"تحت السيطرة".. الإدمان وعوالمه المرعبة

تم نشره في الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • مشاهد متعددة من مسلسل “تحت السيطرة” - (ارشيفية)
  • مشاهد متعددة من مسلسل “تحت السيطرة” - (ارشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- في مسلسل “تحت السيطرة”؛ المدمن ليس شخصا مجنونا، ولا يجب تجنبه، بل الوقوف بجانبه ودعمه في لحظات الانكسار والضعف والتخبط من أجل الحفاظ على ذلك الخيط الرفيع الذي يمنع من العودة لبراثن الإدمان. ربما يبدو مستحيلا أو صعبا، فعند أول لحظة يأس ينقطع الخيط ومن جديد تبدأ المعاناة.
شخصيات مختلفة في فئات عمرية متفاوتة وعلاقات بالأشكال كافة شرعية وغير شرعية، مراهقون وكبار، حتى الحب والتسامح موجودان، لكن هل يكفي كل هذا للتعامل مع أمر حساس وهو المخدرات والمدمن، وهل يكفي لتكون نهجا توعويا لهذا العالم وتحذيرا واضحا بخطورته من خلال المعالجة الدرامية؟
المسلسل أخرجه وكتب قصته المخرج تامر محسن مع الكاتبة مريم نعوم التي وضعت السيناريو والحوار، بينما شارك في البطولة نيلّي كريم (مريم)، أحمد وفيق (طارق)، هاني عادل (شريف)، ظافر العابدين (حاتم)، محمد فراج (علي)، جيهان فاضل (شيرين)، جميلة عوض (هانيا)، رانيا شاهين (إنجي) وغيرهم من الأبطال، يلقي بظلاله ويغوص في عالم المتعافين من الإدمان وانتكاستهم مرة أخرى مكتشفا عوالمهم التي تعد قاسية وجريئة.
تفاصيل العمل
ثلاثة أصدقاء، يجمعهم ماض مشترك دمرهم الإدمان ولكنهم خرجوا منه قبل أن يصبح لكل منهم حياته الخاصة وهم؛ طارق وشريف ومريم وشرين.
الحلقة التي من خلالها تدور كل الأحداث هي مريم “نيللي كريم”؛ حيث يموت حبيبها جراء جرعة زائدة لتهرب لدبي بحثا عن بداية جديدة فتقع في الحب وتتزوج من “حاتم” الذي يجسد دوره ظارف العابدين حتى يكتشف ماضيها وتبدأ المشاكل من جديد بعد عودتهما للقاهرة. وحينما تعود مريم تتذكر ماضيها والألم الذي هربت منه. وفي المقابل ينتكس طارق “أحمد وفيق” بعد ثلاثة أعوام حين يعرف أن حبيبته مريم أصبحت بالقاهرة فيما حلقة الوصل بينهما هي “انجي” الممثلة رانيا شاهين ليعودوا لطريق الإدمان مجددا.
السيناريست مريم نعوم ونيللي كريم
هي ليست المرة الأولى التي تقدم بها السيناريست مريم نعوم شخصية فذة مثل نيللي كريم، ومن خلال تعاملها مع قضية حساسة ابتعدت فيها عن أسلوب الخطاب المباشر وفي الوقت نفسه تحمل رسالة توعوية للمجتمع من خلال شخصيات حية بخلفيات متعددة من المنزل والمدرسة والعمل أي في المحيط نفسه، لكنها أخرجت أسرار عالم لا يعلمه سوى المدمنون أنفسهم قد يكونون أمام أعيننا ولكن لا نراهم.
في “تحت السيطرة”، تغوص نعوم في شخصيات مختلفة تعيش في عالم ولها مشاكلها الخاصة ولو حملت بعض السوداوية يعيشون في عزلة ووحدة إجبارية لأن المجتمع ينبذهم، ولا يمكن لهم الخروج منه وهنا يكمن التحدي في مواجهة ما يعانون منه ويحاولون الخروج أو يقعون في الانتكاس مرة تلو الأخرى حتى يضيعوا إلى الأبد.
وفي محاولة لتوضيح حجم مأساة الإدمان نفسه، تظهر براعة رسم كل شخصية وعلاقتها بالأخرى، وكيفية تطورها، وبين أسلوب الخطاب المباشر كما في جلسات الدعم والعلاج الجماعي، تبقى مشاهد أخرى تتكرر في محاولة الإقلاع عنه أو “التبطيل” كما في لغة المسلسل نفسه فيما بعض الأحداث سريعة وبطيئة في الوقت نفسه.
وبين نعوم ونيللي رابط قوي، فهي الشخصية المحورية لثلاثة أعمال كتبتها نعوم هي “ذات” وغالية في “سجن النسا” وآخرها “مريم” في “تحت السيطرة”. وكان دور نيللي كريم في “ذات” مهما في مسيرتها المهنية.
وفي دورها في “تحت السيطرة” بشخصية مريم المدمنة، تحولت بشكل كبير فهي المدمنة التي تعيش صراعا كبيرا في حيرة وشك، فالمدمن يتعلق بقشة وأي فقدان لها يجعله عرضة للوقوع في براثن الانتكاس مجددا وهذا ينطبق على علاقتها بزوجها والشعور بالأمان والحب، فحين أصبح الحب معرضا للخطر بسبب ماضيها باتت هشة وضعيفة من خلال أول صراع حقيقي وقع بينها وبين زوجها في العمل.
ويعتبر الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن “تحت السيطرة” نقلة في الدراما المصرية من خلال السيناريست مريم نعوم، وقدرتها على منحه مشاعر وعمقا عاطفيا وتحليلا للشخصيات المنفردة، خرجت فيه على طريقة الكتابة التقليدية. وتأتي قدرة نيللي كريم على عيش الشخصية والتوحد معها بكل جوانبها بطريقة ناجحة وإيجابية، ما يثبت ويؤكد أنها ممثلة ناجحة ومن أفضل الممثلات للموسم الدرامي الحالي بأداء “عبقري”.
ويرى الشيناوي، في تصريح خاص لـ”الغد”، أن العمل يمس قضية مهمة للغاية ويعالجها بطريقة عصرية ومختلفة.
المخرج والطاقم
في “تحت السيطرة”، تظهر بشكل واضح الإدارة الناجحة للمخرج لممثليه من خلال قدرته على استخراج وتحليل الشخصيات وجعلها حية من على الورق لتكون كما هي بأدائهم وترابطهم بالأحداث لتغدو الدراما حية بفضل الطاقة التمثيلية لممثليه.
وبعد مسلسل “بدون ذكر أسماء” مع السيناريست وحيد حامد، كان لتامر محسن دور كبير في استخراج الجانب النفسي للشخصيات، وهو ما ركز عليه في مسلسه “تحت السيطرة” أيضا، مستعينا بأجواء بصرية ومحيط يكشف مكنوناتهم ويعتمد على الحوار وحركة تلك الشخصيات في ايقاع متوازن، مستعينا بزوايا تصويرية مختلفة بمونتاج وموسيقى ارتبطت بلحظات اليأس والانكسار وحتى القوة والأمل، بغية تقديمها كما هي مجردة في كل لحظاتها.
ومن خلال إتاحة المساحة الدرامية لشخصيات العمل بدون التركيز على شخصية واحدة قدم مكامن قوة لشخصيات مؤثرة ثانوية ذات أداء قوي مثل الممثل محمد فراج وجميلة عوض.
ويرى الشناوي أن المخرج تامر محسن له دور البطولة في هذا العمل من خلال قدرته على إدارة وقيادة ممثليه وكشفه عن مكنوناتهم وطاقاتهم التمثيلية التي دفعت بهم لأقصى حد.
أما الممثل أحمد وفيق بدور طارق، فكانت شخصيته مؤثرة، فشارك في مشاهد جريئة صعبة وفي بعض الأحيان من خلال علاقته بزوجته وكأن غريزته هي التي تحركه. فكان دوره يجسد الشخصية الضعيفة لإنسان لا يقدر على مقاومة أي إغراء ومن السهل أن يخرج عن مساره بدون إرادة.
ويعلق الشناوي على أن المحتوى الجريء والكلام الذي كان أحيانا “مبتذلا” بلغة المدمنين، لكنه كان يخدم النص ومبرر دراميا، فهو كلام ذو تأثير يكشف أمورا مختلفة عن العالم السري للمدمن. والأهم أن العمل يدعو للتعامل مع المدمن كشخص يجب دعمه لا نبذه بل تحفيزه على التعافي.
محتوى جريء وثنائيات مختلفة
الحدث الذي يذهب إليه المدمن للحصول على مخدراته يبدو صادما، وهو ما أظهره المسلسل حتى الآن، ففي الوقت الذي كانت فيه أول 15 حلقة تثبت أن الإدمان لا يمكن أن يكون أبدا أمرا يمكن السيطرة عليه، تخرج الأمور على مسارها وتتطور بشكل سريع في الحلقات التي تليها.
الحلقات الأولى من مسلسل “تحت السيطرة”، تؤكد شيئا واحدا وهو أن لا شيء تحت السيطرة على الإطلاق طالما كان الإدمان طرفا في المعادلة، كما قدم المخرج والكاتبة ثنائيات ذات ظروف مختلفة في محاولة لإلقاء الضوء على أن المدمن يتواجد في أي محيط وفي كل الظروف والغواية التي يشكلها المخدر كأنه حل سحري للهروب. فيما تقدم بعض المشاهد من خلال السيناريو راسلة أن لكل طريق سير في الإدمان بنهاية حتمية تطورت شيئا فشيئا حتى بلغ الأمر لمرض الايدز وتدمر علاقة راسخة فيما النتيجة واحدة هي النهاية المأساوية.
وتمثل علاقة حاتم ومريم علاقة الثنائي السوي في البداية، لأحدهما ماض وطرف آخر لم يتقبله فيهرب منها تاركا إياها تتخبط في مشكلة كان هو طرفا فيها وتخلى عنها رغم الحب الذي كان سلاحهما القوي.
ويغدو الثنائي ميزو “لؤي عمران” وانجي “رانيا شاهين” اللذان يظهران دائما منذ البداية في حالة غياب عن الوعي ومحيطهما مرتبط بتلك الحالة من خلال الشقة المزرية التي بيع معظم أثاثها من أجل المخدرات، تدخل انجي بعلاقة بطرف ثالث مع طارق.
طارق “احمد وفيق” وعلاقته بزوجته أيضا سلمى “انجي ابو زيد” التي تكتشف عودة زوجها للإدمان من خلال علاقته بحبيبته السابقة وعودته لمركز العلاج ومعاناة أول ليلة بدون مخدر، وطريقة تعامل المخرج مع الوضع بمزج بصري بأن لكل ثنائي سقطاته وكيفية التعامل مع المخدر بدون أن يعلم الى أين يقوده مصيره.
وفي علاقة هانية وعلي بعد آخر، فهي علاقة غير متكافئة بين مراهقة ورجل ثري بدون أي مؤهل، تقع في غرامه من أول “جرعة”، حتى تصبح ثمنا للمخدرات.
“تحت السيطرة” يلقي بظلاله على الإدمان بشخصيات من الواقع بعضها كان سطحيا وأخرى محورية مؤثرة، ليتصدر هذا العمل قائمة أفضل الأعمال الدرامية المشاهدة.

التعليق