إعادة تشكيل الشرق الأوسط: "داعش" يغير الديموغرافيا في المنطقة

تم نشره في الأحد 12 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • أمواج من المهاجرين العراقيين الهاربين من بطش "داعش" - (أرشيفية)

جيمس أم. دورسي* - (ميدل إيست أونلاين) 8/7/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

للحرب الأهلية السورية وللنزاعات الطائفية العراقية التي تشمل مجموعة الدولة الإسلامية "داعش" تداعيات بعيدة الأثر على الديموغرافيات في عموم المنطقة. وقد شهدت منطقة إقليم كردستان العراقية التي كانت ذات مرة منطقة متجانسة إثنياً ديموغرافيتها وهي تتغير بشكل درامي بسبب تدفق أعداد ضخمة من اللاجئين العرب إلى داخل ما كانت ذات مرة دولة كردية قيد الانتظار. وفي الأثناء، أفضى تدفق اللاجئين الهاربين من مناطق في العراق يسيطر عليها "داعش" إلى تضافر جهود الجيش العراقي والميليشيات الشيعية ضد الجهاديين.
نتيجة لذلك، يتجلى في كردستان أثر "داعش" على الحدود والديموغرافيات في شكل تداعيات أكثر مباشرة وذات آثار بعيدة المدى. ويصبح ذلك صحيحاً في ضوء حقيقة أن سورية والعراق لم تعودا على الأرجح نفس الدولتين الأمتين اللتين كانتاهما منذ نيلهما الاستقلال وحتى وقت قريب.
التداعيات على الاستقلال الكردي
كان لذلك تداعياته على التطلعات الكردية لنيل الاستقلال، وهو ما تجلى في ذروته بعد اكتساح "داعش" في العام الماضي لشمالي العراق، حين استولت مجموعة "الدولة الإسلامية" على الموصل؛ ثانية كبريات المدن العراقية. وفي البداية، رد مسعود البرزاني، رئيس الحكومة الإقليمية الكردية على اكتساح "داعش" بفرض السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها مع حكومة بغداد، ثم بالإسراع في برنامجه الزمني لإجراء استفتاء يقرر فيه الأكراد إعلان الاستقلال.
مع ذلك، ومع وجود لاجئين من غير الأكراد والذين من المرجح أن يستقروا في المناطق الكردية على مدى المستقبل المنظور، إن لم يزرعوا لهم جذوراً ويشكلوا راهناً ثلث سكان كردستان العراقية البالغ عددهم 5.2 مليون نسمة، فإن فرص نيل الاستقلال الكردي تتعقد بشكل كبير. ويفرض تدفق اللاجئين تعقيداً مختلطاً على ما كانت ذات مرة منطقة هويتها كردية بشكل حصري تقريباً. وفيما ينطوي على مفارقة، يلائم هذا الانهيار غير المقصود لتدفق اللاجئين رؤية "داعش" المعادية للقومية، والتي تدعو إلى إقامة إمبراطورية إسلامية جامعة (خلافة).
إلى ذلك، أجبر التهديد العسكري المستمر الذي يشكله "داعش" برزاني على التخفيف من سقف تطلعاته. ومن المفارقة أن العكس يحدث في شمال غربي سورية حيث يتهم العرب السنة الأكراد السوريين، الذين سجلوا مؤخراً انتصارات كبيرة ضد "داعش"، بتنفيذ عمليات تطهير ضدهم في المناطق التي يسيطرون عليها، تحضيراً لإقامة دولة كردية سورية مستقبلية.
حساسيات مضاعفة
يشتمل تدفق اللجوء على حساسيات مضاعفة. ومثلما هو الحال في الأردن ولبنان؛ حيث غير اللاجئون من سورية والعراق الموازين الديموغرافية مسبقاً، وهم يضعون ضغطاً كبيراً على البنية التحتية للخدمات في البلدين، فإن العرب ينافسون الأكراد في سوق الوظائف في كردستان -غالباً عبر عرض أجور أقل بكثير مما يتقاضاه المواطنون الأكراد طبقاً لما دأبوا عليه. وعلى نحو مشابه، حلقت أسعار الإيجارات والعقار إلى عنان السماء، وعلى نحو يحد من وصول الأكراد المحليين إليها بعد أن لم يعودوا قادرين على مواكبة ارتفاع الأسعار.
من الممكن أن تأخذ التوترات المجتمعية الكامنة التي أصبحت مرئية في لبنان وسورية بعداً إضافياً في العراق، حيث لطالما تعايش الأكراد والعرب بصعوبة. ولا ينسى الأكراد أن رجل العراق القوي صدام حسين كان قد استخدم الأسلحة الكيميائية ضدهم في محاولة لإخماد ثورة الأكراد الذين كانوا يسعون إلى نيل الحكم الذاتي. ومباشرة بعيد سقوط صدام في العام 2003، قام الأكراد بطرد العرب الذين كانوا قد استقروا في كردستان بتشجيع من صدام.
في الأثناء، تتجلى أمارات التوتر المتفاعل في أوساط المواطنين الأكراد المتعاطفين مع أولئك الذين يفرون من أمام التمييز والقمع والعنف بسبب تاريخهم الخاص من مواجهة القمع. ولذلك، تجد أن الأكراد شرعوا في الإعراب عن الاستياء لأن عليهم مقاتلة "داعش" على خط الجبهة لحماية العرب الساعين إلى اللجوء بين ظهرانيهم.
يتفاقم تهديد التوترات المجتمعية بفعل اهتمام "داعش" بإذكاء نار المشاكل بين الأكراد والعرب. وكان طالب كردي قد اعترف بمسؤوليته في نيسان (أبريل) الماضي عن تفجير سيارة بالقرب من القنصلية الأميركية في عاصمة إقليم كردستان، أربيل.
الانفصال إلى صعود
في الأثناء، امتدح المحللون كلاً من الأردن ولبنان بسبب احتفاظهما بهدوئهما، رغم تصاعد التوتر في أوساط اللاجئين السوريين الذين يشكلون ما نسبته 25 % من السكان، وكذلك تزايد امتعاض السكان المحليين وغضبهم. كما أن هناك حالات توتر مرئية في تركيا أيضاً، التي يبلغ عدد سكانها 75 مليون نسمة، لكن لديها مشاكل ديموغرافية وهوية أقل من حيث استيعاب اللاجئين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتقاء مجموعة "الدولة الإسلامية" لم يخلق كياناً إسلامياً تطهرياً في قلب الشرق الأوسط، والذي يدعو إلى التحريرية الوحدوية ويتمدد في طبيعته فحسب، وإنما صب وقوداً أيضاً على نيران التطلعات الوطنية الكردية طويلة الأمد، وأشعل شرارة الاتجاهات الانفصالية بين صفوف العديد من المجموعات الأخرى.
ومن ناحية أخرى، يسود الانقسام صفوف العراقيين السنة الذين تهرب أعداد لا حصر لها منهم إلى كردستان، بينما يخشى آخرون من صعود نزعة القومية الشيعية المعادية للسنة، ويرون في تنظيم "الدولة الإسلامية" أقل الشرين. وقد تشهد الأقلية العلوية السورية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد انكفاء في اتجاه أرضها الأم على الساحل السوري كطريقة وحيدة للهروب من غضب معارضيه في حال عدم تمكنه من المحافظة على العاصمة دمشق. وتنجم في الغضون ميول انفصالية أيضاً في الجنوب العراقي الشيعي الآمن نسبياً والغني بالنفط، والذي يعد المحرك الاقتصادي للحكومة في بغداد.
في عموم الشرق الأوسط، تقوم مجموعة "الدولة الإسلامية" والنزاع العنيف بتغيير الحقائق على أرض الواقع، وتحمل العديد من المجموعات الإثنية والدينية على إعادة النظر في خياراتها. وفي كردستان، تضيف أسعار النفط المنهارة إلى كلفة استيعاب اللاجئين، وقد بدلت ما كان باتريك أوسغود، رئيس مكتب كردستان لتقرير النفط العراقي، يدعوه "الحسابات التي تستطيع معها حكومة كردستان الإقليمية الخروج من العراق". ويلاحظ أوسغود أن "الأعداد (الديموغرافية) تصب (الآن) في صالح عقد صفقة في إطار النظام الفدرالي" للعراق بدلاً من خيار الاستقلال.
وكما لاحظ فؤاد حسين، رئيس موظفي برزاني، فإنك "لا تستطيع أن تنام إذا كانت مجموعة الدولة الإسلامية في العراق وسورية جارتك. سوف تداهمك كوابيس عدة. الواقع أصبح الآن مختلفاً. إننا نواجه تهديداً... لقد انفجرت الفقاعة".

*زميل رفيع في كلية "أس راجاراتنام للدراسات الدولية وفي جامعة نانيانغ التكنولوجية"، وهو المدير المشارك في معهد ثقافة المشجعين في جامعة فيرزبيرغ في ألمانيا.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
Re-configuring the Middle East: IS and Changing Demographics

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق