محمد برهومة

"الفتنة"

تم نشره في الخميس 9 تموز / يوليو 2015. 11:05 مـساءً

هناك قراءات استراتيجية عديدة، تذهب إلى أنّ عددا كبيرا من دول المنطقة العربية ستعيش، حتى نهاية هذا العقد على الأقل، حالة من عدم الاستقرار والاضطراب السياسي والصراعات الداخلية. ودراسة استراتيجيات وتكتيكات المليشيات والقوى الطائفية وجماعات العنف والتطرف في بلداننا، تكشف عن أن إضعاف فكرة الوطن والمواطنة يعدّ إحدى أولوياتها في العمل وتحقيق الأهداف. هذا يحتّم ضرورة إعادة مأسسة ثقافة السلم والتضامن، وهي في المعنى الأوسع، تتويج لمكانة الأفكار والثقافة وقيم التسامح والتعايش والمحبة الإنسانية، في إحداث انتقالات مجتمعية عفيّة باتجاه النهضة والديمقراطية والتنمية، من دون الحاجة إلى إحداث زلازل اجتماعية وأمنية تفكك النسيج الاجتماعي، وتهدر قيم المواطنة المشتركة وتكرس العداوات والأحقاد، وتغري باستخدام العنف وإراقة الدماء، لتهميش الآخر في الوطن وإقصائه والنيل منه، ضمن معادلة صفرية لا يسعفنا التاريخ بأن تقدماً وتنويراً وحداثة قامت على مثلها!
المراقبون يؤكدون أن المسألة الأكثر خطورة في ما يجري في كل من العراق وسورية وليبيا واليمن، هي أن الدولة وهياكلها في هذه البلدان تبدو الأكثر ضعفاً وعجزاً أمام قوات المليشيات والجماعات المسلحة. ومن هنا يكون التساؤل: كيف يمكن للساعين إلى تسوية سياسية أن يتحدثوا عن وجوب الحفاظ على الجيش هنا وهناك، فيما يد المليشيات هي الأعلى؟
لقد اتفق المتحدثون في "منتدى أميركا والعالم الإسلامي"، في دورته الثانية عشرة التي انعقدت قبل أسابيع في الدوحة، على أن إنهاء الصراعات والحروب في المنطقة يكمن في الحل الذي ينشأ من الداخل، من دون التعويل كثيراً على استيراد الحلول الخارجية، خاصة وأن كل الجهات المتصارعة؛ سواء في ليبيا أو اليمن أو سورية، وربما العراق، على قدم المساواة من حيث القوة والهيمنة.
حماية الدولة الوطنية من التفكك أساس لمواجهة التطرف والإرهاب. ولا يتصور مواجهة معهما في غياب دولة وطنية أو في ظل تمزقها وهشاشتها. ودروس التاريخ تخبرنا أنّه لا تشيع الحريات وينتعش البحث العلمي وتتقد العقول وتتحقق التنمية، في غياب السلم الأهلي وتجاوز حكم القانون والاضطرابات الأمنية والسياسية. هنا، كما نقول دائماً، يمكن الاستئناس بفكرة "الفتنة" التي كثر التحذير من ويلاتها في التراث الإسلامي، وتحديث مفهومها عبر مساواتها بمفهوم "الحرب الأهلية" في عصرنا، مع الانتباه إلى ضرورة التمييز بأن لا يكون هذا الاستئناس تبريراً لاستبداد سلطوي، أو تحجيماً للحريات العامة والفردية، أو لحق الشعوب في اختيار مصيرها وصناعة مستقبلها.
المحللون والأكاديميون يلفتون النظر إلى أننا نشهد في منطقتنا، منذ سنوات، فشل أو ارتباك بناء الدول الوطنية القومية بعد الاستقلال، وغياب إطارات الاندماج الإقليمي الملائمة، وتعاظم البعد الديني في السياسة، واندلاع الفتنة السنية-الشيعية. كما أننا، بحسب هؤلاء الأكاديميين، نشهد حالياً ترنح المشرق وإسقاط الحدود فيه، وضرب دوله المركزية. وفي هذه الرقصة بين التاريخ والجغرافيا، تبرز كيانات مذهبية ومنظمات جهادية عابرة للحدود وناقضة، بشكل حاسم، لمفهوم الدولة الوطنية أو الدولة-الأمة. وكل ذلك يطرح تساؤلاً رئيساً، في سورية واليمن وليبيا والعراق والسودان وغيرها، حول السيناريو الأكثر ترجيحاً بالنسبة لمستقبل نموذج الدولة القومية، عبر نهايته أو تأقلمه وتحوله لدولة مختلطة تعددية لامركزية، تسمح بتلبية مطالب المجموعات الإثنية والمكونات الأقلية، بما يتيح لاحقا تحديد السمات الرئيسة للنظام العربي بشكل فيدرالي.
التجارب التاريخية تدل على أن افتقاد أي مجتمع للتوافقات الوطنية العريضة والقيم المشتركة ذات المظلة الواسعة التي تضم أطيافا عديدة من التنوع والتعدد والثراء الثقافي والديني والاجتماعي... إنما يعني الافتقاد لركيزة أساسية في معانقة النهضة والتنوير والتنمية؛ وذلك لأن روح هذه الأخيرة متعلقة بالأمن والأمان والسلم والتضامن بين أبناء المجتمع الواحد.

التعليق