقول حيدر التميمي، الذي يبيع حلوى القطن للعائلات التي تتمشى في الأرض المهملة لأحد قصور صدام السابقة: "في كردستان، الحياة جيدة. إنهم يقررون ماذا يكسبون وكيف ينفقونه. من المؤكد أنه سيظل هناك فساد، لكنه سيكون أمامنا وتحت أعيننا مباشرة، وبذلك نستطيع القيام بشيء حياله".
وثمة آخرون يتمنون حدوث تحسينات في الخدمات الأساسية فقط، لكنهم استنتجوا بعد 12 عاماً من الفوضى، أن الحكومة المركزية فاسدة جداً بكل بساطة، بحيث أنها لن تستطيع الوفاء بوعودها.
يقول علي محمد الشمري: "سعر النفط (المنخفض) جعل كل شيء أسوأ، لكن كل المشاكل تأتي من بغداد في نهاية المطاف. يجب أن نخرج ونتدبر أمرنا وحدنا". ويدفع الشمري 100 دولار في الشهر مقابل 13 أمبير من الطاقة لتشغيل مطعمه الصغير على جانب الطريق. لكن الكهرباء تنقطع 18 ساعة على الأقل في اليوم، وبعض إنتاجه يتلف في حرارة أواخر نيسان (أبريل) الكاوية، وقد أصبح عند نهاية حبل الصبر.
فوق كل شيء، يأمل الفيدراليون البصريون في أن يفضي حدوث تغيير في التركيبة السياسية إلى خفض الروتين بالنسبة للأعمال التجارية وتوفير المزيد من فرص العمل للكتيبة المتزايدة من الشبان العاطلين عن العمل -والذين يشكلون، وليس من قبيل الصدفة، العمود الفقري لدعم الفيدراليين.
تفضل القوانين العراقية الآن مؤسسات الأعمال المملوكة للحكومة والمتركزة في بغداد، على نحو يضع منافساتها في البصرة في وضع غير موات عندما يتعلق الأمر بتقديم العطاءات للفوز بالعقود الحكومية المربحة. وبطلب المصارف المحلية معدلات فائدة تصل إلى 14 % على الأقل، تستطيع القليل من مؤسسات المدينة الصغيرة تحمل مؤونة أخذ القروض، وفقاً لما يقوله صبيح الهاشمي، رئيس فرع البصرة من اتحاد رجال الأعمال العراقيين.
ويضيف الهاشمي: "مع وجود الفساد، وعدم وجود أعمال جديدة، أحلم أنا نفسي بالعودة 50 عاماً إلى الوراء. كانت الأمور جيدة حينذاك".
كما تشير التعليقات من هذا القبيل، فإنه يبدو أن العديد من البصريين الأكبر سناً يحتفظون بتقدير تاريخي مبالغ فيه قليلاً لمكانة مدينتهم. كما تساعد هذه التعليقات أيضاً في تفسير السبب في أنها البصرة، من بين كل الحملات الوليدة الداعية إلى الفيدرالية على مساحة الوطن، هي التي أسرت مخيلة العديد من قاطنيها.
بعد وقت قصير من سقوط المدينة بيد البريطانيين في العام 1914، بعد أكثر من 400 سنة من الحكم العثماني، شن التجار والأقليات المحلية حملة للنأي بأنفسهم والانفصال عن الشمال غير الساحلي. وكان هدفهم هو "تأسيس المدينة وأطرافها القريبة كجمهورية تجارية وحضرية منفصلة"، كما كتب محلل الشؤون العراقية ديدار فيسر في كتابه "البصرة، الدولة الخليجية الفاشلة: الانفصالية والقومية في جنوب العراق".
في نهاية المطاف، كسب القوميون العراقيون، بعد ما وصفه فيسر بأنه "دعاية بارعة وجهد لبناء الأمة". ولكن فكرة وجود هوية بصرية مميزة ما تزال حية، وقد غذاها بالوقود اكتشاف الثروة النفطية المجاورة، وأشعلها إهمال بغداد المستمر للبصرة.
يقول محمد الطائي، عضو البرلمان المستقل، وقطب الإعلام ومناصر آخر بارز للفيدرالية: "نحن، في البصرة، يجب أن نكون أغنى مدينة في الشرق الأوسط. إننا ننظر إلى دبي ونبكي. لكننا نعاني بدلاً من ذلك من الماء المالح (من الصنابير) وعلينا ديون. إنها نكتة".
* * *
الآن، أصبح يترتب على الفيدراليين المعاصرين، إذا كان ثمة شيء، أن يتعاملوا مع عقبات أكثر خطورة بشكل ملحوظ مما فعل أسلافهم غير الناجحين في العشرينيات. إنهم يواجهون تحديات من الساسة في بغداد، ومن الزعماء الدينيين الشيعة -بل وحتى في جهودهم لتنظيم صفوفهم الخاصة نفسها.
ينص الدستور العراقي على أنه يمكن لأي محافظة تقديم التماس إلى اللجنة الانتخابية العليا لنيل التفويض بإجراء استفتاء، إذا استطاعت تجميع تأييد 2 % من الناخبين، أو ثلث أعضاء المجلس التشريعي المحلي الأقوياء البالغ مجموعهم 27 عضواً.
في حين يقتفي معظم الساسة في البصرة أثر الرؤساء في بغداد، فقد غسل قادة حملة الفيدرالية أيديهم من الأحزاب السائدة ونشروا فرقاً من الناشطين الشباب منذ كانون الثاني (يناير) من أجل جمع التواقيع اللازمة -وهو ما يرقى في حالة البصرة إلى أكثر قليلاً من 30.000 من مجموع سكانها المؤهلين للانتخاب تقريباً، والبالغ عددهم 1.8 مليون ناخب.
ولكن، عندئذٍ، ومع شروع بغداد في الاستيقاظ على الخطر الذي يلوح في الأفق، شرع التحالف الفضفاض الذي يقود الحملة بالانهيار وسط سلسلة من الاتهامات والاتهامات المضادة المهينة. وفي 15 نيسان (أبريل)، افترق الطائي عن مواطنيه الذين يقولون إنهم عازمون على الانتظار حتى يستطيعوا تحقيق أغلبية مطلقة من أصوات الناخبين، وقام من جانب واحد بتقديم طلب لإجراء استفتاء.
في التعليق، قال بدران بصوت مرتفع، عندما التقينا بعد أيام من تقديم الطائي التماسه: "كان لدينا اتفاق. لا أحد يتقدم بشكل منفرد. قلنا إننا سننتظر حتى نعرف أنه أصبح لدينا نحو مليون صوت".
مع ذلك، يزعم الطائي أن مواطنيه كانوا يخوضون في الماء فقط ويلكأون بينما كان الوقت ناضجاً للدفع بقضيتهم، ويقول: "لقد وقفوا فوق التل يتفرجون فقط. إنها معركة بين الخطأ والحق. لكن البعض منهم لم يكونوا يمتلكون الشجاعة".
يعتمد ما تقدير ما حدث تالياً على من هو الطرف الذي تصدقه. فقد رفضت بغداد بسرعة أوراق الطائي لما يقول إنها أبواب سياسية بحتة. لكن شريكه السابق يقول إن بغداد لم تكن مخادعة حين استشهدت بالمخالفات الكثيرة المختلفة التي ضمها طلبه.
وقال بدران على فنجان قهوة في فندق شيراتون البصرة القديم، حيث تتخذ وكالات الأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية القليلة الباقية مقراً لها: "لقد زوروا الكثير من الأسماء من أجل تعويض المجموع. هناك بالتأكيد كثير من الدعم هناك، لكنهم قرروا يوم 15 نيسان (أبريل) كموعد نهائي للتقديم، وأدركوا أنه لن يكون لديهم ما يكفي من الأعداد قبل ذلك، ولذلك عمدوا إلى الغش".
مع ذلك، ربما يكون الأكثر إشكالية هو تأثير المؤسسة الدينية الشيعية التي تمتلك نفوذاً كبيراً في هذه المنطقة.
وكان آية الله العظمى علي السستاني، أعلى سلطة شيعية في العراق، قد عارض حتى الآن كل المبادرات التي يخشى أنها قد تختزل العراق. وكان رجال الدين المحليون، مقتفين أثر مقاومته للانفصال، سريعين إلى شجب الحملة علناً، ووصفوها بأنها مشروع مغرور مدفوع بالمصلحة.
يسأل الشيخ أبو سمير المياحي، الذي يقود عمليات البصرة في منظمة بدر القوية: "من هم هؤلاء الناس الذين يريدون خلق محافظة؟ إنهم رجال أعمال يتحدثون عن مستقبل جميل، لكنهم يريدون أن يحصلوا على فرصة خاصة لأنفسهم".
ويضيف: "إلى جانب ذلك، كل نقود العراق تأتي من البصرة. وإذا أصبحنا إقليماً، فإن ذلك سيقطع قاعدة الدعم عن كل العراق".
لكن بدران والطائي لا يرتدعان بمثل هذه الأقوال. ويقول كلاهما إنهما تواصلا مع ممثلين للسستاني وقوبلا بردة فعل مشجعة. ويقول بدران: "قيل لنا إن السستاني ليس له رأي بعد بخصوص إقليم البصرة، ولكن إذا دعم الناس هذا المشروع، فإنه لن يقف ضده".
* * *
لا شك في أن حملة البصرة تتمتع بدعم شعبي عريض نسبياً هنا. لكن المحللين الذين يراقبون النضال من أجل الفيدرالية عن بُعد، يعتقدون بأن له قليلُ أمل في تحقيق نجاح فوري.
يقول زيد العلي، الخبير في الدساتير العربية في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية: "على المدى القصير، تمتلك حملة البصرة ما يقترب من فرصة صفر في النجاح، بشكل رئيسي لأن الساسة والمجموعات متخدقون عميقاً في سياسة بغداد، وسوف يرفضون دعم أي مبادرة من شأنها إلحاق المزيد من الضرر بسيطرة بغداد على البلد".
وحتى الطائي، الذي ربما يكون الأكثر تفاؤلاً بين نشطاء حملة المدينة، يبدو مستعداً لخوض معركة طويلة الأمد. ويقول: "إذا خسرنا، فإننا سنظل نشكل الضربة الأولى في وجه الكتل السياسية التي دمرت هذا البلد".
ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، يتخيل علي أن الصرخات التي تتعالى من أجل المزيد من الحكم الذاتي سوف تصبح أكثر قوة وفعالية فحسب إذا لم تستطع الحكومة المركزية أن تنجز العمل المطلوب وتلم شتاتها.
وقال: "إن جاذبية القومية والولاء لبغداد أصبحا أضعف فعلاً مما كانا عليه في العام 2003، وسوف يستمران في التراجع ما لم تبدأ بغداد بتنظيف الشوارع وخلق نوع من البيئة التي ستسمح للبصريين بالازدهار".
في الحقيقة، يظهر أن موجد المد الفيدرالي تكتسب زخماً عبر كامل البلد. وقد وجد استطلاع حديث أن عدد المواطنين الذين عرفوا أنفسهم بأنهم "عراقيون فوق كل شيء" هبط من 80 % إلى 40 % من السكان في الفترة ما بين الأعوام 2008 و2014. وفي الأثناء، نجح الفيدراليون في كربلاء، المحافظة العراقية الجنوبية الأخرى، في كسب عدد من الساسة المحليين –خمسة من بين السبعة والعشرين الآخرين في مجلسهم التشريعي حتى الآن- عن طريق اقتراح أن تحولاً عن بغداد ربما يكون الطريقة الوحيدة للإبقاء على البلد متماسكاً معاً.
وبينما يبدو الأكراد وكأنهم يقتربون أكثر من الاستقلال، فإن أحزابهم السياسية كانت سعيدة جداً فقط بتقديم المشورة للبصرة والفيدراليين المحليين الآخرين. وكان الطائي على اتصال مع حركة غوران حديثة النعمة التابعة لحكومة إقليم كردستان، والتي عرضت الدعم لبناء مؤسسات البصرة. كما قال مسؤول سابق في حكومة إقليم كردستان أيضاً، شريطة عدم ذكر اسمه، إن إدارة العلاقات الخارجية لتلك الحكومة أجرت اتصالاً أيضاً مع حملة البصرة.
لكن هذه التفاصيل، بالنسبة لأولئك الذين ما يزالون يناضلون من أجل كسب رزقهم في شوارع البصرة، تظل شؤوناً خارج الموضوع. إنهم عراقيون فخورون، والذين تعبوا تواً فقط من الفساد، والفوضى، وعدم الكفاءة. وهم يقولون إن الفيدرالية تعرض، على الأقل، فرصة لإمكانية التغيير.
يقول العباسي، صاحب محل أجهزة الكمبيوتر: "مع هذه الحكومة، ليس هناك أمل. ولكن مع الشعب العراقي، هناك دائماً أمل".

ala.zeineh@alghad.jo
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Welcome to Basrastan

التعليق