أهمية القيم في حياة الإنسان

تم نشره في الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • أطفال بحرينيون يتلون القرآن الكريم في أحد المساجد - (أ ف ب)

عمان-الغد- تلعب القيم دوراً بارزاً في حياة الأفراد، فهي تشكل الجانب المعنوي في السلوك الإنساني، والعصب الرئيس للسلوك الوجداني، والثقافي، والاجتماعي عند الإنسان.
ويمكن القول إن القيم تشكل مضمون الثقافة ومحتواها، والثقافة هي التعبير الحي عن القيم، كما أنها تلعب دوراً بارزاً في تحديد سلوك الفرد، ويمكن تلخيص أهميتها في حياة الفرد في الأمور الآتية: تلعب القيم دوراً مهماً في تشكيل الشخصية الفردية وتحديد أهدافها في إطار معيار صحيح، ولقد كانت شخصية النبي عليه السلام نموذجاً حياً لمنظومة القيم التي جاء بها الدين، ولهذا فقد قالت السيدة عائشة عندما ُسئلت عن أخلاق النبي "كان خلقه القرآن".
كما تعمل القيم على إصلاح الفرد نفسياً وخلقياً، وضبط دوافعه وشهواته ومطامعه كي لا تتغلب على عمله، وتوجهه نحو الخير والإحسان والواجب.
ولهذا تراجع أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قراره قطع النفقة عن مسطح بعد أن خاض مسطح في حديث الإفك الذي مس عائشة رضي الله عنها وذلك بعد نزول قوله تعالى "وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".
فقال أبو بكر الصديق والله إني لاحب أن يغفر الله لي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا"، وبمثل هذه المعايير تنتصر قيم الخير والفضيلة كقيمة الصفح والعفو على كل دوافع النفس الأمّارة بالسوء كالغضب والتشفي وحب الانتقام، وتحقق للفرد الإحساس بالأمان، فهو يستعين بالقيم على مواجهة ضعف نفسه والتحديات والمحن التي تصادفه في حياته.
كما أن القيم تدفع الفرد إلى العمل وتوجه نشاطه، وتعمل على حفظ نشاطات الأفراد وبقائها موحدة ومتناسقة، وصيانتها من التناقض والاضطراب، يقول "إذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يغرسها فليفعل".
أما على المستوى الاجتماعي، فالقيم تحفظ على المجتمع تماسكه؛ إذ تحدد له أهدافه ومثله العليا ومبادئه المستقرة، وبالتالي يستقيم المجتمع في وحدة واحدة تحفظه من التشرذم والفرقة، وتربط أجزاء ثقافة المجتمع بعضها بعضا حتى تبدو متناسقة، وتعطيها أساساً عملياً يستقر في أذهان أفراد المجتمع، وذلك لكون الثقافة تحتكم لمعايير موضوعية منضبطة تقبل المتسق مع قيم المجتمع وتنبذ ما ينافرها، وتساعد المجتمع على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه، وذلك بتحديدها الاختيارات الصحيحة التي تسهل على الناس حياتهم، وتحفظ للمجتمع استقراره وكيانه في إطار موحد، وذلك لكون القيم بمثابة الميزان الذي توزن به الأشياء، وبالتالي تعد معياراً لما يقبل أو يرفض من السلوكيات.
التربية الرمضانية... الإحسان في العبادة
جاء لفظ (الحسن) بمشتقاته في القرآن الكريم في أربعة وتسعين ومائة موضع، وله معانيه المتنوعة بحسب سياق اللفظ، ومن أبلغ الأقوال في الإحسان قوله عليه السلام "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.
ففي هذه الكلمات النبوية الجامعة من مقتضيات المراقبة والخشية والإنابة والإتقان والاتباع وصفاء السريرة ما فيه صلاح الدنيا والآخرة، فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين: أعلاهما عبادة الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه حيث يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان.
ولذلك لما خطب عروة إِلَى ابن عمر ابنته وهما في الطواف لم يجبه بشيء، ثم رآه بعد ذلك فاعتذر إِلَيْهِ، وقال "كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا (الحلية، أبو نعيم).
والثاني: مقام المراقبة، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن ذلك يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل، قال بعض السَّلف "من عمل لله عَلَى المشاهدة فهو عارف، ومن عمل عَلَى مشاهدة الله إياه فهو مخلص".
وقالوا أيضا في الإحسان: فعل الخيرات على أكمل وجه، أوتحسين الظاهر والباطن، أوالإتيان بغاية ما يمكن من تحسين العمل المأمور به، ولا يترك شيئاً مما أمر به، وامتلاء القلب بحقيقة الألوهية كأنه يشاهد الله عياناً، والإحسان ذروة الأعمال، وهو أن تقدم الفعل من غير عوض سابق، بل يساء إليك ولا يسعك إلا أن تقدم الإحسان، كما فعل يوسف عليه السلام "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ* قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ".
فعاملهم بالإحسان فلم يعبر لهم الرؤيا فقط بل أعطاهم الحَل معه، ولم يذهب إحسانه سدى، فكل إحسان يفعله العبد حتى فيمن لا يستحقون لابد أن يكافئه عليه الله تعالى "هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ"، فاصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن صادف أهله فهو أهله، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله.
وخلق الإحسان يتسع ليشمل القول والعمل والعبادات والمعاملات، لذلك جعل الله تعالى رحمته ومحبته جائزة المحسنين "وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".
وللأسف نرى بعض الناس يقومون بالعبادات وكأنها هم يريد التخلص منه، فتراه يتثاقل عنها، أو يقوم بها من غير أن يؤديها حقها فيفقد بذلك الإحسان في العبادة، ولتقريب هذا المعنى لك أن تتصور من يقوم بخدمة أبويه متذمراً شاكياً متثاقلاً، فهل يرضى والداه عنه بالرغم من قيامه بالعمل، بالطبع لا، لأن هذا التضجر والتثاقل لا يتناسب مع الإحسان إلى الوالدين ولله المثل الأعلى، وكذلك عندما تعبد الله يجب أن يكون قلبك خالصاً له الذي أعطاك وأغناك وأمدك بالصحة والعافية لتقوى على عبادته، وعصمك من الإنحراف.
ولنا في نبينا‏ عَلَيْهِ السَلاَّمَ قدوة حيث كان ‏يَقُومُ ‏مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى ‏تَتَفَطَّر ‏قَدَمَاهُ فَقَالَتْ ‏‏عَائِشَةُ‏ ‏لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ:‏ أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا"، فما احوجنا في هذا الشهر الكريم وكل الشهور إلى الإحسان في العبادة والعمل.

د. ايمان "محمد رضا" التميمي
عضو رابطة علماء الاردن

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القيم نفس الحياة (عادل محمد بشير سالم)

    الأربعاء 24 آب / أغسطس 2016.
    حقيقة الموضوع رائع ومفيد، والقيم هى نفس الحياة، فمجتمع بلاقيم مجتمع لاحياة فيه، بارك الله فيك، واعجبنى التأصيل للقيم .