تلوث.. سمعي نفسي!

تم نشره في الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

د. رجائي الجاعوني

للأذن خاصية لا تتعلق بالسمع فقط، وإنما هي أيضاً لتصنيف وغربلة الأصوات بما يتناسب ومزاجية صاحبها الذي قد يكون ذا طبع حساس فلا يقبل إلا جميلاً ويرفض النشاز من الأصوات التي تؤثر سلباً على صحته النفسية، وبما ينعكس على أداء العمل أو الدراسة. أما صاحب الأذن التي تتقبل كل أخلاط الطبقات الصوتية، فإنه يتمتع بحياة أفضل؛ إذ يتجاوز المنغصات وما يسمى "التلوث السمعي"، بلامبالاة غريبة، مع الاستمرار في تأدية عمله بكل أريحية وانسجام حتى على وقع هدير طائرة فوق مطار أو صفير قطار ستيفنسون في زمانه.. والطرق على الصفيح بما يسمى موسيقى بائع الغاز في بلادنا!
حدث في يوم قريب جداً، أن زار أحد الصحفيين المهتمين بالشؤون الإنسانية، منزل عربي متواضع، دُمر جزء منه بقذيفة حرب عمياء ينقصها الذكاء. وكانت حينها تعاني المدينة حر صيف أدى إلى رفع سخونة الغرفة، ما حدا بصاحب البيت لإدارة المروحة المتهالكة المعلقة في السقف للتخفيف عن الضيف الممسك بمنديل يجفف عرقه، وهو يجلس على فراش رقيق في ركن قَصي. وفجأة، انطلق بكاء ثم صراخ الطفل ذي الأربعة أعوام، وكان مستلقياً في الركن المقابل. وهو ما أثار استغراب ودهشة الزائر؛ لماذا تزامن بكاء الطفل وصراخه مع تشغيل المروحة التي من المفترض أن تريحه ببعض الهواء؟
كان جواب الأب أن صوت المروحة يحيي لديه رهاب صوت الطائرات الحربية التي تقصف وتتسبب في قتل الناس؛ "فبعد آخر قذيفة قريبة التهمت جزءاً من منزلنا، دخل في حالة من الاكتئاب. إنه لا يتكلم، نظراته تطفح فزعاً، ولا ينادي إلا على أمه التي فقدها مع الجزء الذي انهار من البيت.. مأساة، أليس كذلك؟".
هز الصحفي رأسه حزناً بعد توقف الكلمات في حلقه، ثم مضى خارجاً ويده تطبطب على كتف الأب المكلوم!
في الغرب، يحذرون شعوبهم من آثار الضوضاء، لأنها تكلف المليارات في علاج ارتفاع ضغط الدم الشرياني وأمراض القلب، بالإضافة إلى العلاج النفسي الذي يرفع فاتورة العلاج إلى مستوى تعجز الموازنة على تغطيته. ثم اتفق العلماء على أن معدل "85 ديسيبل" هو الخط الأحمر لصحة الإنسان، وخاصة الأذن. ففي العام 1990، كان يتعرض 30 مليون شخص في الولايات المتحدة لأصوات مهنية بمعدل تجاوز 85 ديسيبل لأكثر من ثماني ساعات. وفي ألمانيا ودول متطورة أخرى، يتعرض نحو 12 - 15 % من الموظفين لمعدل مرتفع من الصوت، أدى الى تأثير سلبي على طبلة الأذن وتلف الأذن الوسطى، وبعضهم أصابه أرق وغضب وإحباط، وصداع. كما وجدوا في العام 2006 أن الضوضاء تضيف معاناة بطء التطور اللغوي والتعلم عند الأطفال. أما في أستراليا، فقد اكتشفوا أن استمرار الضجيج يغير أيضاً من ضربات قلب الجنين! فكيف تكون حال أطفالنا قبل كبارنا الذين يتعرضون لأكثر بأضعاف من 120 ديسيبل عند كل انفجار، في دول تعيش تحت وطأة الحروب وغارات طائراتها أو قصف مدافعها؟! هل سيكون الصمم عند الأطفال، وأمراض القلب وحالات الاكتئاب، هي المتسيدة والعامة على تلك الشعوب؟
عند توقف القتل الجماعي في حروب تُدمر، فتعيد ما بناه الإنسان في عقود بل وقرون إلى الخانة الأولى، تقوم الدول عادة بإحصاءات تتعلق بالخسائر المادية والجسدية والنفسية، كما حصل عقب الحرب العالمية الثانية التي ما يزال الغرب والعالم أجمع يكتشفان حتى الآن نتائج سلبية محبطة لها، وخاصة على المستوى الإنساني. وهنا أذكر قصة الجندي المظلي الذي قذفته طائرته مع مجموعة من رفاقه على مدينة أوروبية، فعلقت خيوط مظلته في برج كنيسة تقرع أجراسها كثيراً بلغة الشيفرة، لإعطاء معلومات وأوامر. وقد بقي معلقاً لأكثر من يوم دون أن ينتبه له أحد، وبعد إنزاله على الارض كان قد فقد سمعه!
في رمضان، شهر الصيام والتواصل والمحبة، تخرج من قمقم المارد مفرقعات يطلقون عليها ألعاباً نارية، بمصاحبة صراخ الصبيان انشراحاً، فيما هي المؤذيات للسكان في كل الحارات التي يقطنها كل الأعمار. والأغرب أنني حين أردت شراء مفرقعات من البقالات، فقط للتأكد من تسويقها، أنكر جميعهم وقالوا بجدية: إننا لا نبيعها أبداً لأنها غير متوفرة. فلجأت الى أحد الصبيان الذين كانوا يستمتعون بفرقعتها وطلبت منه شراء شي منها. فأخذ النقود وغاب خمس دقائق ليعود وبيده ما طلبت!
أيها العالم المتشعب الثقافات، أيها المتحكمون بالحروب من أجل الديمقراطية والإنسانية، ارحموا سَمْعَنا وأعصابنا. ويا أيها الحالمون بالسلام، انتظروا ولا تستسلموا؛ فالهدوء سيحل يوماً، والمحبة ستعم، وآذان أطفالنا ستحظى بصحة جيدة.. فقط الصبر!

التعليق