الرفض اليوناني ليس انتصارا للديمقراطية

تم نشره في الأحد 12 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

برنارد هنري ليفي*

باريس ـ برغم كل ما يقوله كثيرون الآن ـ وخاصة أولئك الذين ليس عليهم أن يتحملوا تبعات كلماتهم ـ فإن رفض الناخبين اليونانيين في يوم الأحد لآخر عرض إنقاذ من قِبَل دائني بلادهم لم يكن بمثابة "انتصار للديمقراطية". ذلك أن الديمقراطية، كما يدرك اليونانيون أفضل من أي شخص آخر، مسألة وساطة، وتمثيل، وتفويض منظم للسلطة، وهي ليست مسألة استفتاء عادة.
لا تصبح الديمقراطية مسألة استفتاء إلا في ظل ظروف استثنائية: عندما تفرغ جعبة القادة المنتخبين من الأفكار، أو عندما يفقدون ثقة ناخبيهم، أو عندما تصبح الأساليب المعتادة غير ناجحة. تُرى هل كانت هذه هي حال اليونان؟ هل كان موقف رئيس الوزراء الكسيس تسيبراس ضعيفاً إلى حد يجعله بلا أي اختيار آخر غير تمرير القرار لشعبه عن طريق اللجوء إلى شكل استثنائي من أشكال الديمقراطية وهو الديمقراطية عن طريق الاستفتاء؟ وماذا كان ليحدث لو قرر شركاء اليونان في كل مرة يواجهون قراراً يفتقرون إلى الشجاعة لاتخاذه قطع المناقشات والمطالبة بأسبوع حتى يتسنى لهم السماح لشعوبهم باتخاذ القرار؟
كثيراً ما يُقال ــ وهي مقولة صحيحة ــ إن أوروبا أكثر بيروقراطية وأقل عملية وأبطأ من أن تتخذ قرارات. وأقل ما يمكن أن يُقال هو إن نهج تسيبراس لا يعوض عن هذه النقائص. (وقد يُقال ما هو أكثر من ذلك إذا كان ليلهم المواطنين الأسبان لاتخاذ القرار الخطير المتمثل في انتخاب حكومة يقودها حزب مناهض للتقشف، حزب بوديموس).
ولكن فلننح هذا جانبا، ولنفترض أن القرار قبل تسيبراس كان حاسماً للغاية ومعقداً إلى الحد الذي جعله يستحق الخطوة الاستثنائية المتمثلة في الاستفتاء. في تلك الحالة، كان الحدث ليعكس ذلك القدر من التعقيد. كان من الواجب أن يعبر الحدث بدقة ووضوح عن إرادة الناس. وكان من الضروري أن يتم تنظيمه وتنفيذه مع الاحترام الواجب للمخاطر القائمة، مع قيام الحكومة بضمان نقل القدر الكافي من المعلومات للشعب اليوناني.
ولكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن اليونان حصلت على استفتاء مرتب على عجل. وحتى سؤال الاستفتاء كان مبهما ــ ولا يمكن فهمه بصراحة. ولم نر حملة معلومات عامة جديرة بالحدث. وكان الميل إلى التصويت بالرفض غير مفهوم؛ حتى أن تفاصيل المقترحات التي كان المفترض أن يرفضها الناخبون اليونانيون لم يتم الإفصاح عنها.
كان قدامى الإغريق يستخدمون كلمتين لوصف الشعب: "demos" من ديمقراطية و"laos" من غوغاء. ومن خلال دعوته الصبيانية لتحويل عبء أخطائه وعزوفه عن الإصلاح إلى أكتاف شركاء اليونان في أوروبا، يميل تسيبراس إلى التجلي الأخير لوصف الشعب، ويروج لأسوأ نسخة من السياسة اليونانية.
ربما يدافع تسيبراس عن نهجه في التعامل مع الاستفتاء بالتأكيد على أن هدفه لم يكن استنطاق الناس بقدر ما كان تعزيز موقفه في مواجهة دائني اليونان. ولكن ما هو المبرر لهذه المواجهة؟ ألأنهم أظهروا الجرأة للمطالبة بالتقدم نحو سيادة القانون والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن الجهود الرامية لترويض أقطاب الشحن في اليونان وأحبار التهرب الضريبي؟
لقد حقق الاتحاد الأوروبي السلام على وجه التحديد من خلال التعلم التدريجي لكيفية الاستعاضة عن منطق المواجهة القديم والصراع بمنطق التفاوض والتسوية. وعلى الرغم من عيوبه، أصبح الاتحاد الأوروبي أشبه بمختبر للإبداع الديمقراطي، حيث تجري لأول مرة منذ قرون من الزمان محاولة لتسوية الخلافات ليس عن طريق الحروب السياسية والابتزاز بل من خلال الاستماع والحوار والتوفيق بين وجهات النظر المختلفة.
وبهذا المعنى فإن الاستفتاء اليوناني كان بمثابة الإهانة لثماني عشرة دولة، بما في ذلك دول ليست في وضع يقل صعوبة عن وضع اليونان، ولكنها رغم ذلك قدمت تضحيات كبيرة لتمكين البلاد من الحصول في عام 2012 وحده على 105 مليار يورو (116 مليار دولار أميركي) في هيئة إعفاء من الديون، في حين ظلت مسؤولة أمام شعوبها. تُرى أي انحراف ذهني قد يمكن أي شخص من تسمية هذا التصرف "عملاً من أعمال المقاومة" أو "دفاعاً عن الديمقراطية"؟
الحق أن كثيرين فعلوا ذلك على وجه التحديد. ومنذ الاستفتاء، تصرف كثيرون وكأن تسيبراس كان آخر الديمقراطيين في منطقة اليورو، وكأنه كان في مواجهة شرذمة من "المستبدين" (كما جاء وصف السياسية الفرنسية اليمينية المتطرفة ماري لوبان) والتي "صمد" ببسالة في التصدي لها (على حد تعبير السياسي اليساري المتطرف جان لوك ميلينشيون).
لن أسهب في الحديث عن تحالف تسيبراس البرلماني مع حزب اليونانيين المستقلين اليميني ذي العقلية التآمرية، والذي لا يخجل زعيمه من التهجم اللاذع على المثليين جنسيا، والبوذيين، واليهود، والمسلمين. ولن أتحدث كثيراً عن حقيقة مفادها أن تسيبراس لم يمتنع، في سعيه حشد الدعم البرلماني لاستفتائه، عن التماس الدعم من حزب الفجر الذهبي النازي الجديد، الذي كان أي زعيم أوروبي آخر ليرفض أي عون منه.
ولكن بدلاً من ذلك، سوف أؤكد على حقيقة أن زملاء تسيبراس من الزعماء الأوروبيين ليسوا أقل ديمقراطية أو شرعية منه. وبلدان وسط أوروبا التي تحملت استبداد النازي والسوفييت لا تحتاج إلى دروس في الشرعية من أي شخص ــ وعلى الأخص ليس من رئيس الوزراء اليوناني. والواقع أن دول البلطيق الشجاعة ــ التي يُقال إن "شرعية" استقلالها موضع مراجعة من قِبَل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، وهو رفيق بغيض آخر من رفاق تسيبراس ــ لم تستسلم للرعب ولم تستسلم لإغراء إثقال كاهل آخرين بنكباتها. وهي لا تستخدم كفاحها ومعاناتها كذريعة للتقصير في واجب التضامن مع اليونان.
لا شيء من هذا يعني أننا نشطب عضوية اليونان في الاتحاد الأوروبي. ففي أوقات أخرى، تكبد اليونانيون ثمناً باهظاً بسبب رفضهم للنازية ورفضهم للدكتاتورية العسكرية. ولا شيء قد يكون أكثر إثارة للحزن والأسى من رؤيتهم وهم يضطرون إلى تكبد ثمن باهظ أيضاً لرفضهم يوم الأحد الماضي ــ المحاكاة الهزلية لأفعال الرفض النبيلة في الماضي.
أرجو أن يتحلى زعماء منطقة اليورو بالقدر الكافي من الصبر والتسامح لكي يدركوا حقيقة الرفض المعيب الذي سلمه المواطنون اليونانيون، وأن يكونوا يونانيين أكثر من أهل اليونان. وأتمنى أن يعملوا على نحو كفيل بمنع اليونان من الاضطرار إلى مواجهة المعنى الحقيقي المأساوي لتصويت يوم الأحد.

*أحد مؤسسي حركة "الفلاسفة الجدد".
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق